البلاغة والإيديولوجيا...بحث في العلاقة الملتبسة بين المعرفة البلاغية والمطالب الإيديولوجية (الجزء الثالث)

القدامة والحداثة:لم تكن قضية الإعجاز الوجه الإيديولوجي الأوحد للخطاب البلاغي العربي.إذ نجد مشاغل أخرى في نظامنا البلاغي اصطبغت بالصبغة الإيديولوجية معلنة حينًا ومضمرة أخرى، وفي مقدمة هذه المشاغل تأتي قضية القدامة والحداثة. يقول عبد الله بن المعتز في مقدمة كتابه البديع:قد قدمنا في أبواب كتابنا هذا بعض ما وجدنا في القرآن واللغة وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلام الصحابة والأعراب وغيرهم، وأشعار المتقدمين من الكلام الذي سمَّاه المحدثون البديع، ليعلم أن بشارًا ومسلمًا وأبا نواس ومن تقيَّلهم وسلك سبيلهم لم يسبقوا إلى هذا الفنِّ ولكنه كثر في أشعارهم فعرف في زمانهم حتى سمي بهذا الاسم، فأعرب عنه ودلَّ عليه، ثم إن حبيب بن أوس الطائي من بعدهم شغف به حتى غلب عليه، وتفرع فيه وأكثر منه، فأحسن في بعض ذلك وأساء في بعض، وتلك عقبى الإفراط وثمرة الإسراف[37].

ويقول أبو هلال العسكري في "الصناعتين:

فهذه أنواع البديع التي ادَّعى من لا روِّية له، ولا رواية عنده أن المحدثين ابتكروها، وأن القدماء لم يعرفوها، وذلك لما أراد أن يفخم أمر المحدثين[38].

يثير هذان الشاهدان، كما لا يخفى على من شدا شيئًا من علوم البلاغة العربية، قضية حجاجية كبرى متصلة بالصراع بين أنصار القديم وأنصار المحدث، وهي قضية لا يمكن تجاهل خلفياتها الإيديولوجية، فهي إن اتخذت – في مستوى المعلن - صورة الصراع بين القدماء والمحدثين، فقد كانت تحجب – في مستوى المضمر - تعارضات إيديولوجية تمثلت في الصراع الطاحن بين الموالي والعرب أحيانًا، وبين تيار التقليد والتجديد في المجتمع العربي أحيانًا أخرى، بما يفيد أن الموجه الأساس لهذه المشاغل البلاغية إنما كان الداعي الإيديولوجي، وليس الهاجس النقدي أو البلاغي، فقد كان الاختلاف حول قيم الحداثة والتقليد خاصة وسمت شتى قطاعات المعرفة الشائعة في دار الإسلام في هذه المرحلة التاريخية من فلسفة ودين وشعر ونقد، لأن القضية مرتبطة – في أساسها - بتحول اجتماعي وحضاري فرض على الأطراف المتصارعة اتخاذ موقف محدد، معلن أو مضمر، إزاء القضايا الحاسمة والمصيرية التي كانت تواجه "الأمة". وقد كان بدهيًا أن ترتهن المواقف - في هذه الحال - إلى الزاوية الإيديولوجية. ومن هنا ألفينا ابن المعتز يستقصي فنون البديع إلى جانب الشعر في القرآن واللغة وأحاديث الرسول (ص) وكلام الصحابة والأعراب رغم إحساسه بأن صور البديع خاصة بالشعر كما صرح في كتابه البديع موضوع لفنون من الشعر يذكرها الشعراء ونقاد المتأدبين منهم فأما العلماء باللغة والشعر القديم فلا يعرفون هذا الاسم[39].

إن بحث ابن المعتز عن "أصول" لفن البديع و"جذور" في التربة المحلية للتراث البياني العربي الخالص، إنما يجد تفسيره في السياقات التي كان كتاب ابن المعتز يشتبك معها في حومة الصراع الاجتماعي والاعتقادي، الذي بلغ ذروته في القرن الثالث للهجرة. وهي سياقات تصل الجانب الاجتماعي للشعوبية، بالجانب الاعتقادي للزنادقة من الأدباء المحدثين. ولعل هذا أن يفسر لنا تلك النزعة الدفاعية والتبريرية التي وسمت كتاب ابن المعتز. لقد أصبحت جدة البديع قرينة لـ "شبهة" الاتصال الفكري والأدبي بثقافة "الآخر" غير العربي، الذي يحاول فرض أنموذج حياتي من منظور اجتماعي شعوبي. وهو ما جعل البديع الذي ارتبط بـ"الموالي" قرينة انقطاع عن المتصل الديني والأدبي، ومن هنا وجدنا الجاحظ يعلن، في حماسة دفاعه عن "العروبة"، أن "البديع مقصور على العرب ومن أجله فاقت لغتهم كل لغة، وأربت على كل لسان"[40].

إن هذه النبرة الدفاعية عن العروبة واشية بالمقصدية الإيديولوجية التي وسمت الخطاب البلاغي العربي، الذي لم يستطع فصل متصوَّراته البلاغية عن المقاصد الإيديولوجية كما أكَّد محمد النويري الذي انتهى في خاتمة أطروحته عن "علم الكلام والنظرية البلاغية عند العرب" إلى تبيُّن عمق العلاقة القائمة بين النسقين: الكلامي والبلاغي. يقول:

... لقد أمكن لنا أن نتبين إلى أي حد كانت المفاهيم البلاغية وأنحاء إجرائها محملة بهواجس العقيدة، فهي التي توجه الفكرة وترسم آفاقها حتى بدا لنا أحيانًا أن القاعدة البلاغية لم تنشأ إلا بغية فكِّ الإشكال العقدي[41].

حدود التأويل: مغامرة العقل وضوابط النقل:

إذا كان السنَّة والاعتزال قد توافقوا على اصطناع "التأويل" أداة لتوضيح "المشكل" وتفسير "المتشابه"، فإنهم تباينوا بعد في "المحتكمات" التي وجهت التأويل عند كل فريق، فقد احتكم المعتزلة إلى الدليل العقلي في تأول ما أشكل من الآي[42]. أما السنة فكان احتكامهم، في الأعمِّ الأغلب، إلى الدليل النقلي، حيث حملوا النصوص على ظاهرها ودعموا تأويلاتهم بالمرويات المأثورة. وهو ما جعل فهمهم للقرآن أقرب لوجدان المسلم العادي من التأويلات "المتعقِّلة" التي أنتجها أصحاب الاعتزال، لأنها "أجدت على الحاسة الدينية أكثر مما أغنى التأويل المجازي الحاد عند العقليين"[43].

وإن كان تدقيق النظر في هذه المسألة يسلِّمنا إلى أن المنهجية التأويلية عند الفريقين مرتهنة إلى نفس الضوابط والأصول، وإن اختلفت السبل بالفريقين بعد، فقد تحدد "التأويل" في الثقافة العربية الإسلامية ضرورة عملية يفرضها تطور الواقع وتعدد المجتمعات الإسلامية واختلافها. وهو وضع استتبع فتح النصِّ أمام "فعل القراءة"، بما يفيد التسليم بداهة بتعدد القراءات التي يمكن أن تتعاقب على النصِّ تبعًا للكفايات التي يتملكها "المؤوِّل" والمقاصد التي يوجه إليها تأويله. يقول محمد النويري:

إن متشابه القرآن ومشكل الحديث كانا من الأسباب التي حملت المتكلمين من مختلف الفرق على أن يجدوا مخرجًا يخلص المقالة العقدية من المزالق التي يمكن أن تسقط فيها، فكان "المجاز" الإطار النظري والمنهج العملي الكفيل بأن يجنِّب المعتقد هوى الإشراك والتشبيه والتجسيد. وهكذا أصبح القول بالمجاز بالنسبة إلى المعتزلة والسنَّة على حد سواء جزءا من الإيمان وخطوة في طريق النجاة[44].

وإذا كان التأويل عند أهل السنَّة مستندًا إلى "النقل" وعند المعتزلة خاضعًا لـ"العقل" فإن الممارسة التأويلية، في الحالين، "استنباط" يعتمد "الدراية" أو "الرأي" ما دام النشاط التأويلي عودة إلى أصل الشيء لاكتشاف دلالته ومغزاه. إذ "حقيقة قولنا "أوَّلت وتأوَّلت" أنك تطلب. والمآل المرجع"[45]. إن التأويل، في المحصلة، سواء اعتمد "الرواية" أو "الدراية" حركة ذهنية موجهة بالعقل والرأي، إذ "يظل عقل القارئ أو المؤوِّل ذا دور أساسي في حركة التأويل"[46].

وإذن، لا غنى عن التفكر وإعمال الذهن في كل نشاط تأويلي بحثًا عن التعليلات والتخريجات في المواضع "المشكلة" حتى وإن اعتمد الرواية والنقل، وعلى هذا الصعيد تلتقي الممارسة التأويلية التي كان ينهج المعتزلة بتلك التي كان يترسم خصومهم من السنَّة.

لعل من طريف النتائج التي يمكن للباحث أن يستصفي من إمعان النظر في المدونتين السنِّية (نموذج ابن قتيبة) والمعتزلية (نموذج الجاحظ) ارتهانهما، رغم اتصال الخصومة بين صاحبيها، وهنا المفارقة، إلى نفس المبادئ الموجهة للتفكير والنظر: الحدُّ من سلطة العقل مقابل سلطة النصِّ الذي يكتمن في هذا السياق دلالات سيميائية موسعة (نصُّ الدين والأدب والطبيعة والمجتمع).

فإذا كان ابن قتيبة الفقيه السني موسومًا بـ"المحافظة" و"التقليد" لصدوره عن عقلية "نقلية" معتصمة بنصوص تعكف عليها تدبرًا وتأويلاً للاستدلال بها على حكمة الصانع واستخلاص "رسائله" إلى الخلق كما يمكن نستبين من "قراءة" ابن قتيبة للمتن المجازي في القرآن العظيم والحديث الشريف، القراءة التي بسطها في كتابيه تأويل مشكل القرآن وتأويل مختلف الحديث المثقلين بهموم اعتقادية واضحة. حيث يبدو ابن قتيبة في الكتابين معًا جانحًا إلى حمل النصِّ الديني على الظاهر إذ يجوز المعنى الحرفي عادلاً عن تفصيل القول فيه: "ونحن نسلم للحديث ونحمل الكتاب على ظاهره"[47]. فإن اجتهادات خصيمه الجاحظ المفكر المعتزلي الأشهر لم تكن بعيدة، كما قد يتوهم، عن هذه الطريقة في التفكير، وإن كان من اختلاف بين الممارستين السنِّية والاعتزالية فهو ضئيل لا يمسُّ جوهر الفكر ومبادئه المرسمة، عند الفريقين، أصولاً في النظر والتفكير. إذ "من المعلوم الثابت، كما استخلص فرج بن رمضان، أن عقلانية الجاحظ إيمانية دينية من جهة، بيانية بالمعنى الجاحظي نفسه للبيان من جهة أخرى، وأنها بحكم هذه الصفة وتلك فإنها [...] حدت من مجالات تدخل العقل وطرائق اشتغاله في شتى مجالات الفكر الديني والسياسي والاجتماعي وغيرها، ومن ثم فإن العقل الذي أريد له على أن يكون مرجعًا وحكمًا [...] محكوم بمرجعية هي: الحق الذي أمر الله تعالى به ورغب فيه وحثَّ عليه، وبفعل هذه المرجعية نفسها، وبحكم ما حدَّت للعقل من حدود وما وضعت له من أدوار، اختزل العقل في مجرد كونها أداة للاستدلال والحجاج دفاعًا وهجومًا، في طلب هدف استراتيجي واضح: تبيين الحقيقة المسلم بها مسبقًا من طريق الإيمان، عبر الافتنان في قراءة شتى العلامات والآيات وشتى النصوص، وخاصة منها نصُّ الدين ونصُّ الطبيعة (الحيوان) ونصُّ المجتمع الإنساني"[48].

لقد تم اختزال العقل في الممارسة الاعتزالية إلى مجرد "أداة" تقرأ النصَّ الديني وغير الديني قراءة بيانية لتبين "الحكمة" وتبيينها، لأن الحقيقة محددة سلفًا ومعلومة مسبقًا. وهو وضع اقتضى أن ينحصر دور العقل في الدلالة عليها والحجاج دونها[49]. وعلى هذا الصعيد يلتقي التصوُّر الاعتزالي بتصوُّر خصومهم من السنة حيث العقل، بهذا الفهم، لا يختلف عن الفهم السنِّي عن "اللفظ" الذي يوصل إلى المعنى إلا في الدرجة، ما دامت الحقيقة معلومة، في الممارستين السنِّية والاعتزالية مسبقًا ومسلَّمًا بها سلفًا، فهي ثاوية في "النصِّ" بمعناه السيميائي الواسع، وليس العقل سوى وسيلة من وسائل عدة (مثل اللفظ) يمكن من القبض على "المعنى" والدلالة على "الحكمة" عبر إخراجهما من الغيب إلى الشهادة ومن الغياب إلى الحضور.

إن عقلانية الجاحظ لما كانت إيمانية دينية وبيانية، كما نبَّه فرج بن رمضان، فقد شكَّل هذا الملمح في تفكيره باعثًا لتقارب جلي بين أطروحاته الاعتزالية ومقررات أهل السنة النازعة إلى النقل والتقليد. ذلك أن المعرفة ليست نتاج التعقل وإعمال النظر، كما زعم الجاحظ، ولكنها، عند التحقيق، أداة لنصرة الدين ودعم المذهب ما دام المعنى، عنده، موجودًا ومحددًا سلفًا، ودور العقل، في هذا الحال، لا يزيد عن استبانة "الحكمة" تأكيدًا للشرع وتعضيدًا للعقيدة، وبذلك "يكون الجاحظ قد استند إلى الشرع في استخلاص المعرفة وفوقه على العقل من حيث أراد تفويق العقل عليه"[50]. وإذن، المدلولات محددة سلفًا ومفضية إلى نفس المعنى: إظهار "الحكمة". فماذا يبقى للمفكر سنِّيًا كان أو معتزليًا؟

لا نظن أن يبقى له، والحال ما وصفنا، سوى تسخير "العقل" لاستخلاص "الحكمة" واستنباط "المعرفة" المتجسدتين في: توحيد المدلولات تحقيقًا لـ"المعنى الأكبر" (الاستدلال على حكمة الخالق). وهو معنى جاهز ومحدد ومعلوم سلفًا.

إن كلا الذهنيتين، السنية والاعتزالية، ذهنية دينية، في الأساس، إيمانية وبيانية وجهتها، وإن تفرقت السبل، واحدة: عقلنة الكون باستنباط "الحكمة" اعتمادًا على الشرع (النقل)، وليس "العقل" سوى "أداة" وظيفتها الأساس استخلاص "المعنى" وتحقيق "الدلالة" بما يظهر "الحكمة" ويجنِّب العالم "اللا معنى".

يتحصل مما تقدم أن السنة والمعتزلة ملتقيان، رغم اتصال الخصومة، في العقيدة والمنهج: كلاهما معتقد في الكون مجلى لـ"الحكمة" وموضعًا لـ"الاستبانة"، ولا سبيل إلى تحصيل ذلك ما لم تتساند المعرفة الشرعية والمعرفة العقلية بما يفيد ارتفاع التعارض الظاهري بين العقل والنقل - الثنائية الشهيرة في تاريخ الفكر الإسلامي. لأن التكليف الشرعي والتكليف العقلي ينتهيان، في المحصلة، إلى نفس النتيجة كما نفطن إلى ذلك نصر حامد أبو زيد عندما قرَّر أنه:

إذا كان [...] أهل السنة والجماعة يخالفون المعتزلة والفلاسفة في الترتيب المعرفي فيقدمون النقل على العقل، ويقدمون التكليف الشرعي على التكليف العقلي، فإن هذا الخلاف رغم أهميته من حيث مغزاه الاجتماعي والفكري لم يؤدِّ إلى تغاير في نظرة الجميع إلى اللغة، التي هي أساس التكليف الشرعي وأداته، بوصفها نظامًا دالاً في النسق المعرفي يرتبط بغيره من الأنظمة الدالَّة ولا ينفصل عنها، هكذا أكَّد المعتزلة الحاجة إلى الشرع على أساس أن الشريعة تشير إلى "مقدرات الأحكام ومؤقتات الطاعات التي لا يتطرق إليها عقل ولا يهتدي إليها فكر" (الشهرستاني، الملل والنحل 1/81) ولا تعارض في النهاية بين العقل والنقل، أو بين المعرفة العقلية والمعرفة الشرعية، إذ ليس في القرآن إلا ما يوافق العقل[51].

نستطيع أن نستخلص مما سلف أن "البلاغة" ارتبطت في نشأتها بالصراع بين الفرق الكلامية والأحزاب السياسية. فاصطبغت، لذلك، بألوان أيديولوجية ظاهرة كان من نتائجه ما حدث في الثقافة العربية من وصل بين دلالة البلاغة والإقناع، حتى غدا "فن الإقناع" حدًا لها وعلامة عليها، نتيجة بدهية لارتباطها بالجدل السياسي والاعتقادي. ومن هنا نظر للبلاغة بوصفها فعالية حجاجية وإقناعية يقتدر بها على تحقيق المقاصد فأنيطت بها، من ثم، وظائف أيديولوجية تتصل بإيقاع التصديق في نفوس المتقبلين ابتداء وحملهم، استتباعًا، على الاستجابة للمقاصد التي يصدر عنها منجزو الخطاب. يوكِّد ذلك ويدعمه التلازم المشهود بين "البلاغة" و"السلطة"، فالعلاقة بين السيطرة سياسية أو دينية وفن البلاغة ثابتة معلومة منذ القدم، حيث البلاغة كافلة الإقناع. وإذا تحقق الإقناع أمكن التحكم في المخاطب وتوجيهه وفق إرادة "البليغ". لكن متى تتحول البلاغة إلى إيديولوجيا؟

تصبح "البلاغة" إيديولوجيا عندما تتحول إلى أداة لخدمة غرض أو تحقيق مقصد فتسقط، بذلك، في "التبرير الإيديولوجي". ويتخذ التحوُّل من "البلاغي" إلى "الأيديولوجي" صورًا عدة جميعها متَّصل بمنطق التبرير من أجل حيازة "السلطة" مادية كانت أو رمزية. ويحدث ذلك عندما يلوذ أصحاب السلطة والسلطان بسحر البلاغة من أجل المحافظة على الوضع القائم بطريق الترويج للأفكار السائدة، التي تقدم للمتقبلين بوصفها أفكارًا شمولية وشبه كونية، فتغدو المصالح الخاصة لفئة اجتماعية مسيطرة، وهي أقلية، مصالح عامة. كما يمكن لـ"البلاغة" أن تتلبَّس أردية إيديولوجية عندما يسخِّرها تيار فكري، أو جماعة دينية لخدمة أغراض مذهبية بما يبرر مشروعيتها ويسوِّغ سيطرتها الفكرية أو الاعتقادية. وإذن، ترتبط "البلاغة" بالإيديولوجيا عندما تنـزع إلى التبرير الذي يرافق كل سلطة. ومن هنا كان التلازم بين "البلاغة" والسلطة سمة ثابتة في مختلف المحطات التي مرَّ بها هذا العلم العتيق، سواء في التقليد العربي أو غيره من التقاليد البلاغية العريقة (اليونان والرومان)، كما يوضح ذلك ويجليه تاريخ الأفكار من وجهة نظر سوسيولوجيا الثقافة التي تبرز، فيما يستخلص بول ريكور، أن

كلَّ المجتمعات بدون استثناء تعمل بواسطة معايير وقواعد، وشبكة من الرموز الاجتماعية، التي تصنع بدورها بلاغتها وتلتمس بيانها من الخطاب (السياسي) العمومي. وبالفعل كيف يتمكَّن هذا الخطاب من تحقيق هدفه، من إقناع الأفراد والتأثير فيهم؟ إن ذلك يتم بواسطة الاستعمال الدائم لمختلف أشكال التعبير المجازي كالاستعارة والنقد الساخر والإيهام والمفارقة والمبالغة. وهي ذاتها الأشكال الأسلوبية السائدة داخل النقد الأدبي والمعهودة في بلاغة الخطابة اليونانية والرومانية القديمة[52].

إضافة تعليق

15 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.