البير كامو: فرنسا، الجزائر، والسياق الاستعماري بقلم: إدوارد سعيد ترجمة: سعيد بوخليط (الجزء الثاني)

أذهب حد قول، بأنه إذا كانت أشهر روايات كامو تحتوي وتلخص، من نواحي كثيرة، ودون تسوية، مفترضة خطابا فرنسيا قويا حول الجزائر المنتمية إلى لغة المواقف والمرجعيات الجغرافية الامبريالية الفرنسية، فإن ذلك يجعل عمله أكثر أهمية، وليس العكس. رصانة أسلوبه، ثم المعضلات الأخلاقية المقلقة التي كشف عنها، والأقدار الذاتية المؤلمة لشخصياته، التي طرحها على قدر من الذكاء والسخرية المضبوطة، كل ذلك تغذى من تاريخ الهيمنة الفرنسية على الجزائر، ثم بعثه من جديد، بدقة متقنة مع غياب مثير للمؤاخذات أو كذلك منطق الرأفة.
مرة أخرى،يلزم أن تنتعش العلاقة بين الجغرافية والصراع السياسي، عند الموضع المناسب، أو في الروايات، مٌتَسَتِّرا عليها كامو ببنية فوقية، وصفها سارتر بثناء، موضحا أن ذلك يغمرنا ب: “مناخ العبث”.سواء مع رواية الغريب أو الطاعون، فقد انصبتا على أموات عرب،يسلطون الضوء ثم يغذون في صمت مشكلات الوعي وكذا تأملات عند شخصيات فرنسية.
البلديات، النظام القضائي، المستشفيات، المطاعم، الأندية، فضاءات الترفيه،المدارس،وكل بنية المجتمع المدني،التي يتم تقديمها بكثير من الحيوية، تظل فرنسية،مع أنها تدبر أمور ساكنة غير فرنسية.تجانس ما يكتبه كامو حول هذا الموضوع ثم مضمون الكتب المدرسية،يعتبر أمرا لافتا للنظر.تحكي رواياته وقصصه،آثار انتصار تحقق على حساب ساكنة مسلمة، مسالمة لكنها تتعرض للإبادة،بحيث انتهكت حقوقها في امتلاك الأرض لتضييق شديد.هكذا، يؤكد كامو على الأولوية الفرنسية ويوطدها،دون أن يدين الحرب التي شُنَّت لأزيد من قرن تقريبا ضدا سيادة مسلمين الجزائريين،أو تبرِّئه من ذلك .
في مركز المواجهة،يبرز الصراع المسلح،حيث يمثل الماريشال توماس روبير بيجو والأمير عبد القادر عنصريه الكبيرين الأولين.الأول عسكري شرس أظهر قسوته البطريركية نحو أهل البلد،منذ سنة 1836،في إطار مجهود توخى تطويعهم ثم انتهى بعد عشر سنوات إلى سياسة للإبادة وكذا تملكهم العنيف.بينما الثاني، صوفي متزهد محارب لا يتعب،لا يسأم من سعيه إلى إعادة تجميع وتشكيل وتعبئة أتباعه ضد محتل أكثر قوة وحداثة.
حينما نقرأ وثائق الحقبة – رسائل، بلاغات، وكذا برقيات بيجو(جمعت وصدرت تقريبا خلال نفس حقبة ظهور رواية الغريب)،أو طبع قصائد عبد القادر الصوفية، أو إعادة البناء المدهشة لسيكولوجيا الاجتياح من طرف مصطفى الأشرف،أحد قادة جبهة التحرير الجزائرية وأستاذ في الجامعة بعد الاستقلال،انطلاقا من جرائد ورسائل فرنسية سنوات(1830-1840)- سنلاحظ الدينامية التي حتمت لدى كامو التقليل من شأن الوجود العربي.
تقطِّر روايات وقصص كامو بدقة كبيرة التقاليد،اللغات والاستراتجيات الاستدلالية للتملُّك الفرنسي للجزائر،ثم منحت تعبيرها الأخير الأكثر تهذيبا، إلى :”بنية المشاعر”تلك الضخمة.لكن،من أجل إبراز هذه الأخيرة،ينبغي اعتبار عمل كامو بمثابة تحول للمأزق الاستعماري،يحدث في العاصمة: إنه المستوطن الذي يكتب من أجل جمهور فرنسي،ثم يرتبط نهائيا تاريخه الشخصي بهذه المقاطعة الفرنسية المنتمية إلى الجنوب،أما الذي يحدث ضمن كل إطار آخر،فيبقى غامضا.
لكن احتفالات الاقتران بالإقليم – المحتفل بها من طرف مورسو(رواية الغريب) في الجزائر،ومن لدن تارو وريو المحتجزين داخل أسوار وهران(رواية الطاعون)- تحثُّ القارئ بشكل مفارق للتساؤل حول ضرورة هذه التأكيدات المتكررة. حينما يستحضر عنف الماضي الفرنسي سهوا، تصبح حينئذ تلك الطقوس مكثفة جدا إلى أقصى حد،احتفالات تذكارية عن بقاء مجموعة دون منظور يقود إلى وجهة معينة.
مأزق مورسو أكثر جذرية مقارنة بالآخرين.لأنه،حتى ولو فرضنا بأن هذه المحكمة التي بدت خاطئة تواصل الوجود(فضاء مثير من أجل الحكم على فرنسي قاتل لعربي،يشير أوبريان على نحو صائب).أدرك مورسو نفسه بأن كل شيء انتهى أخيرا،هكذا تجلى الانفراج من خلال التبجح :((كنت صائبا،ولازلت كذلك،بل أنا محق دائما.لقد عشت بهذه الكيفية ولا يمكنني أن أحيا على نحو ثان . قمت بهذا ولم أفعل شيئا آخر. لم أبادر إلى فعل هذا الشيء ثم فعلت شيئا ثانيا.لكن ماذا بعد؟كنت كما لو أني انتظرت على امتداد الوقت إطلالة صغيرة للفجر حتى تتم تبرئتي)).
ينتفي هنا أي اختيار أو بديل.طريق الشفقة مسدود.يجسد المستوطن في الوقت نفسه المجهود البشري الواقعي جدا الذي ساهمت فيه جماعته ثم الرفض الذي يشلّ الحركة بالتخلي عن نظام غير عادل بنيويا. الوعي الذاتي الانتحاري لدى مورسو، ثم قوته، وكذا صراعاته،معطيات لا يمكنها أن تتأتى سوى من هذا التاريخ وتلك المجموعة.في نهاية المطاف،أقر بوضعه كما هو،واستوعب أيضا لماذا أمه،القابعة داخل ملجأ للعجزة،قررت أن تتزوج ثانية :((لقد راهنت على البدء من جديد…مع أن موعد موتها اقترب كثيرا،فقد ألزمت نفسها كي تشعر بحريتها وأنها مستعدة كي تعيش كل شيء من جديد)).لقد صنعنا هنا ماقمنا به، فلنفعله ثانية. يتحول هذا الإصرار البارد والتراجيدي إلى قدرة إنسانية على معاودة التجربة دون كلل.تعبر رواية الغريب،بالنسبة إلى قراء كامو،عن البعد الكوني لإنسانية حرة وجوديا،تتعارض مع فلسفة رواقية متغطرسة غير مكترثة بالوجود وكذا قسوة البشر.
إعادة نص الغريب إلى الحلقة الجغرافية حيث نشأ مساره السردي،يعني أن نرى في هذه الرواية شكلا تطهيريا للتجربة التاريخية. تماما مثل أعمال وكذا وضعية جورج أورويل في انجلترا،فإن أسلوب كامو الواضح ثم وصفه البسيط للأوضاع المجتمعية،يخفيان تناقضات عن تعقد مريع،وتغدو مستعصية على الحل،مثل عدد من تلك الانتقادات،فإننا نجعل من وفائه للجزائر الفرنسية رمزا للوضع البشري.أيضا،شَكَّل ذلك أساس شهرته الاجتماعية والأدبية.
مع ذلك،لم يتوقف مسار آخر عن الوجود،أكثر صعوبة وتحريضا،يتعلق ب:محاكمة،ثم رفض الحجز الإقليمي وكذا السيادة السياسية لفرنسا،والتي تحول دون توجيه نظرة متسامحة نحو القومية الجزائرية.ضمن هذه الشروط،من الواضح أن حدود كامو كانت مزعجة،وغير مقبولة.
مقارنة مع الأدب المقاوِم للاستعمار خلال تلك الحقبة،سواء بالفرنسية أو العربية- جيرمان تيليون،كاتب ياسين،فرانز فانون،جان جنيه – فقد تميزت نصوص كامو بحيوية سلبية،حيث بلور زخم التراجيدية البشرية للمشروع الاستعماري،آخر توضيح كبير له قبل التواري.هكذا يصدر عنه شعور بالتورط والكآبة لم نستوعبهما بعد تماما،ولم نعمل ثانية على إعادة طرحهما 

إضافة تعليق

10 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.