الباحث ادريس جنادري : يصعب الحديث اليوم عن مفهوم المجتمع المدني في العالم العربي

في حديثه عن موضوع المجتمع المدني، يشير الباحث المغربي الدكتور إدريس جنداري إلى موضوع أشمل منه هو الدولة المدنية باعتباره نموذجاً سياسياً يرتكز على أساس المواطنة لكونها تمثل واجبات الفرد وحقوقه، حيث تستقيم المواطنة على الحياة السليمة التي تقودها المنهجية الديمقراطية، من خلال العلاقة الخاصة بترشيد الاختلاف والتداول السلمي على السلطة، والفصل بين السلطات، ممّا يترك أثراً واضحاً في خلق مجتمع مدني يساهم في تحقيق التداول الديمقراطي، فيحتل صدارة النقاش الاجتماعي والسياسي الذي يهتم بالدفاع عن الثوابت الديمقراطية.
كما يؤكد الدكتور جنداري في هذا الحوار الذي خصّ به مجلة "ذوات" على كون مفهوم المجتمع المدني هو جزء من تصور فكري عام يرتبط بمنظومة الحداثة، حيث، يعتقد الباحث، أنّ الحديث عن تصور إسلامي للمجتمع المدني لا يمكن استبعاده، بمعنى أنّ هذا التصور لا يعني أنه يناقض التصور الحداثي السائد حول مفهوم المجتمع المدني. فالتجربة السياسية والاجتماعية الإسلامية، هي تجربة مدنية، انطلاقاً ممّا يؤكده أول دستور وضعه الرسول صلى الله عليه وسلم (ميثاق المدينة)، من دون تمييز ديني أو عرقي.
ويشترك الدكتور جنداري مع المفكر العربي عزمي بشارة في المقدمات المنطقية نفسها التي يتحدث فيها عن كون المجتمع المدني في مرحلة تشييده الأولى "تعني تحقيق الديمقراطية وليس مجرد إقامة المؤسسات الحديثة لموازنة البرلمان..."، كما يتفق معه، بالضرورة، في النتائج المترتبة عن هذه المقدمات نفسها، لأنّ الحديث عن مفهوم المجتمع المدني يرتبط جدلياً بالحديث عن مفهوم الدولة المدنية التي تقودها المنهجية الديمقراطية، أمّا بالنسبة لمسألة استخدام المجتمع المدني في قضية تقييم التوازن بين سلطة الدولة والهيئات الخاصة من جهة أخرى، فيؤكد الدكتور جنداري على أهمية هذا المجتمع المدني ومنظماته وجمعياته في تكريس الرقابة وتوجيه السلطات، وذلك من خارج إطارها باعتبارها إطارات غير حكومية لكنها تمثل سلطة الشعب، وتعبر عن وعي المواطنين بالتزاماتهم وواجباتهم وحقوقهم.
ويرى الدكتور جنداري، في مسألة الانفتاح الثقافي والفكري على الغرب لبعض البلدان العربية، أنّ مساهمة المجتمع المدني في التنمية البشرية على المستويين المذكورين تبقى مسألة شكلية لا غير، لأنّ بعض الإطارات الجمعوية مازالت تعيش بعض الغموض الفكري الذي لا يختلف عن الغموض الذي تعاني منه المجتمعات التقليدية إلا في الطبيعة والنوعية، هذا على المستوى الفكري، أمّا على المستوى المعرفي فإنهما معاً يعانيان من الانحراف نفسه. فالانفتاح على الثقافة الغربية لا يعتبر امتيازاً يحسب لبعض الإطارات المدنية، بل إنّ المطلوب هو التسلح بوعي فكري يجمع بين خصوصيات الذات وضرورات العصر. ويؤكد الباحث أيضاً، في هذا الحوار، على الحاجة إلى وعي فكري ناضج، في قضية خلق حوار وطني يساهم فيه المجتمع المدني لتجاوز الصراعات الاجتماعية والإيديولوجية التي تعيشها بعض البلدان العربية اليوم.
وحول التجربة المغربية المتعلقة بحوار المجتمع المدني التي انطلقت منذ مارس 2015، يحدد الدكتور جنداري شروطاً أدنى لنجاح أي تجربة مدنية، وذلك في شرطين أساسيين هما: شرط الممارسة السياسية المدنية الموظفة للمنهجية الديمقراطية، كتداول سلمي على السلطة، وكتعددية سياسية، وكذلك كربط لممارسة السلطة بالإرادة الشعبية، وشرط توفر روح الكتلة التاريخية داخل المجتمع.
والدكتور إدريس جنداري كاتب وباحث أكاديمي مغربي في مجال الدراسات الاجتماعية، من مواليد سنة 1978 بمدينة تازة المغربية، حصل على دبلوم الدراسات العليا المعمقة DESAمن جامعة المولى إسماعيل سنة 2005، وبعدها انتقل إلى مدينة الرباط لمتابعة دراسته في الدكتوراه بجامعة محمد الخامس، وكان بحثه حول الجذور الفكرية والاجتماعية للأدب المغربي الحديث تحت إشراف الدكتور سعيد يقطين، وقد توج هذا المسار بحصوله على الدكتوراه سنة 2010. أصدر الدكتور جنداري كتابين: "المسألة السياسية في المغرب: من سؤال الإصلاح إلى سؤال الديمقراطية" (مؤسسة وجهة نظر - ط 2013)، و"من أجل مقاربة فكرية لإشكاليات الربيع العربي" (مؤسسة مؤمنون بلا حدود والمركز الثقافي العربي ـ ط 2015)، وشارك في كتابين جماعيين صادرين عن مركز المسبار: "الإسلام في أندونيسيا" طبعة 2013، و"منصات الميديا الجديدة والعنف المقدّس" طبعة 2015، وهو أيضاً باحث مساهم في عدة مراكز بحثية (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ـ مركز مؤمنون بلا حدود ـ مركز المسبار)، نشر العديد من الدراسات الفكرية في مجلات أكاديمية محكمة.
وفيما يلي نص الحوار:
- في إطار اشتغالكم في حقل العلوم الاجتماعية، يحضر اهتمامكم بالمجتمع المدني عموماً، سواء من خلال استحضاره في أبحاثكم في قضايا اجتماعية محضة تتعلق بالإنسان المغربي، أو من خلال مساهماتكم الإعلامية والفكرية في العديد من المنتديات والمواقع والوسائل الإعلامية، هل يمكن أن تقربنا أكثر من هذه المسألة بالذات؟
ـ حينما نثير موضوع المجتمع المدني فإننا نستدعي، بالضرورة، موضوعاً أشمل هو الدولة المدنية، كنموذج سياسي يرتكز على أساس المواطنة باعتبارها واجبات وحقوقاً، وهذه المواطنة لا تستقيم من دون حياة سياسية سليمة تقودها المنهجية الديمقراطية، في علاقة بترشيد الاختلاف، والتداول السلمي على السلطة، والفصل بين السلطات. ولعل هذا النموذج السياسي والاجتماعي المدني هو ما يتنافى كليّاً مع النموذج الشمولي للدولة، سواء اتخذت شكلاً دينياً، أو عسكرياً، أو إيديولوجياً منغلقاً. من هنا فإنّ مفهوم المجتمع المدني هو مكون أساسي ضمن المجال التداولي الديمقراطي، لكنه ينعدم كلما انحرفت الدولة، وانحرف معها المجتمع، نحو النظام الشمولي سياسياً واجتماعياً. لذلك، يكون من الطبيعي جداً أن يحتلّ مفهوم المجتمع المدني صدارة النقاش الاجتماعي والسياسي، وخصوصاً إذا كان هذا النقاش مُوجَّهاً إلى الدفاع عن الثوابت الديمقراطية ضمن سياق سياسي عالم-ثالثي ناشئ، في علاقة بالتجربة المغربية خصوصاً والتجربة العربية بشكل عام.
- في المنظور الإسلامي يُعرَّف المجتمع المدني على أنه يتكون ويُصاغ من نظرة الإسلام إلى الحياة المدنية بكل أبعادها: التاريخية والجغرافية والعمرانية والسياسية الاقتصادية...، وغيرها من الأبعاد، لكنّ هذا المفهوم عرف الكثير من التشويه في الفهم والإدراك، وذلك من خلال توجه متحيز إلى الرؤية المعادية للإسلام، فهل يمكن توضيح هذا الأمر؟
ـ أولاً، مفهوم المجتمع المدني جزء من تصور فكري عام يرتبط بمنظومة الحداثة، ففي التجارب السياسية والاجتماعية ما قبل الحداثية يصعب الحديث عن هذا المفهوم، لكن من منظور تبيئة المفاهيم لا نمانع أن يكون هناك تصور إسلامي للمفهوم، خصوصاً وأنّ مسألة التلقي عادة ما يتحكم فيها، على المستوى الإبستمولوجي، السنن الثقافي بتعبير السيميولوجي (أمبرتو إيكو)، أو تندمج ضمن رؤية العالم الخاصة بالمجموعة الاجتماعية والثقافية بتعبير المفكر (لوسيان جولدمان). هذا لا يعني أنّ التصور الإسلامي لمفهوم المجتمع المدني يناقض التصور الحداثي السائد حول المفهوم، ففي مجال تاريخ الأفكار لا يمكن الحديث عن خصوصية أرثوذوكسية، بل إنّ هناك تناصاً intertextualité يجعلنا نتفاعل ثقافياً كما تتفاعل جميع الثقافات، غير أنه من المطلوب والواجب أن نتفاعل باعتماد سنن (نا) الثقافية ورؤيتنا الخاصة للعالم. باختصار، الخصوصية تصور إبستمولوجي واع وليس ركاماً إيديولوجياً يعتمد البطانة الوجدانية. هذا الوعي العلمي هو وحده القادر على تمكيننا من الخروج عن التطرف السائد، في النظرية والممارسة، بحيث لا ندعي خصوصية إيديولوجية موهومة، وفي الآن نفسه ننفتح على التجارب الإنسانية من منظورنا الحضاري المؤسس إبستمولوجياً.
- هل يمكننا أن نعرف ما هي الضوابط والمبادئ التي تحكم المجتمع المدني من المنظور الإسلامي، أو على الأقل في إدراك بعض المفكرين الإسلاميين المنحازين إلى مسألة التفريق بين مجتمع مدني إسلامي وغير إسلامي؟
ـ كمقدمة منطقية، يجب أن نؤكد أولاً أنّ التجربة السياسية والاجتماعية الإسلامية هي تجربة مدنية بامتياز، وهذا ما يؤكده أول دستور وضعه الرسول عليه الصلاة والسلام، أي ميثاق المدينة، هذا الميثاق الذي يتحدث عن سكان المدينة (المواطنون) من دون أي تمييز ديني أو عرقي، لكن هذا لا يعني أنّ التجارب السياسية الإسلامية اللاحقة حافظت على هذا الجوهر، فمباشرة بعد وفاة الرسول بدأت روح ميثاق المدينة تتبخر، وعادت النزعات القبلية والعرقية والمذهبية إلى الظهور، وهذا ما كان يهدد الحياة المدنية التي أسسها الإسلام في بداياته الأولى. حينما نتناول التصور الإسلامي الحديث لمفهوم المجتمع المدني، فإننا نجده يبتعد كثيراً عن روح ميثاق المدينة (مع بعض الاستثناءات القليلة)، وهو بذلك يقترب أكثر من التصور السياسي السلطاني (نموذج الدولة السلطانية) الذي يميز بين المواطنين على أساس ديني ومذهبي وعرقي أكثر من استحضار روح المواطنة. لذلك لا بدّ من تدشين عودة مبدعة إلى روح ميثاق المدينة، من منظور تقدمي - طبعاً - وكامتداد لذلك لا بدّ من نقد وتفكيك النموذج السلطاني، سياسياً واجتماعياً، وخصوصاً مراجعة ما يتعلق بالمقومات الدينية والمذهبية والعرقية التي تحدد المواطنة، لأنّ المواطنة انتماء مفتوح يقوم على أساس الالتزام بالواجبات والمطالبة بالحقوق في إطار قانوني، وضمن عقد اجتماعي، وليس انتماء دينياً أو مذهبياً أو عرقياً.
يقول المفكر العربي عزمي بشارة في كتابه "المجتمع المدني": إنّ "مرحلة تشييد المجتمع المدني اليوم تعني تحقيق الديمقراطية، وليس مجرد إقامة المؤسسات المدنية الحديثة اللازمة لموازنة البرلمان، والناجمة عن قصور الديمقراطية والليبرالية، وهي غير قائمة أصلاً في الوطن العربي...". هل تتفقون مع الدكتور بشارة في هذا القول، أم أنّ الأمر مختلف من وجهة نظركم؟
ـ طبعا نشترك مع الدكتور عزمي بشارة في المقدمات المنطقية نفسها، ولذلك فمن الطبيعي أن نشترك معه في النتائج نفسها، وهذا ما أكدناه سابقاً. يجب أن ندرك جيداً أنّ الحديث عن مفهوم المجتمع المدني يرتبط جدلياً بالحديث عن مفهوم الدولة المدنية التي تقودها المنهجية الديمقراطية، ولذلك يصعب، منهجياً، الحديث اليوم في العالم العربي عن تصور متكامل وسوي لمفهوم المجتمع المدني. لكن يجب أن نعترف بأنّ نقطة الانطلاق تمّ تدشينها مع الشرارة الأولى لأحداث الربيع العربي، فعلى خلاف ما يروج، إعلامياً، استطاعت هذه الأحداث، لأولّ مرّة في التاريخ العربي الحديث، أن تفرض الإرادة الشعبية كمحدد أساسي لممارسة السلطة، وهكذا كانت بداية تراجع المحددات الدينية والعرقية والمذهبية، ليحتل محلها النضال الشعبي المنفلت من أي عقال. ولعل هذه البذور الأولى التي انزرعت في التربة الاجتماعية والسياسية العربية، هي وحدها القادرة مستقبلاً على تأسيس مفهوم مدني للسياسة وللمجتمع كذلك، من خلال تأسيس تصور جديد لمفهوم المواطنة يستند إلى الالتزام القانوني التعاقدي أكثر مما يستند إلى معايير عرقية ودينية ومذهبية.
- يستعمل المجتمع المدني من المنظور الغربي كمفهوم وصفي لتقييم التوازن بين سلطة الدولة والهيئات الخاصة من جهة أخرى، كيف يكون ذلك، أستاذ جنداري؟
ـ في كتابه "روح القوانين"، دعا مونتسكيو إلى الفصل بين السلطات (التشريعية، والتنفيذية، والقضائية)، وذلك لِتُزاحِم كلّ سلطة السلطة الأخرى وتحدّ من إطلاقيتها، لكنّ الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل إنّ تطور النموذج الديمقراطي الغربي سيفرض سلطات جديدة تمارس وظيفة رقابية، من خارج الإطار الحكومي، ولذلك كانت الصحافة بمثابة السلطة الرابعة، وانضافت منظمات وجمعيات المجتمع المدني إلى قائمة السلطات الرقابية، وذلك لأنها تمارس دورها من خارج إطار السلطات الثلاث (إطارات غير حكومية) لكنها تشارك، بصيغة غير مباشرة، في صياغة القرار الحكومي، من خلال مراقبته وتوجيهه. وهكذا تَشكَّل المجتمع المدني باعتباره سلطة الشعب التي تعبر عن وعي المواطنين بالتزاماتهم وواجباتهم، وكذلك بحقوقهم تجاه الدولة. وهنا لا بدّ أن نشير إلى مرجعية تأسيس مفهوم المجتمع المدني، في المجال التداولي الغربي، فقد تأسَّس هذا المفهوم في علاقة بالصراع الذي قادته طبقة البورجوازية الناشئة ضد السلطات المطلقة لرجال الدين والإقطاع، ولذلك حمل هذا المفهوم معه بذور النشأة وارتبط، طوال مسار تشكله، بالنضال من أجل تثبيت النموذج المدني للدولة.
- هل يمكن للمجتمع المدني في المجتمعات العربية، خاصة في انتشاره في العديد من البلدان التي تعرف بعض الانفتاح الثقافي والفكري على الغرب، أن يساهم في التنمية البشرية على المستوى الفكري والوعي الثقافي؟
ـ في الحقيقة، إنّ ما يبدو من انفتاح لبعض المنظمات والجمعيات المدنية، في بعض التجارب العربية المنفتحة على الغرب مثل: المغرب، تونس، لبنان...، هذا الانفتاح الشكلي يخفي لدى بعض الإطارات غموضاً فكرياً، قد لا يختلف عن الغموض الذي تعاني منه الجماعات التقليدية إلا في الطبيعة والنوعية، أمّا على المستوى المعرفي فإنهما معاً يعانيان من الانحراف نفسه. بالنسبة إلى الجماعات التقليدية فهي تحد من حركيتها المدنية بالنظر لطبيعة تصورها المنغلق والنمطي للمجتمع، فهي تريد خندقة الجميع ضمن تصورها الاجتماعي والسياسي وترفض أي تعددية أو اختلاف. هذا الخلل نفسه تعاني منه بعض الإطارات المدنية التي تسعى إلى نسخ التجربة المدنية الغربية حرفياً في أوطانها، فهي تستورد نموذجاً جاهزاً وتفرضه على الواقع العربي الإسلامي، من منظور استئصالي يسعى إلى استبدال الخصوصيات الثقافية والاجتماعية والسياسية بنموذج مستورد بدعوى طابعه الكوني. ولذلك يتحول الانفتاح من مستوى التلاقح الثقافي إلى درجة الاستلاب المدعوم خارجياً من طرف المنظمات الدولية العابرة للحدود، وهكذا يتمّ تهديد الاستقرار السياسي للدول من طرف بعض الإطارات المدنية عبر دعم الانفصال تحت مسمى الحقوق السياسية، أو تهديد الاستقرار الاجتماعي عبر استيراد نماذج اجتماعية جاهزة مثل: ظاهرة زواج المثليين، وظاهرة الأمهات العازبات، أو تقديم تأويلات خاطئة للحقوق الثقافية واللغوية في القانون الدولي للتشجيع على الصراع العرقي واللغوي في العالم العربي.
بإيجاز، لا يعتبر الانفتاح على الثقافة الغربية في حد ذاته امتيازاً يحسب لبعض الإطارات المدنية، بل إنّ المطلوب هو التسلح بوعي فكري يجمع بين خصوصيات الذات وضرورات العصر، وهذا بإمكانه أن يَحُدّ من انغلاق بعض الجماعات التقليدية التي تسعى إلى تنميط المجتمع ضمن تصور أحادي، وفي الآن نفسه بإمكانه أن يمنع من تحوير إمكانية الانفتاح إلى استلاب ثقافي واجتماعي.
- تابعنا العديد من المحاولات الجادة في بعض البلدان العربية التي تهدف إلى خلق حوار وطني، خاصة في بلدان الربيع العربي، فهل كانت منظمات المجتمع المدني في موعدها مع هذا الحدث، أم أنها لم تقدم شيئاً في ظلّ الصراع السياسي والإيديولوجي الحاصل بين أطراف الصراع؟
ـ النجاح في خلق حوار وطني، في دول العالم العربي، هو في حاجة إلى وعي فكري ناضج وليس عبارة عن اجتماعات تعبيراً عن حسن النوايا. وعندما أتحدث عن الوعي الفكري الناضج فإنما أقصد تحقق الشروط السياسية والثقافية الكفيلة بنشر روح الكتلة التاريخية داخل المجتمعات العربية، وذلك لن يتحقق، بالطبع، إلا من خلال تأجيل الصراع الإيديولوجي - كما دعا إلى ذلك الأستاذ محمد عابد الجابري - باعتبار أنّ المنظومات الإيديولوجية السائدة في العالم العربي تفتقد للأصالة المعرفية، فهي جميعها لا تنشغل بالإشكاليات الراهنة، بل تعوض ذلك باستيراد إشكاليات غريبة عن الواقع والراهن، وتقود انطلاقاً من ذلك صراعاً بالوكالة. فالسلفي العربي لا ينشغل بأسئلة راهنة، بل بأسئلة سلفية قديمة يعمل على استرجاعها وزرعها في الحاضر، وهو بذلك يصبح مستَلباً من طرف هذا الماضي الغابر. وانطلاقاً من التصور المعرفي نفسه، فإنّ الليبرالي واليساري العربي لا ينشغل بأسئلة واقعه، بل يسعى إلى استيراد نموذج الآخر (النموذج الشيوعي ـ النموذج الليبرالي الغربي) ليس كمنهجية في التفكير والممارسة، ولكن كمذهب جاهز لا يحتاج سوى تقنية النسخ من الأصل واللصق في الفرع. وهذا، بالطبع، يخلق صراعاً إيديولوجياً بين أطراف تفكر وتمارس بالوكالة بينما تُغيِّب واقعها وراهنها في الآن نفسه. تأجيل الصراع الإيديولوجي يعني اجتماع مختلف الأطراف الإيديولوجية على معالجة الإشكاليات الاقتصادية (التنمية) والسياسية (الديمقراطية) المطروحة على الواقع العربي، من منظور يستجيب للخصوصية الحضارية من جهة، ومن جهة أخرى يستجيب لروح العصر على مستوى التفكير العلمي والتعامل المنهجي مع القضايا المطروحة. وهذا المنظور ليس بالتوفيقي - كما يبدو - ولكنه منظور تأصيلي يسعى إلى استبطان الروح العلمية للعصر الحديث من زاوية الخصوصية الحضارية، كما حدث مع تجارب دولية عديدة نقتصر منها على التجربة الصينية في علاقة بالفكر اليساري، والتجربة اليابانية في علاقة بالفكر الليبرالي.
- ما تقييمكم للتجربة المغربية، التي انطلقت حول حوار المجتمع المدني مؤخراً، وبالتحديد في مارس 2015 الماضي؟ وكيف يمكنها أن تساهم في تغيير الرؤية السلبية حول المجتمع المدني التي تحملها بعض فئات المجتمع المغربي حول المجتمع المدني بكل أشكاله؟
ـ لنجاح أي تجربة مدنية، عبر العالم، لا بدّ من توفر الشروط الأدنى، على الأقل، وهما شرطان على أقلّ تقدير:
- شرط الممارسة السياسية المدنية الموظفة للمنهجية الديمقراطية، كتداول سلمي على السلطة، وكتعددية سياسية، وكذلك كربط لممارسة السلطة بالإرادة الشعبية.
- شرط توفر روح الكتلة التاريخية داخل المجتمع (الاختلاف الإيديولوجي المستند إلى المشترك الجمعي على المستوى الإبستمولوجي).
أظن أنّ هذين الشرطين غير متوفرين اليوم في العالم العربي (مع إمكانية تحققهما مستقبلاً في ظلّ الحراك الثوري السائد)، والتجربة المغربية جزء لا يتجزأ من التجربة العربية ككل. لذلك، يمكن اعتبار أنّ التجربة الحكومية التي قادتها الوزارة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني، فيما يخص الحوار الوطني حول المجتمع المدني، هذه التجربة نجحت في بناء الشكل على مستوى خلق حوار مؤسساتي بين العديد من منظمات وجمعيات المجتمع المدني، وما نتج عن هذا الحوار من نصوص قانونية. لكن ليس من وظائف الوزارة أو الحكومة حتى توفير روح المجتمع المدني، بل إنّ ذلك يدخل ضمن الوعي الفكري السائد في المجتمع، وهو وعي غير مؤهل، اليوم، لبناء تصور مدني يستجيب لروح العصر الحديث.
- هل هناك بالضبط وصفة دقيقة يمكن اعتمادها في تأسيس مجتمع مدني رائد ومتقدم في خطابه وفي انشغاله حول قضايا المجتمع كما يحصل في الغرب؟
ـ في مجال العلوم الاجتماعية يصعب الحديث عن الوصفات الجاهزة، لأنّ الموضوع المعالَج نسبي بامتياز، بحيث تساهم الحركية والتحول في إخصاب موضوع الدراسة في كلّ حين، لكن يمكن الحديث عن إمكانية محددة من بين عدة إمكانيات متاحة. وفي هذا السياق تبقى للمقاربة الإبستمولوجية قيمة في غاية الأهمية، لأنّ الحديث يجب ألّا يتوجَّه إلى الموضوع، من منظور إيديولوجي محسوم مسبقاً، بل الأجدى من ذلك أن نركز على آليات التفكير والتصور، ونحن بذلك نركز، بصيغة غير مباشرة، على الممارسة العملية.
هكذا يظل التفكير في صيغة ناجحة لتجربة المجتمع المدني، في العالم العربي، رهيناً بقدرتنا على بناء تصور منهجي، في التفكير والتصور، يمتح من رصيدنا الثقافي الذي يشكل خصوصيتنا، وفي الآن ذاته يمتح من المشترك الإنساني، علمياً وفكرياً وجمالياً، وذلك لن يتحقق إلا من خلال قدرتنا على تجاوز المقاربات الفكرية الراديكالية، سواء في اتجاه الماضي أو في اتجاه حاضر الآخر. وأقصد هنا، بخصوص موضوع المجتمع المدني، أنّ المطلوب منا، اليوم، ليس الانغلاق على الذات من منظور سلفي نكوصي بادعاء التميز والخيرية، لأنّ هذا لن يساهم إلا في خلق جماعات تقليدية منغلقة على نفسها في شكل جماعات طائفية ومذهبية متصارعة، وفي الآن نفسه ليس المطلوب منا، اليوم، نسخ تجربة الآخر من أصلها ولصقها في واقعنا بادعاء الكونية، لأنّ ذلك لن يساهم إلا في ترسيخ استلابنا تجاه الآخر الغربي. يجب أن نؤمن بانتمائنا للعصر الحديث، لكن لنا الحق في معايشة راهننا من منظورنا الثقافي الخاص، ونحن لا نمثل استثناء في هذا الشأن، بل إنّ التجارب الدولية الناجحة، اليوم، هي التي استطاعت تبيئة الحداثة من منظورها الثقافي الخاص، والنموذج الآسيوي يقدم لنا دروساً غنية بالدلالات، سواء في اتجاهه الإسلامي (أندونيسيا، ماليزيا) أو في اتجاهه الهندوسي-البوذي (الصين، الهند، اليابان).
(نشر بإذن خاص من مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث mominoun.com ).

إضافة تعليق