الباحث محمد كمال اقتصاديات الدين حقل معرقي غير منظور

يعد حقل اقتصاديات الدين حقلا علميا جديدا نسبيًا في العلوم الاجتماعية، ترجع نشأته في بعض تقديرات المتخصصين إلى سبعينيات القرن العشرين، وهو- ككل العلوم الاجتماعية- ليس بلا بذور أو بدايات ترجع لأدم سميث وكارل ماركس وماكس فيبر، ويعمل في هذا الحقل العديد من التخصصات وعلى رأس هؤلاء الباحثين في علم الاقتصاد والدراسات الدينية، ومن ثم يتميز إنتاجه بأنه بين وعبر تخصصيين،  كما يدخل في نطاق اهتمام العديد من الباحثين في تخصصات أخرىكالأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع والعلوم السياسية.

 والأستاذ محمد كمال باحث دكتوراه في العلوم السياسية ، مهتم بعلاقة الدولة والمجتمع ودراسات المجال العام والشباب والاقتصاد السياسي للتنمية، ومهتم بحقل اقتصاديات التدين، وقد شارك كمال بورقة بحثية مميزة في مؤتمر "اقتصاديات التدين في الوطن العربي" الذي عقدته مؤسسة مؤمنون بلا حدود في مطلع الشهر الماضي بمقر مركز دال للأبحاث والإنتاج الإعلامي التابع لها في القاهرة.

***

متى نشأ تخصص اقتصاديات الدين أو التدين كحقل معرفي له أدواته ومنطلقاته؟

العلاقة بين الاقتصاد والدين علاقة متشابكة تبدو أحيانا على درجة من التناقض، فهو لقاء بين الدنيوي والديني، الأرضي والسماوي، المادي والروحي، المدنس والمقدس، ويعد تخصصًا علميا حديثًا نسبيًا وإن كان له نشأتان : الأولى منذ حوالي ثلاثة قرون على يد آدم سميث، والثانية حديثة منذ منتصف سبعينيات القرن العشرين .

يُعدّ موضوع العلاقة بين الدين والاقتصاد، أحد الموضوعات التي نالت اهتمام مراكز الأبحاث والعلوم الاقتصادية أواخر العام 1970، مع نجاح الثورة الإيرانية في إيران عام 1979، وازدادت الأبحاث في هذا المجال في تسعينيات القرن العشرين لتصاعد دور الدين في المجال السياسي والاجتماعي، وظهور الحركات الأصولية في معظم الأديان: الإسلام والمسيحية واليهودية والهندوسية.. إلخ.

هل يقوم حقل اقتصاديات التدين على خلفية وجودية ومعرفية، وهل ثمة أسئلة مركزية يتقاطع فيها مع العلوم الأخرى؟

يُعد حقل اقتصاديات التدين تخصصا فرعيا من علم الاقتصاد، يشاركه منطلقه الوجودي والمعرفي الذي تلقاه من أسس الحداثة التي يُعتبر علم الاقتصاد أحد ثمارها؛ فالمنطلقات الأنطولوجية والإبستمولوجية لاقتصاديات التدين حداثية بالأساس، يشاركها في العديد من المبادئ والأسس كالإيمان بأن العالم الطبيعي هو العالم الحقيقي. فهو ليس عالما زائلا وليس مجرد جسر نعبره إلى العالم الآخر، إنه عالم يمتلك الجدارة والأصالة، الإيمان بأن الإنسان هو أهم كائن في العالم الطبيعي، وأنه معيار الأشياء جميعا وغاية الوجود. ولكونه غاية يتوجب على المجتمع أن يحيطه بكل أسباب الرعاية والحماية، وأن يوفر له شروط الإبداع والحياة الحرة الكريمة. وهذا يتأسس من منطلق أن الإنسان هو العامل الفاعل في التاريخ في ميادين التحضر والتطور. والإيمان بأن العقل هو مصدر تفوق الإنسان وتفرده في مملكة الكائنات الحية، ومن ثم الإيمان بأن الإنسان يستطيع عبر هذا العقل أن يطور العلوم والمعارف باتجاه السيطرة على الوجود والمصير.

كيف كانت العلاقة بين الدين ورواد الفكر الاقتصادي، وهل يمكن للباحث أن يرصد حالة من القلق، وفي أحيان أخرى محاولات للتماهي وتجاوز مناطق الخلاف، ومن ثم إخضاع الظاهرة الدينية لأدوات البحث الاقتصادي؟

يمكننا أن نصف علاقة رواد علم الاقتصاد بالدين بأنها كانت على درجة بين القلق والعداء، فمثلا آدم سميث التمس الإذن من مجلس جامعة جلاسجو بعدم بدء الدروس بالصلاة، وماركس كان يرى ضرورة نقد الظاهرة الدينية، والتي اعتبرها في كتابه ( نقد فلسفة الحقوق عند هيجل ) منتجا بشريا، فماركس يرى الدين وعي وتقدير بالذات لدى الإنسان الذي لم يعثر بعد على ذاته؛ فالإنسان ليس كائنا مجردا في مكان ما خارج نطاق العالم، الإنسان هو عالم الإنسان "الدولة /المجتمع"، وهذه الدولة وهذا المجتمع ينتجان الدين، فالدين هو النظرية العامة لهذا العالم خلاصته الموسوعية منطقه في صيغته الشعبية، ويرى ماركس " إن إلغاء الدين بصفته سعادة الشعب الوهمية يعني المطالبة بسعادته الفعلية، ومطالبة الشعب بالتخلي عن الأوهام حول وضعه"، وامتدت هذه الرؤية في كتابات أخرى أكثر معاصرة، فمثلا بدأ أحد علماء الاقتصاد دراسة له بالقول: "إن علم الاقتصاد ملحد بالأساس ولا تلعب المعتقدات والممارسات والسلوكيات الدينية أي دور في حياة الإنسان الاقتصادية".

بينما يرى العديد من الباحثين في الأمور الاقتصاديّة من وجهة نظر الدين أنّ الاقتصاد الدينيّ ذو جاذبيّة خاصّة، وهذا ما شدّ إليه المنظّرون في الفلسفة وعلم الاجتماع الدينيّ، بالإضافة إلى الاقتصاديّين. وهناك أيضا مجموعة من علماء الاقتصاد (بالأخصّ في سبعينيات القرن العشرين) اهتمّوا بدمج الدين بالاقتصاد؛ فبدأ بعضهم –على سبيل المثال- بتدريس السلوكيّات والعقائد والأسس الدينيّة في إطار مفاهيم عقلانية (آليّة أو غير آليّة).

ماذا عن الكتابات العربية في حقل اقتصاديات التدين؟

في عقد الثمانينيات من القرن المنصرم، عقدت ندوة في القاهرة تحت عنوان ( الاقتصاد والدين)، وقد ضمت مساهمات عدة من مشارب فكرية مختلفة، من هذه الأسماء المشاركة؛ كان محمد أحمد خلف الله، و صادق سعد، وإبراهيم سعد الدين، وصلاح قنصوه من جهة، وعبد الحميد الغزالي، وعبد الهادي على النجار، وشوقي إسماعيل شحاتة، من جهة أخرى. وقد تم نشر الأوراق المشاركة في كتاب يحمل اسم الندوة .

يرى خلف الله أن النظام الاقتصادي الإسلامي يكاد ينحصر في ميدانين اثنين: " المراعي وتنمية الثروة الحيوانية، والأعمال التجارية". وفق رؤيته للعمليات الاقتصادية في القرآن الكريم ، ويرى خلف الله أن " اهتمام القرآن بالأعمال التجارية كان أكثر من اهتمامه بأعمال المراعي وتنمية الثروة الحيوانية، حيث يذكر عددا من آيات القرآن الكريم التي يرى أنها تؤكد أن القرآن  وضع العلاقة بين الله والإنسان موضع العلاقات التجارية، وجعل المعيار في الإيمان والأعمال الصالحة نفس المعيار الذي يكون في الأعمال التجارية من بيع وشراء، وما يتبع ذلك من مكسب وخسارة. وفكرة أن العلاقات بين الله والإنسان في القرآن علاقة تجارية ليست بجديدة، فقد أشار مكسيم ردونسون إلى دراسة توراي المعنونة ب" مصطلحات اللاهوت التجارية في القرآن الكريم  الصادرة عام 1892، والتي استقصى فيها "توري" تعدد الآيات التي استخدمت استعارات تجارية لوصف العلاقة بين الله والإنسان، لكن "توري" يصل إلي نتيجة أخرى لوصف هذه الاستعارات التجارية، تختلف عما خلص إليه خلف الله، إذ يختتم بقوله:" من الصعب أن يتصور المرء لاهوتا أكثر دقة رياضية"، ودقة الرياضيات تفترض العقلانية بحسب ردونسون.

 ما يلفت النظر هنا أن خلف الله صاحب رسالة الدكتوراه عن الفن القصصي في القرآن، والتي كلفته الكثير من الهجوم والاتهام بالكفر، ويرى فيها أن القصص في القرآن يهدف إلى الاعتبار لا لذكر الحقائق التاريخية، وأن المسألة في القصة القرآنية هي بعينها مسائل الصور البيانية من مجاز وتشبيه واستعارة وكناية... إلخ، وأنها من هنا لا توصف لا بتصديق ولا تكذيب، وإنما هي للعرض الأدبي الذي يهز العاطفة ويستثير الوجدان، وأن مذهب القرآن فيما يتضح من الظواهر السابقة هو بناء القصة القرآنية على عناصر يستمدها من البيئة أو من العقلية العربية،  وأن مصادر القصص القرآني في الغالب هي العقلية العربية، بعد كل ذلك يصر هنا على أن القرآن يضع العلاقة بين الله والإنسان موضع العلاقة التجارية، دونما التفات إلى الاستعارة التي تتفق مع البيئة العربية التي مثلت التجارة فيها النشاط الاقتصادي الأبرز، وأن النبي الكريم قد عمل تاجرا . هذا الموقف من خلف الله يمكن النظر إليه، إما على أنه تناقض بين رسالته ودراسته هذه، أو أنه قد لحق تصوره عن المجاز في القرآن تحولا وتبنى وجهة نظر السلفيين بأن لا مجاز في القرآن وهو شيء مستبعد.

هذا عن خلف الله، فماذا عن مداخلة عبد الحميد الغزالي القيادي الإخواني الذي ذكرته؟

جاءت مداخلة عبد الحميد الغزالي – أستاذ الاقتصاد – لتؤكد عدم جدوى النظام الرأسمالي؛ لعدم توافر مقومات النجاح النسبي له في الدول النامية الإسلامية، وللضعف النسبي لبعض فروضه على المستوى النظري، وزيادة حدة المشكلات الناتجة عن محاولات إصلاحه من الداخل، وللبعد الزمني الطويل المطلوب لتحقيق نتائج إيجابية معقولة وفقا لهذا النموذج، لا يعد هذا النموذج إطارًا فعالا لمعالجة المشكلات الهيكلية في هذه الدول. والنموذج الاشتراكي لا جدوى له في نظر عبد الحميد الغزالي، ليكون إطار مناسبا لمعالجة مشكلات الدول النامية الإسلامية لفداحة التكاليف الاجتماعية اللازمة لتطبيقه، ولاستحالة الالتزام بعنصر الإجبار في تطبيقه. وعليه يرى الغزالي أنه لا جدوى للدول الإسلامية النامية سوى الأخذ بالنظام الإسلامي لحل جميع مشاكلها التي تعاني منها كحل أصيل ووحيد .

ما الذي كشف عنه هذا الحوار، وما هي دلالته وحمولته المعرفية التي جاء بها في هذا الوقت ؟

كشفت هذه الندوة مدى التباين الشديد بين طرفي الحوار الذي جرى، إن كان قد جرى، فكل طرف على ما يبدو وكأنه على يقين تام بأفكاره،  ويعتبرها نتاج بحث علمي، وهي في نظره الحكمة المسقرة، هذه الدرجة من الثقة  المطلقة لا تتيح فرصة للنقاش بشكل عام، وللنقاش العلمي بشكل خاص، وربما يرجع ذلك إلى اعتبار ساحة الاقتصاد فكرا وعملا، ساحة مهمة جدا للصراع، إذ قد يحسم فيها هذا الصراع لصالح طرف إذا نجح في تحقيق الرفاهية للمجتمع. وقد تكون الحدة في الطرح التي دفعت مفكرا كخلف الله للوقوع في تناقض مع رسالته التي عانى من أجلها كثيرا، وتؤدي بأستاذ للاقتصاد المفترض فيه التحرز في تعميماته كعبد الحميد غزالي يجزم بعدم صلاحية نظامين اقتصاديين لتنمية الدول النامية الإسلامية،  هذه الحدة  قد تكون مبررة بالنظر لاحتدام الصراع السياسي في الفترة التي دارت فيها الندوة.  

كيف يمكن تقييم  الدراسات التي تناولت الاقتصاد الإسلامي، وما هي التحديات التي واجهتهم في هذا السياق، وهل كانت الاستجابة بحجم التحدي؟

واجه المفكرون المسلمون تحديا مزدوجا في خشيتهم مما تفعله الرأسمالية بمجتمعاتهم وقيمهم، من جانب فإن رؤاهم لمجتمعاتهم وللتماسك الاجتماعي والنفع العام تشكلت تحت تأثير تصوراتهم للعالم الذي شكلته التوسعات الرأسمالية وتنظيم العمل البشري وحساب النفع الاجتماعي. فحاولوا التعامل مع كل ذلك من خلال صياغة نظام إسلامي ذو طابع خاص، لكن منطق تفكيرهم كان عرضة في غالب الأحيان للتأثر بما كانوا يحاولون انتقاده، وأحيانا تشكلت بنفس التصورات الهيكلية لمنطق الرأسمالية التي سعوا لانتقادها؛ فبدت البدائل التي طرحوها أقل من أن تكون بدائل جذرية، بل بدت وكأنها مشاريع تتسابق مع الرأسمالية في نفس المجال والميدان، ومن ثم يحكم عليها بنفس معايير الرأسمالية. فالاقتصاد الإسلامي يعاني من أزمة معرفية وعملية، فأدبياته تحفل بالمثالية المجردة وغير المتبلورة. في حين يؤكد سمير أمين أنه لا يوجد اقتصاد سياسي(التعبير الذي يفضله عندما يقصد علم الاقتصاد) إسلامي لا في الحاضر ولا الماضي، ولا المستقبل لأنه من العسير تأكيد علاقة أحادية الجهة بين الإسلام من جهة والإقطاعي أو الرأسمالية أو الاشتراكية من الجهة الأخرى، مثله في ذلك مثل المسيحية، فكلاهما يستطيع التكيف إلى حد كبير لمقتضيات نظم مختلفة، يرى البعض أنه على أرض الواقع لا يوجد اليوم اقتصاد إسلامي بقدر ما توجد أخلاقيات إسلامية في الاقتصاد؛ فهناك خطوط عريضة لفلسفة عامة تحمل في طياتها مبادئ كلية، مثل: فريضة الزكاة وتحريم الربا والاكتناز، وأهداف عامة كالعدل والتكافل الاجتماعي، ومراعاة المصلحة العامة وتميز إيزابيل شابليار بين الأخلاقيات والأخلاق؛ فهي تربط بين الأخلاقيات(ethics) والتمويل الإسلامي، أي بالممارسات الفعلية سواء على المستوى البناء المؤسسي أو عرض الخدمات والمنتجات المالية، أما مفهوم الأخلاق، فتربطه بالقيم والتعاليم الواردة في الكتاب والسنة أو المستنبطة منهما من خلال التتبع والاستقراء، وهي ترى أن التمويل الأسمى لا يعيد النظر في التمويل التقليدي، ويمكن له التكيف مع السياسات النقدية التقليدية، وأن يندمج في العولمة المالية من خلال بعض التعديلات التي تزيل معدل الفائدة كأداة.

تنوعت تصورات الإسلاميين حول النظريات الاقتصادية المركزية خاصة الشيوعية والرأسمالية، كيف جاءت التصورات وتبلورت في سياق بناء الدولة القومية الحديثة، وعلاقتها المرتبكة بالدين؟

جاءت نظرة الإسلاميين مليئة بالحذر والريبة لكلا النظامين، فالرأسمالية والشيوعية كنظامين اقتصاديين لهما آثارهما الاجتماعية والسياسية، وهو ما ألمح إليه الشيخ الغزالي عندما كتب يقول: "الشيوعية عدو واقف على أبواب البلاد يتربص، والرأسمالية عدو داخل الحدود يعربد ويغتال". شعر الإسلاميون بالقلق تجاه آثار الرأسمالية على المجتمع من ضعف التماسك العام للمجتمع، وشيوع العديد من السمات السلبية كالفردانية المفرطة والأنانية الأخلاقية، والاتجاه نحو الاستهلاك والربح السريع، والتخفف من الهوية والدخول في المنظومة العالمية للرأسمالية، والتبعية لها وعدم القدرة على الاستقلال عنها.

وساد نقد الشيوعية، نقيض الرأسمالية، في عديد من الكتابات في محاولة لبناء بديل إسلامي متميز في وجه الشيوعية التي بدت حينئذ حلا لمساوئ الرأسمالية التي ضجت منها المجتمعات العربية والإسلامية، ولعل هذه الرؤية هي التي دفعت محمد باقر الصدر إلى تخصيص ما يقارب مائتي صفحة من كتابه "اقتصادنا" لتناول الشيوعية ونقدها، بينما خصص أربعين صفحة فقط للرأسمالية ونقدها، وهوما يبدو منطقيا في ظل الخوف من  جذب الأحزاب الماركسية في العراق للشباب، حيث نُشر الكتاب لأول مرة في بيروت عام 1960.

وكيف نظر الاقتصاديون إلى تجربة الانفتاح الاقتصادي التي مرت بها مصر في السبعينيات؟

تُقدم العديد من الدراسات رؤية سلبية–أصحاب هذه الرؤية من خلفيات اشتراكية ويسارية وناصرية- عن تجربة الانفتاح، وترجع حالات التردي الاقتصادي والاجتماعي التي أصابت المجتمع المصري، حيث ترى هذه الدراسات أن تجربة الانفتاح الاقتصادي أدت للتبعية للنظام الرأسمالي العالمي، وإلى تقليص دور الدولة التنموي، وتخليها عن دورها الاقتصادي ومسئوليتها المجتمعية، لتترك المجتمع في مواجهة السوق بآلياته المتوحشة، واستبدال عملية التصنيع بقطاعات جديدة تؤدي للربح السريع، وتراكم رأس المال في يد الشريحة المتحكمة في رأس المال في المجتمع، وهو عكس ما كان سائدا خلال الحقبة الناصرية .

على الجانب الآخر، هناك وجهة نظر أخرى ترجح أن جذور الانفتاح بدأت خلال الحقبة الناصرية في ستينيات القرن العشرين، حيث ترى أن السياسات الاقتصادية التي لجأت إليها ثورة يوليو مع بداية الستينيات، وتحديدا خلال الفترة 1961 و1964 وتمثلت في تجربة التأميم التي شملت العديد من الشركات المالية والتجارية والصناعية، والتي تكون منها بعد تأميمها القطاع العام، كانت هي السند القوي لسلطة السادات الجديدة وأنصارها في ما قامت به من تحولات.

في الثمانينيات انفجرت ظاهرة توظيف الأموال، والتي انتشرت سريعا، وكان توظيف الدين والمسحة الإسلامية التي أظهرها هؤلاء عاملا من عوامل رواج هذا النمط الاقتصادي الريعي..كيف أثر ذلك على الميزان القيمي للمجتمع في ظل هذا التحول الحاد تجاه انماط اقتصادية طفيلية؟

ج- شهدت مصر منذ منتصف الثمانينيات هذه الظاهرة التي انتشرت سريعا، واستطاعت الرأسمالية الطفيلية تحقيق مكاسب مادية كبيرة منها مستخدمة العديد من رموز المجتمع الدينية والثقافية (الشعراوي/ أنيس منصور) للترويج لنشاطاتهم ومباركتها، كما شارك واستفاد عدد ليس بالقليل من كبار رجالات الدولة كالنبوي إسماعيل وزير الداخلية في هذه الفترة.

كانت آثار شركات توظيف الأموال السلبية فادحة على الصعيد الاجتماعي بشكل أكثر من الاقتصادي، فلم يكن أعظم ما أصاب مصر من " شركات توظيف الأموال" هو الأموال التي ضاعت"، أو الخراب الذي أصاب صغار المودعين، أو الثروات التي تم تهريبها للخارج، بل كان الخطر الأكبر هو تدمير قيم المجتمع، فبدلا من قيمة العمل التي أقام المصري بلده بها على مر العصور، حلت قيمة الكسل والعيش على عوائد الريع، وانهارت قيمة الشرف التي كان يلتزم بها رجل الدولة، ويعتبرها رصيده الباقي لأبنائه، وأزاحتها قيمة جديدة اسمها " المكسب". وأصبح الأولاد والأحفاد يطالبون أباءهم أن يتركوا لهم أموالا لا نياشين، لتسود هذه النظرة المادية البحتة على المجتمع بأسره.

منذ بداية الألفية تعقدت الأمور فيما يتعلق بعلاقة التدين بالاقتصاد في مصر. كيف تناول الباحثون هذه الظاهرة ؟

بعد تجربة الانفتاح الاقتصادي دخل المجتمع المصري في مواجهة مباشرة مع السوق بكل آلياته المتوحشة، ليظهر ما أسماه الباحث الفرنسي باتريك هايني بـ "إسلام السوق" الذي يقصد به (الربط بين أنماط معينة من التدين الإسلامي والأسس الفلسفية للسوق كالفردانية / الانفتاح / أولوية الخاص على العام ........ إلخ .

فإسلام السوق هو الحافز على الانفتاح على العالم على حساب الهوية، وهو حالة منتشرة بين مختلف أطياف التوجه الإسلامي من إخوان إلى متصوفة إلى سلفية، والدعاة الجدد وأصحاب المشاريع الرأسمالية بطابع إسلامي؛ فالسوق هو السيد الذي يفرض قوانينه ليجبر أصحاب التوجه الإسلامي على تكييف عرضهم لاحتياجات وطلب "الزبائن"، فيحدث تكييف للعرض الديني مع التوقعات المحتملة للجمهور، فيكون الناتج هو ذوبان العرض في تيار محافظ وعلمنة السلع الثقافية التي من المفترض أنها تستهدف التعبير عن الهوية الإسلامية.

يخضع لهذا الأمر كثير من السلع المرتبطة بالدين بشكل ما أو بآخر: كالحجاب وسوق الدعاة الجدد الذين ساعدوا في تقبل الكثيرين لفكرة لاهوت النجاح؛ أي التصالح مع مفاهيم الثروة والنقود، كما ساهم في ذلك أيضا كتب مساعدة الذات المعروفة بكتب التنمية البشرية الذاتية.

(نشر بإذن خاص من مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث mominoun.com )

إضافة تعليق

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
3 + 16 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.