البلاغة والإيديولوجيا...بحث في العلاقة الملتبسة بين المعرفة البلاغية والمطالب الإيديولوجية (الجزء الأول)

لعلَّنا نتفق جميعًا على أنه لا توجد معرفة بريئة، فالحياد النصيُّ وهم إيديولوجي والبراءة الفكرية ضرب من المستحيل، ما دام كلُّ خطاب معرفي يهدف – بالضرورة - إلى تمرير حمولة إيديولوجية. إن الإيديولوجيا ثاوية في الخطابات جميعها، وليس ثمَّة خطاب – من وجهة النظر هاته - يمكن أن يعرَّى تمامًا من الإيديولوجيا. في ضوء هذا الفهم سنحاول في هذا البحث إجلاء العلاقة الملتبسة بين المعرفة البلاغية والمطالب الإيديولوجية.
في تلازم البلاغي والإيديولوجي
إن المتتبِّع لنظرية الأدب وتاريخ الأفكار يستطيع أن يستخلص أن ارتباط البلاغة بالخطابات الإيديولوجية عامة، يمكن أن يرتدَّ إلى السفسطائيين الذين اشتهر عنهم استخدام "العتاد البلاغي" من أجل استغواء المخاطبين واستقطابهم[1]. وهذا التلازم بين البلاغي والإيديولوجي ليس منفكًا عن الرغبة في السيطرة وبسط النفوذ، ذلك أن هاجس السلطة أي سلطة إنما يتمثل في تحصيل "الشرعية"، التي تضمن لسلطانها الاستقرار والاستمرار هو مطلب عزيز ليس يسلم للسلطة إلا بكثير من القوة والعنف، ثم ما تلبث السلطة أن تدرك – بتوجيه من حدسها الطبيعي وتجربتها الواقعية - أن السلطة لا تستطيع الاستمرار إذا اقتصرت على القوة والعنف لانتزاع الاعتراف بشرعيتها، فتتوجه – من ثمَّ - إلى البحث عن أساس مكين يسند استقرارها ويضمن استمرارها. وليس من سبيل إلى ذلك إلا بتقبُّل الذوات السياسية تلقائيًا للسلطة ومصادقتهم عليها على سبيل الرضا والموافقة، وليس على سبيل القهر والإرغام. وهو ما تفطن إليه جاك روسو – أبرز المنظرين لـ"النظرية التعاقدية" بين الحاكمين والمحكومين، فقد قرَّر في كتابه العقد الاجتماعي أن
الأقوى لا يبقى أبدًا على جانب كافٍ من القوة ليكون دائمًا هو السيد إن لم يحوِّل قوته إلى حقٍّ والطاعة إلى واجب[2].
وبما أن هذا الصنف العميق من الاعتقاد في شرعية السلطة القائمة لا يمكن تحصيله بالقهر والعنف الماديين، فإنه يصبح "من الضروري اللجوء إلى نوع آخر من العنف، نوع أكثر لطفًا وتهذيبًا وخفاءً هو "العنف اللفظي" أو "العنف الرمزي"، وقد ارتبط خطاب السلطة دومًا بسلطة الخطاب، وكلمات السلطة بسلطة الكلمات، وبهذا المعنى فالبلاغة ليست مجرد حلية ترفيه جمالية في الخطاب الإيديولوجي، بل هي براعات ذات وظيفة[3].
إن البلاغة واجدة في الإيديولوجيا حقلاً تطبيقيًا خصيبًا للعديد من سماتها ووظائفها. ومن هنا وجدنا الصلة تنعقد وثيقة بين الايديولوجيا والبلاغة، إذ الايديولوجيا – في المطلق - ليست سوى مجلى من مجالي البلاغة. وليس من سبيل إلى تبيُّن أوجه هذه العلاقة من غير تحديد سمات الممارسة الإيديولوجية. وهو ما نستعين فيه بدراسة لبول ريكور ترصد فيها أهم الخصائص الواسمة للإيديولوجيا وقد حصرها كما يلي[4]:
1. الايديولوجيا محرك اجتماعي تنشر الأفكار وتصنع القناعات عبر التحريض على الفعل وتبريره.
2. الايديولوجيا منتسبة – في هذا المستوى - إلى ما يسميه ريكور "نظرية الحافز الاجتماعي". إنها تتحرك لإظهار أن الجماعة التي تجاهر بها هي محقَّة في أن تكون ماهي عليه. لكن كيف تحافظ الايديولوجيا على ديناميتها؟ الجواب كامن في سمتها الثالثة:
3. كلُّ إيديولوجيا هي مبسطة وخطاطية، إنها شبكة لتحديد نظرة شاملة ليس فقط إلى الجماعة بل وللتاريخ، وفي الحدِّ الأقصى للعالم، وهذا الطابع المسنَّن للإيديولجيا ملتحم بوظيفتها التبريرية، لكن هذه القدرة على التغيير مشروطة بتحوُّل الأفكار التي تنشرها إلى آراء ومعتقدات. وفي هذه الحال تفقد الأفكار صرامتها لتزيد من فعاليتها الاجتماعية. وعلى هذا النحو يتحوَّل كلُّ شيء إلى إيديولوجيا: الأخلاق، الدين، الفلسفة... وهذا التحوُّل من نسق فكر إلى نسق اعتقاد هو جوهر الظاهرة الأيديولوجية. يسمح هذا الملمح (الثالث) بملاحظة الطابع الاعتقادي للإيديولوجيا، حيث المستوى الابستمولوجي للإيديولوجيا هو مستوى "الرأي"، مستودع الاعتقاد عند الإغريق، لأجل ذلك فإن الإيديولوجيا تعبِّر عن نفسها طوعيًا من خلال الأمثال والشعارات والصيغ الموجزة، ومن ثم فلا شيء أقرب إلى البلاغة - فن الحكمة والإقناع من الإيديولوجيا.
4. الإيديولجيا تعبير عن مقاصد عملية أكثر منها تعبيرًا عن منازع نظرية، حيث القانون التأويلي للإيديولوجيا كامن فيما يتعوده الناس، ويؤمنون به أكثر من تصورات يتحركون نحوها.
5. الإيديولوجيا مطبوعة بالجمود، ترفض الجديد وتسعى إلى المحافظة على الأنموذج القائم من خلال صيغة "التمثيل"، وهو ما يجعل الايديولوجيا في نفس الآن تأويلاً للواقع وحشدًا للممكن، وبهذا المعنى يمكن الحديث عن "السياج الإيديولوجي" بل "العمى الإيديولوجي".
إن الناظر في سمات الإيديولوجيا كما تحدَّدت عند بول ريكور ليخلص فعلاً إلى تبيُّن أوجه الصلة الجامعة بين البلاغة من جهة، والممارسات الإيديولوجية من جهة ثانية. فالبلاغة تتحدَّد أساسًا بوصفها فعالية خطابية واستدلالية يتوسَّلها المتكلِّم لعرض فكرة أو فرض نظرية، وفي الحالين تقوم البلاغة سياسة في القول مخصوصة يتلطف منها المتكلم إلى تحصيل مطلوبه: حمل المخاطب على الإذعان والتسليم بما يلقى إليه من مضامين وإن لم يعتقد فيها حقيقة قائمة، لأن التعويل في مقامات التخاطب التي قصدها التأثير إنما يرتكز على سحر البيان وسلطة الكلام، وليس صحَّة "المعلومة" أو صدق الخطاب. وفي هذا المستوى تظهر الصلة وثيقة بين العتاد البلاغي والممارسة الإيديولوجية، إذ الخطاب – في المطلق - واقعة تواصلية تلتبس فيها المقومات البلاغية بالمقاصد الإيديولوجية، فالخطاب - كلُّ خطاب - متضمن بالضرورة لمقتضى حجاجي واستدلالي، بما هو "رسالة" صادرة من باثٍّ إلى متقبِّل قد يكون فردًا أو جماعة أو شعبًا أو الإنسانية جمعاء، الغرض من بثها وإلقائها إيقاع التصديق والحمل على الاقتناع. وهو مقصد تأثيري وإقناعي يستند – بالتأكيد - إلى تصورات المجتمع المرتهنة إلى الرأي الشائع والقناعات المشتركة، إذ لا يمكننا أن نتصوَّر "متكلِّما" يعي ما يقول يمكن أن يتوجه إلى رفض ما أطبق الناس على الاعتقاد فيه، أو دحض ما أجمعوا على رفضه وإنكاره. وعند هذه النقطة (الاقتناع استنادًا إلى الرأي الشائع والمشترك) ينفتح المجال وسعيًا لتلبُّس البلاغي بالإيديولوجي.
سحر البيان: القول سلطان
إن الناظر في علاقة البلاغة بالإيديولوجيا سيلحظ التباسًا وتعقيدًا يطبعان – من غير شكٍّ - هذه العلاقة، ذلك أن الإيديولوجيا تسخِّر البلاغة أداة حين تضطلع بدور تبريري ملازم لدورها القيادي – كما نبَّه على ذلك بول ريكور- وفي هذه الحال لا تعدو البلاغة أن تكون "تقنية" في يد الإيديولوجيا تصطنعها خدمة للمقاصد. وهي بذلك تمثِّل الجانب التبريري في الإيديولوجيا، ذلك أن الإيديولوجيات السياسية والاقتصادية جميعها صيغت بطرق استعارية[5]، لكن تدقيق النظر في هذه المسألة من شأنه أن يقود الباحث لأن يستخلص أن البلاغة – من جهة مقابلة - خاصة عندما ترتبط بالمقاصد، كما هي متجسدة في مباحث الحجاج، عبارة عن خطاب عملي وظيفي وغائي مستند إلى خلفية إيديولوجية في عرض القناعات والتعبير عن المعتقدات. وبذلك تغدو البلاغة ضربًا من الإيديولوجيا: تحتجُّ وتبرِّر، تستدلُّ وتسوِّغ لحمل المخاطب على الإذعان وإن لم يحصل له اقتناع حقيقي، بما يؤشِّر على تغليب لـ "الغائية" واحتكام لـ"القصدية" في سعي لتحويل "الرأي" إلى "عقيدة".
إن البلاغة بوصفها فن الاقناع بالرأي – كما يعتقد كثيرون- لهي "الإيديولوجيا" عينها، إنها رؤية للكون وموقف من الوجود متى اعتنقناهما تحوَّلنا من مجال الإقناع بـ"رأي من آراء" إلى الحمل على الإذعان لـ"عقيدة" تُفرض فرضًا.
وبهذا الفهم تغدو البلاغة ممارسة خطابية تنقل "البلاغي"، إذ يلتبس بـ"الإيديولوجي"، من مجال الإمكان والاحتمال إلى مجال البداهة والمصادرة على المطلوب، لأن "الما صدق" ليس شرطًا في الحجاج الناجح كما هو مقرَّر عند علماء الحجاج ومنظِّريه[6]. فالبلاغة كما نصَّ على ذلك التوحيدي:
تحقُّ الحقَّ وتبطل الباطل على ما يجب أن يكون الأمر عليه، ثم تحقيق الباطل وإبطال الحقِّ لأغراض تأتلف، وأمور لا تخلو أحوال هذه الدنيا منها من خير وشر وإباء وإذعان وعدل وعدول وكفر وإيمان[7].
ومن هنا كان المتكلم "لا يعدُّ في المجادلين الحذاق حتى يكون، بحسن بديهته وجودة عارضته وحلاوة منطقه، قادرًا على تصوير الحقِّ في صورة الباطل، والباطل في صورة الحقِّ"[8]. صحيح أن الحقَّ في المطلق واحد ولكنه في تجلياته العملية نسبي، وفي هذا المستوى تظهر الحاجة إلى "البلاغة" سياسة في القول مخصوصة، قادرة على قلب الحقِّ إلى باطل والباطل إلى حقٍّ[9].
ومن الواضح أن الحقائق لا تنقلب في أعيانها ولكن في صورها اقتدارًا من البليغ وتمهُّرًا في فنون القول وسحر البيان، فكما أن السحر لا يغير من الواقع شيئًا وإنما الساحر يجري التغيير في عقول المستمعين، كذلك البليغ يستطيع بما يصطنع من إفصاح بالحجَّة ومبالغة في وضوح الدلالة من بلوغ أعلى مراتب التأثير العقلي والعاطفي في متلقيه، بما يكفل تحصيل المتكلِّم لمطلوبه في تكييف عاطفة السامع وتعديل اعتقاده على نحو يستجيب لمقاصده ومراميه.
المتفاعلات الإيديولوجية في البلاغة العربية:
إذا كنا نستخلص مما سبق تلازم "الإيديولوجي" و"البلاغي" فإن ذلك يدفعنا إلى التساؤل عن حال البلاغة في السياق العربي: هل ارتهنت هي الأخرى إلى المقصدية الإيديولوجية في تشييد الأنساق الناظمة لمشاريعها البلاغية المعتبرة؟ أم أن النظام البلاغي العربي بلور تصوراته بمعزل عن التأثيرات الإيديولوجية المختلفة؟
يحيل متصور "البلاغة" في السياق العربي على الإبانة والإبلاغ: الإبانة عن النفس وإبلاغ الرأي والمعتقد، لكن "البليغ"، كما تحدد في نظامنا النقدي والبلاغي القديم، ليس من برع في الإعراب عما في خاطره، أو أحسن "الترجمة" عن نفسه فحسب، ولكن "البليغ" حقًا من جمع، إلى ذلك، مقدرة على استمالة متلقيه، وإقناع مخاطبيه بالأهداف والمقاصد التي إليها قصد من إنشاء خطابه، مما أطلق عليه في المدوِّنة البلاغية القديمة "سياسة البلاغة" التي هي أصعب من "البلاغة" فيما يروي الجاحظ عن سهل بن هارون[10].
لقد أسلمنا نظرنا في الموروث البلاغي العربي - في حدود فهمنا وطاقتنا - إلى تسجيل ملحظ لا يخلو من أهمية مؤدَّاه هيمنة المقصدية الإيديولوجية على هذا الموروث. وهي هيمنة يمكن تلمُّس بعض مظاهرها في مستويين: يتصل الأول بـ"بنية الخطاب" ويخصُّ الطريقة المعتمدة عند علمائنا القدامى في بسط المشاغل البلاغية التي استأثرت باهتمامهم. أما الثاني فمتعلِّق بـ "فحوى الخطاب" ويهمُّ القضايا التي استأثرت باهتمام علماء البلاغة العربية المعتبرين.
إن فحص "بنية" الخطاب البلاغي العربي باعتبار "نسق المفاهيم" و"نسق الغايات" يكشف عن خطاب إيديولوجي صريح من طوابعه توجه سجالي يحاور الخصوم متحديًا، ويقيم الحجة ويطلبها، بما يجعل الخطاب البلاغي – في المحصلة - بنية حجاجية إيديولوجية عمادها الدفاع عن ملفوظ إزاء ملفوظات أخرى. لكن فصل البلاغة العربية عن أنظمة التفكير التي حاطت نشأتها أفضى إلى تغييب الملمح الإيديولوجي الذي وسم تشغيل المقولات البلاغية في السياق العربي. يقول محمد مفتاح:
بقيت البلاغة العربية في الدراسات القديمة والحديثة مفصولة عن النظام الفكري الذي نشأت فيه وترعرعت، فهي وثيقة الصلة بالمنطق والأصول والنحو وعلم الكلام. وعدم مراعاة التفاعل بين هذه الفروع المعرفية عاق المصلحين أن يكتشفوا الآليات العميقة التي تحكم النشاط الاستدلالي اللغوي القائمة عليها تلك الفروع[11].
يترتَّب عن التسليم بأن نشأة البيان العربي كانت في أصلها "كلامية"[12] نتيجة هامة مؤدَّاها أن
فهم أو تفسير العملية البيانية لابد أن يستند إلى هذه النشأة، ولذلك فإن حاجة الفهم أو الإصلاح أو التجديد تضطرُّ إلى التحقيق في مسائل كلامية وأصولية؟، ويترتب عن هذه الملاحظة المهمة أن حديث بعض الأدباء مفصولاً "يصبح أبتر ناقصًا لأن مناقشته [البيان العربي] الأولى كلامية[13].
فمن المعروف لعموم الدارسين أن العلوم المختلفة المكونة لدوحة البلاغة العربية الشريفة، (والعلوم العربية عمومًا)، إنما نشأت وتخلقت استجابة لغاية سامية هي التدبُّر في هندسة العبارة القرآنية "البليغة"، لاستجلاء مظاهر "الإعجاز" فيها. ومن هذه القضية، الإيديولوجية في أصل منشأها، والمتخذة كساء معرفيًا في العرض والمناولة، تناسلت معظم الإشكالات الثقافية والحضارية التي شغلت العقل العربي "البياني"[14] طويلاً، فالتركيز على قضية الشعر الجاهلي إثباتًا ونفيًا، إنما كان باعتباره شاهدًا على "الإعجاز" – السراب الذي جرى خلفه الأشاعرة وتخفَّف منه بعض المعتزلة لقولهم بالصرفة، ولم تكن قضايا مثل اللفظ والمعنى والفصاحة والبلاغة غير ستار بلوري يحجب صراعات سياسية حزبية، أو كلامية فلسفية مكتمنة لتناقضات وتعارضات بين المشتغلين في الحقل البلاغي - وكلهم صاحب نحلة أو منافح عن مذهب - حول فهم العالم وتفسير قضاياه. وفي ذلك ترجيح للفرضية القائلة إن الخطاب البلاغي العربي كان "ملكية مشاعة" بين المشتغلين بالحقل الثقافي العربي الإسلامي بشكل عام. وقد هيمنت عليه – لذلك - المقصدية الإيديولوجية، وهي الفرضية التي بها نأخذ وعنها نصدر فيما نستقبل من مباحث، انطلاقًا من تصور يرى أن "ما يسمَّى إيديولوجيا هو شكل من أشكال البلاغة"[15].
نسق المفاهيم:
ننطلق في هذا المطلب من افتراض منهجي مؤدَّاه أن "شبكة المفاهيم" المكوِّنة لجديلة البلاغة لا تنبثق من فراغ ولكنها تنشأ وتتخلَّق متشابكة مع المنظومات الفكرية والمشاريع الثقافية التي تتجادل معها سلبًا أو إيجابًا، فلا أحد ينفي أن البلاغة في التقليد الغربي إنما تحدَّرت من أصول قضائية وفلسفية بدءًا بالسفسطائيين وأفلاطون وصولاً إلى أرسطو. والأمر نفسه ينسحب على البلاغة في السياق العربي حيث تشكَّلت المشاريع البلاغية الكبرى متشابكة مع الإشكالات المعرفية والثقافية التي كانت تعتمل في قلب المجتمع العربي في الأدب والدين والسياسة والاجتماع.
من مشكاة المفاهيم البلاغية التي لم تقطع مع المنابت الإيديولوجية التي حفَّت إنتاجها وتلقيها:
البيان، البديع، الفصاحة:
إذا نظرنا في الخطاب البلاغي العربي من زاوية المفاهيم البلاغية التي بلور وجدناها تنتظم في نسق أكبر تحكمه مقصدية إيديولوجية واضحة، فليس ثمَّة شك في أن اختيار المفاهيم وتشغيلها مرتهنان – بالضرورة - إلى مقاصد إنتاج الخطاب وشروط بنائه، كما أن هذه المقاصد ذاتها ليست مفصولة عن الإشكالات التي تسود المجتمع في مرحلة محددة من تاريخه السياسي والثقافي، فتخترق من ثم خطابات معرفية شتى بما فيها الخطاب البلاغي الذي تفاعلت داخله – في السياق العربي - المفاهيم والمقاصد بطريقة جدلية وفق منظور ابستيمي، تهيمن عليه قضايا كبرى ثلاثة هي قضية التدوين وقضية إعجاز القرآن ثم قضية القدامة والحداثة.
فقد ارتبط مفهوم "البيان" بالصراع بين أصحاب الملل والنحل الذي كان محتدمًا في دار الإسلام الأمر الذي ولَّد حاجة ملحَّة إلى تملُّك أدوات الحجاج للإقناع بالمطالب المذهبية كما يمكن أن نستبين من كتاب البيان والتبيين للجاحظ الذي لم يكن مجرد أديب وناقد وإنما كان قبل هذا وبعده "متكلِّمًا"، والمتكلِّم، بما هو صاحب مقالة ورئيس نحلة، لا يعنيه الجانب الفني والجمالي في الخطاب بقدر ما تعنيه فعالية الخطاب ونجاعته؛ أي الجوانب الاستدلالية في العملية البيانية، ومن هنا كان "البيان"، عند الجاحظ، منظورًا إليه من زاوية وظيفته العملية والإنجازية؛ أي القدرة على التأثير في السامع لتعديل موقفه أو سلوكه من خلال المزاوجة في الخطاب بين الصنعة اللفظية والحجَّة العقلية.
إن عناية الجاحظ بـ "البيان" نابعة من عنايته بوظيفية الخطاب ونجاعته، حيث المدار على الغايات والمقاصد التي يرسمها المتكلِّم لخطابه، وهو فهم يسلمنا إلى أن حرص الجاحظ على "البيان" مرتهن إلى الوظيفة العملية والإنجازية التي ينيطها بالعملية البيانية ككلٍّ، حيث "المتكلِّم" عنده ناهض بوظيفة "بيانية" و"تبيينية" بطريق كشف قناع المعنى وتوضيحه للسامع، ومن أجل أن يتحقق "البيان" (= الإفهام) ينيط الجاحظ بالسامع وظيفة "التبين" (=الفهم) التي تقتضيه التأمل في المعنى من أجل تفهمه، وهو جهد يجعل السامع شريكًا للمتكلم في الفضل، إذ بدونه لا تتحقق "المقاصد" التي يهفو إليها المتكلم، ولذلك أولى الجاحظ عناية خاصة للمستمع – المخاطب الذي أصبح محددًا أساسًا في العملية البيانية،
لأن مدار الأمر على البيان والتبيين، وعلى الإفهام والتفهم، وكلما كان اللسان أبين كان أحمد، كما أنه كلما كان القلب أشد استبانة كان أحمد، والمُفهم لك والمُتفهم عنك شريكان في الفضل[16].
إن البيان عند الجاحظ منظورًا إليه من زاوية وظيفته "الكلامية" هو "سلطة" تقدر "المتكلِّم" على التأثير في السامع لإيقاع التصديق وتحقيق المقاصد، ذلك أن
مدار الأمر والغاية التي إليها يجري القائل والسامع إنما هو الفهم والإفهام، فبأي شيء بلغت الإفهام، وأوضحت عن المعنى، فذلك هو البيان في ذلك الموضع[17].

إضافة تعليق