الاقمشة المطبوعة تسرد تاريخ الشعوب

طباعة الأقمشة بوساطة القوالب والأختام الخشبية حرفة عريقة تتماهى بالفن، تعود إلى سنوات ما قبل التاريخ، حيث انتشر الختم المسطح في أواخر الألف الخامس، في كل من مصر وسوريا وبلاد ما بين النهرين ثم تحوّل الختم إلى شكل الأسطوانة، فسمي «الختم الأسطواني»، الذي ساد استعماله منذ منتصف القرن الرابع قبل الميلاد، إضافة إلى الختم المسطح.

تشير الدراسات إلى أن الأختام القديمة، حملت مشاهد من الطبيعة، دون تناظر في الأشكال أو انسجام في الخطوط الهندسية، كما حملت تمثيلاً بدائياً للأشخاص والحيوانات. ثم تطورت أشكالها لتصبح أكثر واقعية من حيث الموضوع والأسلوب الفني. ومن أهم ميزات الأختام السورية القديمة، استعمالها الشمس المذيّلة والمجنحة المرتكزة على شجرة الحياة. وقد قدمت هذه الأختام، وثيقة مستقلة عن عصرها، وكانت بمنزلة مرآة عكست مظاهر تطور أممها، وشكلت المنطلق الأساس في ابتكار أشكال جديدة من أختام وقوالب لاحقة، تغيرت وظائفها تبعاً لتطور حاجات الإنسان.

وفن طباعة الأقمشة بوساطة الأختام والقوالب الخشبية، يستلزم وجود أكثر من حرفة، منها: الطباع، والصباغ، وحافر القوالب، وغالباً ما يكون هو نفسه الطباع الذي عرّفه قاموس الصناعات الشاميّة بأنه هو من يطبع أصناف الألوان على الأقمشة بوساطة قوالب حسبما يختار صاحب القماش.

 والقوالب المستخدمة في عملية الطباعة هذه، فهي إما أن تكون من خشب صلب، محفورة بالرسم المرغوب، أو من صفائح نحاسية محفورة أيضاً، تغطى بالصمغ العربي أو بمحلول النشا، وتطبع على القماش، وبعد جفافه تغمس باللون المراد.

 أسر ومدارس

 هذه الحرف الشعبيّة العريقة، كانت رائجة في دمشق وحماة وحلب، ولها مدارس ارتبطت بهذه المدن، غير أن هذا الفن التراثي الأصيل والمهم، بدأ ينقرض اليوم بتأثير ورود الأقمشة الأجنبية والآلية المحليّة، ما يستدعي من المهتمين والمعنيين بها، إدراكها والحفاظ عليها، قبل أن تنقرض نهائياً، لما تمثله من أهميّة فنيّة وتراثيّة.

 لفتت اهتمام الغريب، فجعلته يبحث عن منتجاتها وحتى أختامها وقوالبها الخشبية، حيث يقوم السياح الأجانب، بالبحث عنها في دمشق وحلب وحماة، وشرائها بأثمان بسيطة، أو يقوم أصحابها بحرقها، دون إدراك منهم لأهميتها!.

 والملاحظ أن فن طباعة الأقمشة بوساطة القوالب والأختام الخشبية، ارتبط بأسر معينة، تناقلته جيل بعد جيل. ففي المدرسة الحلبيّة، برز «أحمد خميس» الذي عاد في أواخر القرن التاسع عشر من «استانبول» إلى مدينته حلب، وعمل مع الأخوين «محمد وعبدو العلبي» ومع «عبد الرزاق الدقاق» و«إبراهيم وعمر كلش» و«أمين الشوا» و«خالد الأرناؤوط» و«صبحي طباخ»... وغيرهم.

 وفي المدرسة الحموية والمنطقة الوسطى في سوريا، برزت مشاغل عدة، منها: مشغل سعيد الكوكو، وعبدو الضهراوي، وعبد الرزاق الفحام، ومحمد علواني، ومحمد حوا، ومشغل الروح... وغيرها. أما المدرسة الدمشقيّة والمنطقة الجنوبيّة، فبرزت مشاغل: أحمد المرابط، وصالح طباخة، وعربي وسكر، ومحمد صبحي الحفار... وغيرهم.

 غير أن الجيل الجديد من هذه الأسر، بدأ يتخلى عن هذه الحرف والفنون، نتيجة حالة الكساد التي وصلت إليها، بعزوف الناس عنها، واستخدامهم الأقمشة الأجنبيّة أو المحليّة المميكنة. وقد ساد استخدام الأقمشة المطبوعة يدوياً كأغطية للحف والطاولات والأسرّة والستائر، إضافة إلى أغطية الرأس للرجال والنساء، كالسلك والإشارب.

 خصائص فنيَّة

 الخط الزخرفي العام لفن طباعة الأقمشة بوساطة القوالب والأختام الخشبية في سوريا، هو مزيج من الزخارف الإسلاميّة التي سادت في الشام ومصر وتركيا وفارس والهند.. وحتى الأندلس، والتي امتزجت بالزخارف البيزنطيية السابقة للإسلام، إلا أن التأثيرات الكبرى جاءت من الهند وتركيا ومصر، ثم تطورت هذه الزخارف والنقوش إلى صيغة خطيّة وزخرفيّة حديثة.

 هذه الصيغة تحديداً، عكف على دراستها الفنان التشكيلي السوري «طلال عبد الله» وقبله الفنان «مصطفى فتحي» الأستاذ السابق في قسم الحفر والطباعة في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، والاثنان استلهماها في أعمال فنيّة تشكيلية معاصرة، كلٌ بطريقته ومفهومه ورؤيته الخاصة.

 الفنان «طلال عبد الله» المولود في بلدة «سليم» في محافظة السويداء بسوريّا عام 1957، والمتخرج في قسم الحفر والطباعة في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق عام 1981، والباحث المهتم بالفن الشعبي وطرق الطباعة التقليديّة أسلوباً وتقانة، خاض غمار هذا الفن التقليدي الأصيل منذ سنوات طويلة.

 وقدم نتائج مهمة، احتضنتها سلسلة من الأعمال المتلاحقة، ما يجعلها جديرة بالدراسة والتحليل، لأنها محاولة جادة ورصينة وعميقة، لاستنهاض فن عربي شعبي عريق، له أكثر من دلالة حضاريّة وبصريّة. كما أن بحثه التشكيلي الجاد هذا، نبهنا مرة أخرى، إلى الكنوز التراثيّة الرائعة الطافحة بها حياتنا العربيّة الشعبيّة، والتي أدرنا لها ظهورنا، ليسرقها منا الزمن، في غفلة وطنيّة وقوميّة سندفع ثمنها باهظاً في المستقبل!.

 طرق وأساليب وتقانات

 يقوم فن طباعة الأقمشة بوساطة القوالب والأختام الخشبية على عدة طرق وأساليب، منها القوالب المحفورة حفراً غائراً، أو المطعمة باللباد والمعدن، أو المصنوعة من المشمع «اللينولويوم»، أو المغلفة بالقماش، وهي خاصة بالتلوين والقوالب المشكلة من رقائق معدنيّة «الشبكيّة» .

 والقوالب المعدنية المصقولة، والقوالب المحفورة في الخشب حفراً بارزاً، وهذه الأخيرة اعتمدها الفنان طلال العبد الله في تنفيذ مطبوعات معرضه الكبيرة الحجم، المختلفة الوحدات الزخرفيّة، المتعددة الألوان والتكاوين التي أطلق عليها اسم «نقوش شعبيّة سوريّة».

 تُصنع القوالب والأختام الخشبيّة هذه، من أخشاب متوسطة القوة، وذات ألياف كثيفة، أهمها: خشب الأجاص، والبلوط، والجميز، والصفاف، والشوح، والزيزفون، والأبلكاس. تنفذ الطباعة على القماش أو الحرير بوساطة ألوان مختلفة المصادر، وبشكل يدوي، منها: الصبغات المباشرة، والحمضيّة، والقلوية القاعدية، وصبغات الأحواض، والمثبتة، والكبريتيّة... وغيرها.

 كما تحتاج هذه الصبغات إلى تثبيت بطرق مختلفة، وهذه الصبغات في العادة، تأتي من مصدر نباتي أو حيواني أو ترابي. أما الأقمشة المستعملة في الطباعة، فهي: القطن، والحرير الطبيعي، والحرير الصناعي، وقد سادت الوحدات الزخرفيّة الهندسيّة والنباتيّة والحيوانيّة غالبية التزيينات التي استعملها هذا الفن.

 الفنان طلال العبد الله، أخذ الوحدات الزخرفيّة الهندسيّة والنباتيّة، أو بعضاً منها، ثم قام بحفرها على شكل أختام خشبيّة مربعة أو دائريّة أو مستطيلة أو مثلثيّة، وبحسه الغرافيكي المعاصر، وخبرته التقانية الكبيرة، زرع هذه الأختام فوق سطح لوحته، بإيقاعات مختلفة، زاوج في بعضها بين المربع والدائرة والمثلث وما تحويه هذه الأشكال الهندسيّة، من زخارف ومنمنمات ورسوم.

 وفي بعض الأعمال، اكتفى بوحدة زخرفيّة واحدة، كررها فوق سطح اللوحة، بعد أن درسها بشكل جيد، كدلالة بصريّة، معتمداً على التنويع في طريقة طباعتها وألوانها والتكوين العام الذي تشكله، مستفيداً من دراسته الأكاديميّة لفن الحفر المطبوع، ومن خبرته التي جمعها من اشتغاله الطويل على هذا اللون من الفن المتماهي بالحرفة.

 فالفنان العبد الله، نفذ القوالب بنفسه، كما قام بتحضير الألوان من مواد صباغيّة مختلفة، ثم قام بمزاوجة حسه الأكاديمي وخبرته التقانية، للوصول إلى لوحة فنيّة جديدة، حقق فيها صيغة مثلى من المواءمة المقنعة الجميلة، لمقولة «التراث والمعاصرة»!.

 والملاحظ أن الفنان العبد الله جرّب التقانات المستعملة في هذا الفن كلها، فحقق لوحات بالطباعة المباشرة للقوالب، وبطريقة الشمع «الباتيك».

 كما زاوج بين الطباعة وبعض الإضافات والتعديلات المباشرة على اللوحة، لكن كل ذلك تم، بوساطة الطباعة اليدويّة التقليديّة، ما خلق وحدة تقانية متميزة في أعمال معرضه، وهذه نتيجة طبيعيّة لجهود فنان مسكون بهاجس البحث والتجريب، من أجل استنهاض إرث فني شعبي عربي قديم.

 وتقديمه ضمن صياغة تشكيلية بصريّة جديدة، تنتمي للعصر، لكنها لا تضحي أو تلغي جوهر هذا الإرث وأصالته، بل تقوم بعملية إحياء معاصرة له، ليتحول إلى لغة بصريّة رفيعة الجمال، أنيسة الوقع في عين وإحساس المتلقي، أصيلة الانتماء، متفردة المقومات والخصائص التعبيريّة والتشكيليّة، تؤديها ببراعة، وحدات زخرفية عربية إسلاميّة مجردة.

 وألوان طبيعيّة شفيفة، منتقاة بكثير من التوافق والانسجام، تفترش أرضيّة اللوحة بكاملها تارة، أو تقتصر على المفردة الزخرفيّة المتجمعة في هذا الشكل الهندسي أو ذاك.

 وقد تنساح هذه الأشكال والرسوم، لتغطي كامل مساحة اللوحة، بحشد عنصراتي كبير، تتخلله بعض نوافذ التهوية من الداخل، أو يتوزع الفراغ حول عمارة اللوحة وتكوينها الأساسي، ما يخلق حالة توازن وحركة، بين الكتلة المتمثلة بالأشكال والخطوط، وبين الفراغ المحيط.

 والحقيقة، يقف الفنان التشكيلي طلال العبد الله، في تجربته المتميزة هذه، القائمة على استلهام فن طباعة الأقمشة بوساطة القوالب والأختام الخشبيّة السوريّة القديمة، يقف أمام مفترقات ومنعطفات عدة، ستقوده جميعاً، إذا ما تابعها بالهمة الدؤوبة، والنشاط المتعاظم، والمحبة العميقة الصادقة، لتراث شعبه وأمته، إلى تحقيق مراده النبيل، وغايته السامية، في خلق لوحة حفريّة عربيّة تجريديّة مطبوعة على القماش، بوساطة القوالب الخشبية، تمتد بجذورها إلى فن عربي إسلامي عريق، احتضنه رحم الحياة الشعبيّة السوريّة.

 وفي نفس الوقت، يطمح لأن يجعل هذه اللوحة ابنة عصرها، وبذلك يحقق طرفي المعادلة الصحيحة التي تقوده إلى نتيجة سليمة للإشكاليّة ـ الهم، التي كانت ولا تزال، تؤرق المبدع العربي المعاصر، على اختلاف الأدوات التعبيريّة التي يشتغل عليها والمتمثلة بمقولة «التراث» و«المعاصرة»!.

 ألوان متنوعة

 تنفذ الطباعة على القماش أو الحرير بوساطة ألوان مختلفة المصادر، غالباً ما يحضرها الطبّاع بنفسه، منها المباشرة، والحمضيّة، والقلويّة القاعديّة، وصبغات الأحواض، والمثبتة، والكبريتيّة.

إضافة تعليق

1 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.