الانفتاح لا يتعارض مع التشبُّث بالهوية

إعداد : أ . حسن مروة

دمشق عاصمة الثقافة العربية، كانت وما زالت وستبقى، بل لعّلها عاصمة الثقافة الإسلامية والعالمية، وتسميتها عاصمة للثقافة لعام 2008 م هو مجرد تأكيد وتذكير ليس إلاّ .
فدمشق الشام أقدم مدينة مأهولة في التاريخ، ما زالت تنبض بالحياة، منها انطلقت الفتوحات، وعلى أرضها أُقيمت أول دولة عربية، امتدت من الصين شرقاً حتى جنوب غرب أوربة في الأندلس غرباً .
من أجل ذلك لا بد من التعامل معها بكثير من الإجلال والاحترام، بل بكثير من الشفافية والتوحُّد .
ومن هنا فإنَّ انطلاق أصواتٍ غيورةٍ محبَّةٍ لدمشق مناديةً بتعريب اللافتات واللوحات الإعلانية – على أنها وجه من وجوه هذه المدينة – مطلبُ حقّ ونداءٌ مشروع، وهو حرص من المنادين على هُويّة دمشق العربية الأصيلة وتطبيق لقوانين ما زالت تصدر تترى مؤكدة على المعنيَّين احترام وجهها العربي الأصيل .
وهو من ثمّ بعثٌ لغيرة عربية أبيّة، ناهضت المحتل الفرنسي يوم كان وصيّاً على سورية منتدباً عليها، فكان أن حطمت يومها كل لافتة أعجمية لا تنتمي لهويتنا وثقافتنا، دونما خوف أو حسابٍ لما يمكن أن تكون عليه ردّة فعل المحتل، ومسحوا عن وجه مدينتهم مساحيق التغريب، وملامح الضياع والغربة .
أما أن يرفع بعض الناس من قومنا عقيرتهم رافضين هذه الفكرة، مستنكرين هذا النداء، متذرعين بأنَّ دمشق مدينة كل الحضارات وكل اللغات، وأنها مركز تجاري عالمي، ونسيجها الاجتماعي فسيفسائي السّدى واللُحمة .. فكلها أسباب واهية، أوهى من بيت العنكبوت، وهي في أحسن الأحوال تمثل رأي حاقدٍ على العروبة وتراثها، أو متصاغرٍ أمام الآخر، منبهرٍ بحضارته، وما أكثر هؤلاء في قومنا، ربّما لم يقرأ نصاً تراثياً واحداً، قبل أن يستل سيف البتر أو معول الهدم، وهذه سُنّة كونية : من جهل شيئاً عاداه .
والآن : ما الملامح البارزة لهذا النداء ؟
إنه بالتحديد – وبكل وضوح – دعوة لاحترام الهُويّة الحقيقية لهذه المدينة الخالدة بل ولسورية العربية عامة وذلك باحترام الثوابت التي تنطق بأصالة هذا البلد، وتشير إلى انتمائه من أول نظرة .
فإلى عهد قريب كان المرء - مواطناً أم زائراً – يدرك عندما يتجول في حارات دمشق القديمة أو في أحيائها وشوارعها الحديثة أنه يتجول في بلدٍ ذي انتماء عربي أصيل ومنفتح على مختلف الثقافات والحضارات، وهذا عكس ما ينتاب المرءَ اليوم من شعور وهو يتجول في أحيائها وشوارعها، لافتات بعضها أعجمي صرف، وبعضها الآخر بلهجة عامية مقيتة .. فضلاً عن السيارات التي ترتع معربدة في طرقاتها تحمل من العبارات والألفاظ كلّ ما هو مفسد للغة والذوق والنظر معاً .
ولا بد من إدراك خطر هذه اللافتات والوسائل الإعلانية، لأنها تسهم بشكل مباشر في تشكيل ثقافة المجتمع كغيرها من الوسائل التثقيفية الأخرى .
إن بعث هذا النداء له علاقة بما تعانيه الهُويّة العربية اليوم من محاولات تغريب وطمس، وإجهاز على البقية المتبقية منها، ليسهل بعد ذلك تمرير جميع المخططات والمشاريع، فأمّةٌ بلا هوية ريشة في مهب الريح .
نؤكد مرة أخرى أن ما نريده هو الحفاظ على الهوية من الطمس، مع الانفتاح على متطلبات الحضارة والتقدم .. ومن هنا الاقرار بأن :
1- دمشق مدينة عالمية، بما يتوضع على أرضها من تراث إنساني خالد، فهي بذلك مهوى الأفئدة، ومحط الرحال لشعوب الأرض قاطبة، زائرين وسائحين فلا نرى مانعاً، بل نراه ضرورياً، من أن تكتب اللافتات والدالاّت والمؤشرات باللغة العربية، ترافقها بخط أصغر اللغة الأجنبية، كي ترشد الزائرين من الأجانب إلى الأماكن التي يقصدونها، أو المحلات التي يبغون ارتيادها .
2- نسيج دمشق يتشكل من عائلات وأسر من مشارب متنوعة، دينياً ومذهبياً وعرقياً، إنه نسيج مزركش ملون لايقل تنوعاً وتداخلاً عن فسيفساء الجامع الأموي العريق .
وهنا ربما يحلو لبعض الأسر أن يحمل المحلّ اسمها، ( مارينا )، ( آغوب ) ،( بوياجيان ) ،
( العجمي ) فما المانع ؟
ولكن هل يضير أن تكتب بالحرف العربي، يرافقه الحرف الآخر بحجم أصغر قليلاً .
3- دمشق مركز تجاري هام، فيها وكلاء لشركات أجنبية مختلفة، لا نرى مانعاً في كتابة اللافتة بالحرف العربي، يرافقه الحرف الآخر أيضاً .
إننا لو فعلنا ذلك حافظنا على أصالتنا وهُويّتنا التي فيها بقاؤنا واستمراريتنا، ونقدم الخدمة اللائقة والضرورية لزائرينا الكرام ... فهل من سامعٍ واعٍ .
* عضو لجنة اللغة العربية في دار الفكر - دمشق
 
 
 

إضافة تعليق

7 + 6 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.