الاقتصاد الإسلامي علم أم وهم؟ مناقشة كتاب غسان إبراهيم ومنذر قحف

غسان إبراهيم، كما جاء على غلاف الكتاب، من مواليد صافيتا ( سوريا ) 1958م، حصل على الدكتوراه في الاقتصاد من ألمانيا الشرقية 1989م، يدرّس الاقتصاد في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق. وله عدد من المؤلفات، منها :
· نقد الخطاب الاقتصادي الإسلامي المعاصر 1993م.
· بنية الدولة الشرقية 1993م.
· نقد الخطاب 1999م.
ومنذر قحف من مواليد دمشق 1940م، أمريكي من أصل سوري أيضًا، حصل على البكالوريوس في التجارة من جامعة دمشق 1962م، ودبلوم في التخطيط من دمشق 1967م، والدكتوراه في الاقتصاد من جامعة يوتا بالولايات المتحدة الأمريكية 1975م. وله العديد من الكتب والبحوث العلمية المنشورة باللغتين العربية والإنكليزية، منها :
· الاقتصاد الإسلامي 1979م.
· النصوص الاقتصادية من القرآن والسنة 1995م.
· تمويل العجز في الميزانية العامة في النظام الإسلامي، المؤتمر الاقتصادي الأول، حلقة النقاش الأولى لاستكمال تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في المجال الاقتصادي، الديوان الأميري، الكويت، 1993م.
· مفهوم التمويل في الاقتصاد الإسلامي 1991م.
· الأوقاف، أكثر من كتاب وبحث.
منذر قحف إسلامي، وغسان إبراهيم ماركسي. والحوار بينهما أشبه ما يكون بالحوار في الاتجاه المعاكس بالجزيرة، قد يبدو غير مفيد، لكنه يعطي فكرة عن التعددية الفكرية في مجتمعاتنا، التي قد لا يتمخض عنها شيء ذو بال، بل قد ينشأ عنها أن القوى البشرية تتلاغى ولو جزئيًا.
اشترك الباحثان في كتاب " الاقتصاد الإسلامي : علم أم وهم "، نشر دار الفكر، دمشق، 1420هـ = 2000م، في سلسلة " حوارات لقرن جديد ". ويقع هذا الكتاب في 248 صفحة من القطع الصغير، توزعت فيه الحصص كما يلي :
المتن :
· حصة غسان إبراهيم : 79 صفحة.
· حصة منذر قحف : 113 صفحة.
التعقيب :
· حصة غسان إبراهيم : 12 صفحة.
· حصة منذر قحف : 16 صفحة.
من المحتمل أن القحف زاد، أو الإبراهيم نقص. فهناك فرق كبير بين الحصتين.
التعليق :
ما كتبه منذر واضح، لكن قد أُتهم بأن شهادتي له مجروحة، لأنني مثله من أنصار الاقتصاد الإسلامي. وما كتبه غسان غير واضح، فلا هو يخدم الاقتصاد الإسلامي، ولا هو يخدم الاقتصاد الاشتراكي. فلا ريب أن في الاقتصاد الاشتراكي حسنات كان بالإمكان لغير غسان أن يجليها بصورة أوضح. ونحن في الاقتصاد الإسلامي لا نرى عيبًا في الأخذ من الاقتصاد الاشتراكي أو من الاقتصاد الليبرالي، أو الأخذ من نقادهما، فهناك من ينقد الاقتصاد الرأسمالي مثلاً من داخله. وقد نضيف إلى الاقتصاد الإسلامي من عندنا باستلهام الشريعة الإسلامية.
والمراجع التي رجع إليها غسان غير كافية، لا من حيث الكم ولا من حيث النوع، فربما رجع إلى ما تيسّر له على طاولته من كتب حصل عليها بالمجان أو بطريق الإهداء، فلم ألاحظ أنه حاول الاستقصاء في الباحثين والبحوث، ولم ألاحظ أنه قد فرّق بين الغث والسمين.
وذهب غسان إلى أن الاقتصاد الإسلامي لا حاجة إليه حتى الآن، إذ لا يزال الكثير في جعبة الاقتصاد الوضعي! وهذا ما ذكرني بقصة، هي أنني ذهبت إلى المحافظة أو البلدية في هذا الصيف الفائت، فوجدت شيخًا مسنًا يخرج منها وهو يائس من معاملة الموظفين وفسادهم، مرددًا بعض العبارات المسموعة : المحافظة لا تتدخل بينك وبين جارك حتى ينهدم البناء، أو يقتل أحدكما الآخر!
وعبارات غسان أشبه ما تكون بمفردات ماركسية غامضة، لا يفهمها أساتذته، فكيف بطلابه؟ من الممكن أن يتسبب هذا في نفور الطلاب من علم الاقتصاد، وربما يصل بهم الأمر إلى حد الكفر بالعلم كله! ونحن نعلم أن النظام الأمني في العديد من البلدان كأنه يقول : إما أن يكون ولاؤكم لنا بصورة واضحة صريحة، أو لا بأس أن تكونوا معارضين لنا ولكن بصورة غامضة غير مفهومة! ومن هنا يفزع الكثير من الباحثين إلى المنطق والفلسفة وعلم الكلام وعلم السياسة وعلم الحيوان وما شابه ذلك من علوم غامضة قليلاً أو كثيرًا، بحثًا عن مظلة آمنة، يظهرون فيها أنهم مفكرون، والحقيقة أن كثيرًا منهم ثرثارون خائفون!
المشكلة في غسان أنه لا يستطيع نقد منذر، وكما أن هناك مآخذ على غسان هناك مآخذ على منذر، الذي قدم الاقتصاد الإسلامي لغسان بصورة مثالية لا خلاف عليها. قدم منذر ملخصًا مفيدًا من النظام الاقتصادي الإسلامي، واقترب من التحليل الاقتصادي الإسلامي أكثر من غيره. وربما يقال إن ما قاله منذر معروف للكثيرين من الاقتصاديين المسلمين، هذا صحيح، ولكنه ربط بين مفرداته المعروفة وصاغها صياغة جيدة. ولكن قد يؤخذ عليه أنه قدم عمليات التمويل الإسلامي، وكأن ليس هناك خلاف عليها، مثل : المرابحة والإجارة والتورق. ربما فعل هذا لأنه يؤثر أن يكون مستشارًا خبيرًا على أن يكون ناقدًا حرًا، أو لأن شريكه في الكتاب ليس مختصًا بالاقتصاد الإسلامي، فهو إن كان مختصًا بشيء فهو مختص بنقض الاقتصاد الإسلامي، ولكن بعبارات غامضة، لا تكاد تبين عن شيء، ولا يكاد يفهم عنها القارئ شيئًا، حتى لو كان هذا القارئ من أنصاره.
وغسان غير متضلع بالعلوم الإسلامية، بل غير ملمّ، فكيف يستطيع النقد والنقض؟ لعلي أقول إنه رافض، وهو رافض بأحكام مسبقة. وهناك من أشياعه من خففوا وغيّروا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، أما هو فيبدو أنه بقي متصلبًا عند الماضي! وهؤلاء الذين خففوا وغيروا، منهم المقتنع ومنهم الانتهازي الذي " يتشقلب " حسب الظروف والمناسبات، المهم أن يبقى في السلطة : اشتراكي، رأسمالي، إقطاعي، لا يهم!
الخلاصة أن الاقتصاد الإسلامي عِلمٌ عند منذر، وهْمٌ عند غسان، لأنه يجهله، والإنسان صديق ما يعلم وعدو ما يجهل! ولو عنون غسان ورقته : " الاقتصاد الإسلامي بين الشك والظن "، بدل الشك واليقين، لكان أفضل له ولغيره. فهذه العلوم وأمثالها لا يطلب فيها اليقين، وإن كان الاقتصاد الإسلامي قد يكون أقرب إلى اليقين من غيره، لأن من مصادره الوحي، ولأن اليقين لا يكون إلا من الله. أما آراء البشر، ومنها آراؤهم في الاقتصاد، ففي الغالب هي مجرد ظنون، تقوى وتضعف، حسب الأشخاص والأحوال والظروف.

إضافة تعليق