"البرادايم" ... قصة حياة

من سنن الله السائرة على جميع الموجودات في الحياة، "دورة الحياة" فلكل شيء بداية وفناء، وبينهما مراحل، تطول وتقصر، فلكل موجود دوره ولكل مخلوق مهمته، تبدأ بوجوده وتنتهي بنهايته، والإنسان جزء منها، بنطبق عليه نفس القانون؛ وقد تحكم هذا الإنسان في حياته توجهات، ومعتقدات، وتوقعات، وتطرأ عليه إشكالات، وينضبط بقوانين، ويخضع لنظريات علمية عديدة، تحدد طريقة تعاطيه مع الأمور، وزاوية النظر إليها، وتحكم ردود أفعاله.. كل هذا المجموع بتنوعه، وتكامله، يشكل عنده مايسمى بـ "البرادايم". حيث نتطرق في هذا المقال* إلى مفهومه، ومراحل حياته.

الصورة الذهنية... العامل الخفي:

ـ الحديث عن أهمية العلم أو المعرفة، ودورهما، وسبل اكتسابهما، لا يكون مهما وناجعا، إن لم يسبقه الحديث، والبحث، والحفر في ما قبل المعرفة أو ما قبل العلم، ومنه ما يعرف بـ "الصورة الذهنية" التي يعتبرها المختصون في دراسة "نظرية المعرفة" عاملا مؤثرا في تشكيل طريقة تعامل الفرد أو الأمة مع كل ما يحيط بهما، فالتعامل مع العلم مثلا تحكمه طريقة تصوره، أي الصورة الذهنية التي يستبطنها الإنسان عن العلم، عن وعي منه أو من دون وعي.



لكن، ما وجب التنبيه إليه أن الصورة الذهنية ليست فقط حكما شخصيا، بل يمكن أن تكون صورة ذهنية مشتركة بين الأفراد، لأنها وليدة نموذج معرفي أو برادايم يحكم تفكير الناس.

ـ لقد كان النقاش حول الصورة الذهنية وتأثيرها وإمكانية بنائها وتشكيلها ـ من خلال البرادايم ـ حادا وطويلا بين الإبستمولوجيين، منذ وقت طويل، ونقاشهم هذا نابع من يقينهم بأن البرادايم عنما يشكل صورة ذهنية مصطبغة بالصبغة الجماعية، خاصة في مستوى الباحثين والعلماء. يولد نمط تفكير وتصرف معين تجاه القضايا الكبيرة أو البسيطة.

وفي هذا الصدد نورد أمثلة عن مدارس فكرية ولد النقاش المعرفي فيها صورا ذهنية عن المعرفة:



ـ المدرسة الموضوعية: ومن روادها كارل بوبر ولاكاتوش إذ يرون إلى المعرفة بنظرة موضوعية، بحيث يقوم هذا الرأي على أن هناك ظاهرة مدروسة دون وجود ذات دارسة، وهذا يعني أن الذات الدارسة منفصلة تماما عن الموضوع المدروس، مما يؤدي إلى اعتبار الإنسان محكّما فيما يقوله عن الظواهر المدروسة، إذ تلتزم أحكامه بالموضوعية والإطلاق والقطعية، لأنه يمتلك جميع الوسائل البحثية والمنهجية التي تسمح له ـ في نظرهم ـ بأن يحيط بالظاهرة، دونما تأثير لعواطفه وأحاسيسه وتجاربه السابقة تجاه الظاهرة المدروسة.

ـ المدرسة الذاتية: ومن روادها القدامى أفلاطون، ومن المحدثين ديكارت، إذ من بين ماتراه أن المعرفة مرتبطة بشخص المفكر، إذ يطور ـ ذاتياـ معارفه الشخصية، ومنطوقاته، وطريقة تحليله، فترتبط المعرفة لزوما بذات المفكر، ولا تتجاوزه.

ـ وبعد هاتين المدرستين جاءت ثالثة تضع معيارا ثالثا مغايرا لما جاء به الموضوعيون والذاتيون، تتسم باعتبار معيار اجتهاد الباحث أثناء دراسته للظواهر الإنسانية أو الطبيعية، أي  لا ترى أحكامه موضوعية مطلقة، ولا تراها ذاتية خاضعة لعواطفه ونزواته، بل إن هناك علاقة تأثير وتأثر بين الظاهرة المدروسة والدارس، رغم محاولات هذا الأخير أن يتجاوز تلك العلاقة، وفي هذه الحالة تُقِرُّ المدرسة بمعيار "التحيز" و عدم قطعية النتائج التي يتوصل إليها، ومن رواد هذه المدرسة ماكس فيبر، عبد الوهاب المسيري... إلخ.

إذن بهذه الأمثلة يتضح لنا مدى عمق وأهمية الصورة الذهنية، خاصة عندما تكون وليدة "البرادايم" أو "النموذج المعرفي".

الثورية في المعرفة... مدرسة بديلة:

بعد هيمنة المدارس المذكورة سابقا خاصة المدرستين: الموضوعية والذاتية جاء "توماس كوهن" وهو عالم فيزياء، ليقول أن المعرفة الإنسانية تتطور بالثورة، يعني أن المدارس الفكرية تفقد بمرور الزمن وتطور المعرفة، قدراتها التفسيرية شيئا فشيئا، فتشيخ ثم تموت، فيقع العالم في أزمة، وذلك لمحدودية قدرته على تفسير ظواهر معينة، فتأتي مدرسة فكرية جديدة، أونموذج معرفي جديد أو برادايم جديد ليحل تلك الأزمة، ثم يتعرض نفس البرادايم إلى دورة حياة، فيها يشب ثم يشيخ ثم يموت. وبهذا الرأي ولدت مدرسة "البرادايمات" التي تتصف بالثورية في المعرفة، ويعتبر الدكتور عبد الوهاب المسيري من أهم روادها، إلى جانب "توماس كوهن".

دورة حياة "البرادايم":

من المعلوم أن جميع البحوث والنظريات التي صدرت وتصدر، إنما هي نابعة من "بردايم" تابعة له معرفيا، ومنضوية تحته، وتهيمن على المعرفة الإنسانية من زمن لآخر "برادايمات" معينة، يصطلح عليها بـ "البردايم المهيمن"؛ تبتدأ حياة "البرادايم" بافتراض، فيجيب عن بعض الأسئلة، فتزداد مع الوقت ـ-بالجهود التي يبذلها واضعوه- قدراته التفسيرية للظواهر الإنسانية أو الطبيعية، ثم تلتف حوله "جماعة علمية" تعمل على دراسته وزيادة قدراته التفسيرية أكثر فأكثر، فيغدو بذلك "براديم مهيمن".

ولأن المعرفة الإنسانية لا تتصف بالإطلاق، فإن "البرادايم المهيمن" يتعرض لأمثلة مناقضة، وهي عبارة عن إشكالات وأسئلة تطرح عليه، منها ما يزيده قوة وهيمنة، ومنها ما يستهدف أسسه التي ينى عليها، فأما الأولى فيصطلح عليها بـ"الأحجية" وأما الثانية فيصطلح عليها بـ"التفاصيل القلقة".

ـ الأحجية: هي سؤال معقد، مع إمكانية الإجابة عنه، من خلال "البرادايم المهيمن"، فهي في هذه الحالة تزيده قوة، وترفع من قدراته التفسيرية.

ـ التفاصيل القلقة: وهي أسئلة تشكك في صميم "البرادايم المهيمن" وفي أساساته، لأنها غير متناغمة تماما مع ما يطرحه من تفسيرات، ودافعة إلى "برادايم بديل"، وبذلك تساهم في شيخوخة "البرادايم المهيمن".

وبعد أن تتعدد التفاصيل القلقة وتكثر، يدخل "البرادايم" في أزمة معرفية، فتبدأ بذلك "ملامح التحول" -وهنا وجب التنبيه إلى أن الأزمة المعرفية، ظاهرة صحية في المعرفة الإنسانية، لكن طول مدتها، ومكوثها دون أن تجد انفراجا، هو ما يعد أمرا خطيرا- واكتمال ظهور ملامح التحول نحو "البرادايم البديل" هو إيذان بميلاده، ليتبع نفس دورة الحياة التي اتبعتها جميع "البرادايمات السابقة".

* جاء هذا المقال تلخيصا لحلقة بحثية ضمن سلسلة حلقات "الفهم، الوعي، العمل" من تنظيم معهد المناهج، بالجزائر العاصمة، وتحت إشراف الأستاذ طه كوزي.

 

إضافة تعليق

5 + 5 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.