الاقتصاد الإسلامي علم أم وهم؟ (حوارات لقرن جديد)

  يأتي كتاب ((الاقتصاد الإسلامي علم أم وهم)) ضمن سلسلة حوارات لقرن جديد  التي تصدرها دار الفكر لاستيلاد فكر جديد يشب عن الطوق ويضيف إلى المألوف من خلال مقابلة الرأي بالرأي الآخر، ومن ثم مخضهما أو دفعهما للالتحام.

 

ضمن هذا المنهج ، يتحدث الدكتور غسان محمود إبراهيم عن (الاقتصاد الإسلامي بين الشك واليقين)، فيتساءل حول: أيهما أصح، القول باقتصاد إسلامي أم بأفكار اقتصادية إسلامية؟ وكيف يجب أن تستثمر كل الطاقات الفعلية والكامنة التي يحرضها الاقتصاد الإسلامي أو غير الإسلامي دون أن تسمح بالتضحيات الإنسانية التي لازمتها في الاقتصاد غير الإسلامي؟ وفي معرض الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها يناقش بعض المقولات الأساسية التي تنضوي تحت عنوان الاقتصاد الإسلامي أو في إطار المنتج له، ومنها مقولة الملكية، يرى أن الملكية الاجتماعية المادية من وجهة نظر الخطاب الاقتصادي الإسلامي ملكية مجازية مجردة بالضبط لأن الإنسان المسلم مستخلف عليها، ولذلك فإن الملكية هي حصراً لله عز وجل، وما الإنسان إلا فرد مستخلف فيها (ص23)، وتتجلى تلك الملكية الإلهية في أشكال اجتماعية محددة ومعينة وهي: الملكية الفرديةـ الشخصيةـ الخاصةـ العامة، ثم أضيف إليها لاحقاً وبما ينسجم مع سنة التطور التاريخي، الملكية المشتركة والملكية المساهمة، وليست الملكية الاجتماعية بحد ذاتها هدفاً للاقتصاد السياسي، بل هي في أحسن الأحوال أداة تسهم بشكل مباشر أو غير مباشر في تلبية الحاجات البشرية المتعددة والمختلفة أو في عرقلتها.

ويرى الكاتب أن إبراز البعد الديني في مقولة الملكية في الإسلام على حساب البعد الدنيوي، يعني عملية معارضة الدين بالذات بالضبط من حيث تمويه مسألة الاستغلال الذي تشترطه بشكل من الأشكال وإخفاؤها، هذه الملكية عندما يتعلق بها العمل المأجور ضرورة، بمعنى آخر,تمويه شكل الملكية المستغلة وإخفاؤه أيضاً من أجل استبعاد الاستيلاء الاقتصادي على هذه الملكية إذا اقتضت الضرورة والحاجة التاريخيتان ذلك، أيضاً للإيهام بأن هذه الأشكال للملكية الاجتماعية في الإسلام هي أشكال فوق تاريخية، أزلية، خالدة (ص27).

وعن (الفائدة) يستغرب الكاتب أن تعطى كل ذلك الاهتمام من قبل الناطقين بالاقتصاد الإسلامي لأنها ـ برأيه ـ مقولة اقتصادية عرضية وهامشية، ويتساءل كيف يمكن تفسير الرخاء الاقتصادي المؤهل والتقدم المادي الهائل الذي بلغته بعض الاقتصادات غير الإسلامية التي اعتمدت نقيض تحريم الفائدة المصرفية؟ وبناءً عليه، يرى أنه لايمكن عملياً ومنطقياً بقاء النظام المصرفي في الاقتصاد غير الإسلامي في حال إلغاء الفائدة، ويجب التمييز بين (الربا) الذي حرمه الإسلام وبين (الفائدة) المصرفية التي تعادل تماماً الربح بالنسبة إلى الرأسمالي، أو الأجر بالنسبة إلى العامل المأجور، أو الريع بالنسبة إلى المالك العقاري.وتحت عنوان ((سمات الاقتصاد الإسلامي)) يورد الدكتور غسان إبراهيم آراء الكتاب والباحثين الإسلاميين وتصوراتهم حول الاقتصاد الإسلامي وأسسه من مثل:الاعتراف بالملكية الشخصية والخاصة ـ التغاضي عن مسألة الملكية العامة ـ اعتماد النظام المصرفي الحديث مع بعض التعديلات.

في القسم الثاني  يتحدث الدكتور منذر القحف,عن النظام الاقتصاد الإسلامي وعلم التحليل الاقتصادي الإسلامي، وفيه يحاول رسم ملامح عامة للاقتصاد الإسلامي من حيث كونه نظاماً مبنياً على التصور الإسلامي للكون والحياة و من حيث كونه تحليلاً اقتصادياً يفسر سلوك الإنسان في نشاطه الإنتاجي والتوزيع الاستهلاكي، كما يحاول أن يستخلص قواعد التغير في مقادير الاستهلاك والاستثمار بما يساعد على معرفة كيفية التأثير فيها عند الحاجة. وقدم عرضاً سريعاً لأهم النظريات الاقتصادية الإسلامية من نظرية سلوك المستهلك ونظرية السلوك المنتج، ونظرية السوق، ونظرية الدور الاقتصادي للدولة، وتأثير المؤسسات الإسلامية والمبادئ التي جاءت بها الشريعة الغراء في ذلك كله. كما درس فيه نظرية التمويل والمصرفية الإسلامية، فبين مبادئ التمويل الإسلامي وأسسه، وعرض التطور الذي يمثله في مسيرة الإنسان الاقتصادية وسعيه لتعرف أفضل الأساليب للجمع بين الأموال والوفورات عند من تتكون عنه من جهة، والأعمال والقدرات الفنية من جهة أخرى، في مشاريع تفيد المجتمع وتعمل على تنميته، فيرى أن النظام الإسلامي يقيم الناس فيه حساباتهم للمنافع على أن لكل تصرف اقتصادي يقومون به، نتائج في الدنيا وفي الآخرة، وأن المقارنة بين تكلفة كل تصرف، وبين منافعه يدخل فيها جميع تلك النتائج بشقيها ,والقانون الإسلامي نفسه يدور كله حول حماية الأفراد وحماية حقوقهم الشخصية والاقتصادية والسياسية، وهو يقوم أساساً على العدل ومنع الظلم (ص156).

لاستكمال هذه التجربة المتقدمة من الرأي والرأي الآخر يتضمن الكتاب تعقيباً من الدكتور منذر القحف على ما كتبه الدكتور غسان إبراهيم، وتعقيباً من الدكتور غسان إبراهيم على ما كتبه الدكتور منذر القحف، فيتناقشان بلغة هادئة رصينة حول النقاط التي اختلفا عليها وكثيراً ما نجدهما يتقاربان في آرائهما من حيث لا يدريان.

إن كتاب ((الاقتصاد الإسلامي علم أم وهم)) تجربة متطورة في إصدار الكتب كونه حوارية يجريها عالمان اقتصاديان مختصان من خلال وجهتي نظر مختلفتين تجعل القارئ يجد أجوبة شافية عن علاقة الدين بالاقتصاد، والعلاقة الحقيقية بين إصلاح القاعدة الاقتصادية وبين التطور الروحي الشامل للفرد والمجتمع، وكيف يمكن بناء نظريات اقتصادية إسلامية تحقق تنمية وطنية.. وغير ذلك من الأمور التي تتعلق بالاقتصاد الإسلامي في جوانبه الواسعة.

 

 

إضافة تعليق

6 + 7 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.