البرنامج الثقافي لمعرض بيروت: ثنائيات مبررة وغير مبررة

لا تزال دورات معرض الكتاب العربي، على جريانها على الرغم من الظروف الصعبة والتطورات المنعكسة على الواقع اللبناني. لن يقود، سوى التفاؤل إلى تخيّل معرض عربي دولي للكتاب في بيروت وسط الاصطراعات والانتفاضات الداخلية، ووسط الاحتدامات والاشتباكات الخارجية.

ثمة من يفكر بما لا يفكر به الآخرون. وثمة من يفكر بالثقافة، وبمعرض للكتاب في دورته السابعة والخمسين. إننا أمام حدث استثنائي تُشكل قراءته على من لم يتابع دوراته تواتراً، ذلك أن الدورة تقود إلى مثيلتها، وأن المثيلات تقود إلى الآليات، وأن الآليات تقود إلى الدخول عميقاً في روح المعرض وهيئات قيامه الأساسية، الأصلية.

لن يبرر هذا للمعرض هناته الكثيرة، خصوصاً على صعيد ترك الأمور على غاربها في أكثر من موقعة ومجال. فما الذي يجمع مثلاً محاضرة: «بلا كحول» بندوة حول الأديب والشاعر جعفر محسن الأمين؟ من يُقيم المعيار بين ندوتين أخريين: ندوة السياسة الخارجية التركية عن كتاب جمال واكيم وميريال سنس ومناقشة كتاب ريما بجّاني عن كتاب جبران خليل جبران: «أجراس الثورة وأعراس الحرية». هناك تفاوت كبير في الأنشطة التي يحتويها معرض الكتاب في دورته الجديدة. هذا لا يعني أن هذا التفاوت لا يقوم إلا هذا العام وفي هذه الدورة. إنه تفاوت دائم يستدعي أن تقوم البرمجة على مفاهيم واضحة وثابتة وجامعة، بحيث يبدو المعرض قوساً لمجموعة من الأنشطة بدل أن يبدو مرتعاً لأنشطة تبدو مارقة في فضاء هام وضروري وحيوي ولا يجوز بأي حال من الأحوال الاستغناء عنها. بداية المعرض، افتتاحه، يشي بأهميته ذلك أنه يُفتتح بكلمة من رئيس مجلس وزراء لبنان. كلمة لا ثقافية، كلمة سياسية ينتظرها اللبنانيون لكي يقرأوا فيها أحوالهم، لا أحوال الكتاب. هذا العام يُفتتح المعرض بالكلمة هذه يوم الجمعة 6/12/ (2013).

عريف الحفل نرمين الخنسا من النادي الثقافي العربي. ثمة كلمة لفادي تميم رئيس النادي الثقافي العربي، وكلمة من سميرة عاصي رئيسة نقابة اتحاد الناشرين، وتوزيع جوائز أفضل كتاب إخراجاً، ثم ندوة حول كتاب ميخائيل نعيمة وكمال جنبلاط: «شاعران في معراج الصوفية».

خيمة المعرض تضج بالأنشطة. إلا أن ما يثير السؤال هو توقع هذه الأنشطة قبل حدوثها. أي ان المتابع بات بمستطاعه ان يتكهن بأنشطة العام المقبل في العام السابق، ما يؤثر في حيوية المعرض، ولو أن حيويته لا تتأثر من هذا الأمر فقط. إذ أنه يحتوي على مئات التواقيع والفعاليات الخاصة بالصغار والكبار على حد سواء، وما يميز المعرض أنشطة الأطفال بشرط الانتباه إلى جانبها التربوي لا إلى جانبها التعليمي لأن هؤلاء الذين يفدون إلى المعرض بالآلاف في باصات المدارس عافوا مفاهيم القراءة التقليدية التعليمية، ما يستدعي التفكير بورش مختلفة تخاطب هذا الجمهور بطرق مختلفة أيضاً، لا أن يُكتفى بأنشطة تُحسب على الأطفال وهي لا تفعل سوى أن تثير الحنق والغيظ والغضب عندهم. دعوة نجلا جريصاتي خوري مثلاً لإقامة ورشة حول صناعة الدمى، مكسبٌ للمعرض ومسرح الدمى والأطفال. وهي موجودة أصلاً في المعرض لكي توقع كتابها الجديد حول «التراث الشعبي» في دار الآداب كما جاء في نشرة المعرض.

حضور أصحاب الأفكار التربوية هذه يمكن له أن يقلب روح المعرض من اتجاه إلى اتجاه آخر. صحيح ان المعرض ليس حاجة فقط، بل يعبّر عن حاجة اللبنانيين والعرب له، إلا أن ذلك لا ينفي ضرورة تثوير فعالياته، وهذه قضية متروكة للجنة المعرض الناشطة منذ أكثر من نصف قرن عبر تواتر أسماء الأعضاء المتلاحقة في تلك الهيئات.

إننا أمام ثنائية تُبرر ولا تُبرر. ثنائية المأزق العربي وإقامة المعرض في دواخله والقوة المضاعفة التي يخوض بها المعرض حضوره وسط هذه المعضلات. سوف يلاحظ قارئ «البروشير» الخاص بالمعرض خفوت عدد الدول العربية المشاركة في المعرض، على عكس الدورات السابقة التي شهدت زخماً على هذا المستوى. تنشغل الدول بقضاياها، وينشغل لبنان بمعرضه، وهذا إنجاز بحد ذاته.

بالإضافة إلى ذلك، تُلاحظ النوعية في الكثير من الأنشطة كتكريم مؤسسة الدراسات الفلسطينية في الذكرى الخمسين على تأسيسها، وندوة كتاب د. أحمد بيضون عن كتابه: «دفتر الفسبكة» وندوة الشاعر المغربي عبد اللطيف اللعبي، والندوة حول المخرج الراحل يعقوب الشدراوي، والندوة حول غياب الشاعر محمود درويش، وندوة كتب نوال السعداوي، إلى ندوة سينما المرأة الفلسطينية، والأمسية الإسبانية ولو انها بلا تفاصيل في «البروشير»، وتكريم الصحافي إلياس العطروني، والأمسية الشعرية للزميل اسكندر حبش. واللافت التكريم التحية للأخوين فليفل مع أحمد قعبور وحسان حلاّق. وهناك عروض لأفلام فلسطينية نفترض أنها هامة ذلك أن البروشير لم يذكر أسماءها.

معرض بيروت الدولي العربي للكتاب في دورته السابعة والخمسين بعنوان لافت، إيقاعي، موحٍ: «معرض أعرض من معرض» لعل المعرض لا يشاكس هذا العنوان، بحيث يمتد رحباً في قراءة فاعلياته لكي يُبنى على القراءة هذه أحواله المقبلة من حيث الانتباه الى الثغرات وترميمها، ومن حيث الذهاب بعيداً في مفهوم تعميم حضور الكتاب بما يتجاوب مع حاجات الناس، إلى معرض يقترح وهو يبيع، ويقيم الشراكة بينه وبين الرأي العام على مجموعة من القضايا، الحية والحارة والحيوية في حياة اللبنانيين. لن تُنقص بعض الشوائب من قيمة المعرض، غير أن مصير القضايا الكبرى يبقى مرهوناً بالتفاصيل. قضية «الباركنغ» أساس، حيث يواجه المواطن معضلات فعلية في إيجاد موقف لسيارته ما يضطر الكثيرين إلى مغادرة المعرض عند أبوابه.

سوف تكون الندوات الشعرية، على تفاوت حضورها بين ندوة وأخرى، وبين أمسية وأخرى، وبين شاعر وآخر، وسط كمّ الفوضى الحاصل في البلد، وفي البلدان المجاورة، هي بلسم من نوع غريب، يشي بازدواجية المعايير في الراهن البشع، وفي تطلّع بعض اللبنانيين وبعض العرب، إلى أمور الروح بعيداً عن الدم وتقطيع الرؤوس ونبرة العنف الخانقة المتسيّدة العالم. سنشهد كلاماً بنبرات حنونة في شأن الندوة الشعرية للشاعر المغربي عبد اللطيف اللعبي من عيسى مخلوف وسليمان بختي وعبده وازن، كما الندوة حول «النازلون على الريح» لمحمد علي شمس الدين من زهيدة درويش وعبد القادر الحصني واسكندر حبش، أما حبش فستكون له أمسيته الشعرية يُلقي فيها خرابه الشخصي الأشد مضاضة من خراب العالم، ويقدمه الشاعر عباس بيضون. وثمة ندوة قراءات في النقد الشعري لمروان فارس وسلوى الأمين الخليل وكامل الرفاعي ويوسف عاد وإيهاب حمادي وغسان خالدي، إلى أمسية شعرية بمناسبة إطلاق ديوان: «قوس قزح» للشاعر مهدي منصور.

إضافة تعليق

2 + 9 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.