التراويح والفوانيس والمسحراتية.. معالم يزهو بها رمضان

صلاة التراويح أكثر ما يميز الشهر الفضيل يتفرد شهر رمضان عن باقي الشهور بعطاياه وهباته الروحية وطقوسه اليومية، فضلاً عن الطاعة والغفران في لياليه الجميلة، وإحياءها بالذكر والعبادة. من هذه الطقوس صلاة التراويح التي لا تؤدى إلا فيه، والسحور الذي يرخي بركته على الصائمين، والفوانيس التي اشتهرت عبر التاريخ في حواضر العالم الإسلامي وأضاءت لياليه الزاهرة، ومظاهر أخرى كثيرة تجعل للشهر الفضيل نكهة خاصة وتميزه عن باقي شهور السنة وتعلي من شأنه لدى كل مسلم.

 

 

يؤدي الصائمون المصلون في المساجد كافة نافلةً كريمةً هي صلاة التراويح عقب صلاة العشاء في كل يوم من أيام رمضان الفضيل.

وسميت التراويح بهذا الاسم عند ابن منظور في لسان العرب: «لاستراحة القوم بعد كل أربع ركعات؛ وفي الحديث صلاة التراويح؛ لأنّهم كانوا يستريحون بين كلّ تسليمتين. والتراويح: جمع تَرْوِيْحَة، وهي المرّة الواحدة من الراحة، تَفْعِيلَة منها مثل تسليمة من السّلام». وهي عند الزمخشري في أساس البلاغة: «… مَنْ يروِّح بالناس في مسجدكم: يصلي بهم التراويح، وقد روّحت بهم ترويحاً. وأرحته من التعب فاستراح». والتراويح جمع ترويحة، وتجمع على ترويحات، وسميت كل أربع ركعات ترويحة مجازاً، لما في آخرها من الترويحة، ونقول: «روحت بالناس» أي صليت بهم التراويح.

وقد أدى المسلمون صلاة الترويح بقلوب عمرتها بشاشة الإيمان فصلوها جماعات ووحدانا ومضى الحال منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وصدر من خلافة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فعن السيدة عائشة أم المؤمنين رضيّ الله عنها قالت: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خرج ليلة من جوف الليل، فصلّى في المسجد، وصلّى رجال بصلاته، فأصبح الناس، فتحدثوا، فاجتمع أكثر منهم، فصلّوا معه. فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله؛ حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر، أقبل على الناس فتشهد، ثم قال: «أمّا بعدُ فإنّه لم يخف عليَّ مكانكم، ولكن خَشِيتُ أن تُفرَض عليكم فتعجزوا». وروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «إنّ أفضل النوافل ركعتان يصليهما المسلم في زاوية بيته لا يعلمهما إلا الله وحده». وقال أيضاً: «فضل صلاة المتطوع في بيته على صلاة المتطوع في المسجد كفضل الصلاة المكتوبة في المسجد على صلاته في البيت». وقال الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في فضل صلاة التراويح: أوّل الليل أفضل.


السحور

يستيقظ الصائمون في هزيع الليل المتأخر طيلة أيام رمضان لتناول طعام السَّحور، كي يسدوا رمقهم لأداء صيام يوم جديد. فالسَّحور في لغة العرب هو: طعام السَحَر وشرابه، وما يتسَّحر به الصائمون من طعام أو شراب.

يقول ابن الأثير: السَّحور اسم ما يتسَّحر به من الطعام والشراب، ونقول في كلامنا: تَسَحَرَّ بمعنى أكل السَّحور. والسَّحور المصدر والفعل نفسه.

وقال الأزهري : «السَّحور ما يتسَّحر به وقت السَحَر من طعام أو لبنٍ أو سُويق». والسحر: الكبد وسواد القلب، ونواصيه، وقيل بل هو القلب.

والسَحُور كالوُضُوء والسُعُوط ونحوهما: اسمٌ لما يُؤْكَل وقت السَحَر، أو ما يتسحر به من طعام وشراب. والسُحور: فعل الصائم نفسه أي تناوله السَّحور وتَسّحر: أكل السَّحور، والسَحَر ما بين الفجر الصادق والكاذب، لأنَّ له وجهاً من النهار، ووجهاً في الليل، فلا يسمى سحوراً إلاّ ما كان في ذلك الوقت، فالسَّحور طعام السَحْرِ وشرابه. والسِحْر هو البيان والوضوح في فطنة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنّ من البيان لسحرا».

وورد في حديث السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قولها: «مات رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سِحري ونَحري». فالسِحر: الرئة، أي مات عليه الصلاة والسلام وهو مستند إلى صدرها بما يحاذيه. وقد حثّ صلى الله عليه وسلم الصائمين على السحور لما فيه من البركة بقوله الكريم: «تسحروا فإن في السحور بركة».

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان لرسول الله مؤذنان بلال وابن أم مكتوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم». قال ولم يكن بينهما إلاّ أن ينزل هذا ويرقى هذا. وورد في حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فعل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحور».

والفطور والسحور كلمتان تذكران طيلة أيام رمضان المبارك، إذ هما موعد بدء الإفطار والإمساك عن تناول الطعام قبيل صلاة الفجر بعد أن يستيقظ الصائمون في آخر الليل ليسدوا به رمقهم لليوم التالي من صيامهم.

التسحير والمسحراتيّة

يُعد القوما من الفنون السبعة الشعريّة عند أهل العراق والجزيرة. وكان الفن موسمياً رمضانياً أريد به إحياء لياليه حتى السحور وإنّ النساء كُنّ يشاركن في قوله، وكانت عملية التسحير بالشعر والغناء والدعاء نوبة أو دوراً يجري على فرقة المُسَحِرين واحداً واحداً لكنّ ختامها يكون بالقوما. وكان ابن نقطة من مُسَحِري شهر رمضان في العصر العباسي، إذ كان يوقظ الخليفة الناصر لدين الله في بغداد، وكان ينادي في تسحيره بأشعار القوما قائلاً: قوما تسحر قوما. فلما مات ابن نقطة ذهب ابنه، وكان له صوت جميل ووقف تحت قصر الخليفة الناصر لدين الله ثم أنشد بصوت مرتفع:

 

يا سيد السادات لك في الكرم آيات أنا ابن أبو نقطة تعيش أبويا مات

فأعجب الخليفة الناصر لدين الله بسلامة ذوقه، ولطف إشارته، وحسن بيانه مع إيجازه، فأحضره وخلع عليه ورتب له ضعف ما كان لوالده.

ولم يقتصر التسحير على الرجال إذ عملت في هذه الحِرفة الرمضانية بعض النساء ،وقد أنشأ الشيخ زين الدين بن الوردي في إحدى المُسَحِرات في ليالي رمضان قائلاً:

عَجِبْتُ في رَمضانٍ مِنْ مُسَحَّرَةٍ

بَديعةِالحُسْنِ إلاّ أنّها ابتَدَعَتْ

قامَتْ تُسَحّرُنا لَيْلاً فَقُلْتُ لَها: كيفَ السَّحورُ وهذي الشَّمْسُ قَدْ طَلَعَتْ وتشير أغلب الروايات إلى اهتمام الولاة والحكام بهذا التقليد الجميل، إذ يُعد عنتبة ابن اسحق ( ت 238هـ) والي مِصْر، أول من صاح بالتسحير في طرقاتها. إذ كان يخرج بنفسه ويسير على قدميه من مدينة العسكر بالفسطاط إلى جامع عمرو بن العاص وكان ينادي في طريقة للسحور. كما تنوعت طرق وأساليب المسحرين في إيقاظ الصائمين النائمين، إذ كان التسحير في غير الجوامع يتم بوساطة الطبلة المعروفة لدينا الآن، يطوف بها أصحاب الأرباع وغيرهم على البيوت، ويضربون عليها، فيما كان أهل الإسكندرية واليمن وبعض أهل المغرب يسحرون بدق الأبواب على أصحاب البيوت، وينادون عليهم: قوموا كلوا، ويسحر أهل الشام بدق الطار أو الدف كما يعرف اليوم، وضرب الشبابة والعزف على العيدان والطنابير والصفافير وغناء بعض الأشعار والأهازيج الداعية إلى التسحير. وكان المغاربة يضربون بالنفير (البوق) على المنارة، ويكررونه سبع مرات، ثم يضربون بعده بالأبواق سبعاً أو خمساً، فإذا انتهوا حُرِّم على الصائمين تناول طعام السحور.

الفانوس

يرجح الباحثون بأنّ فكرة فانوس السحور كأحد مظاهرها التقليدية والمنتشرة في مدن الإسلام قد ظهرت أولا في مكة المكرمة وفي المدينة المنورة، ومنها انتشر الفانوس سريعا إلى كل الأقطار الإسلامية. وأشار الرحالة العربي ابن جبير إلى فانوس رمضان في مكة المكرمة، عند زيارته لها في شهر رمضان للعام 578 هجرية، إذ كتب: «بأن التسحير خلال شهر رمضان كان يتم من خلال المئذنة التي في الركن الشرقي للمسجد الحرام وذلك بسبب قربها من دار شريف مكة، فيقوم المؤذن الزمزمي بأعلاها وقت السحور داعياً ومذكراً على السحور ومعه أخَوانِ صغيران يجاوبانه». وأضاف ابن جبير عن الفانوس: «ونظرا لترامي الدور بعيداً عن الحرم المكي حيث يصعب وصول صوت المؤذن كانت تنصب في أعلى المئذنة خشبة طويلة في رأسها عمود كالذراع وفي طرفيه بكرتان صغيرتان يرفع عليهما قنديلان من الزجاج كبيران لا يزالان يوقدان مدة التسحير، فإذا قرب تبين خط الفجر ووقع الإيذان بالقطع مرة بعد مرة، حط المؤذن المذكور القنديلين من أعلى الخشبة وبدأ المؤذنون من كل ناحية بالأذان. وعندما يرى أهل مكة من سطوح ديارهم المرتفعة أنّ القنديلين قد أُطْفِئَا علموا أنّ الوقت قد انقطع».

هورنيكا.. والتسحير

وصف الرحالة الغربيون عادات وتقاليد شهر رمضان ومنهم الرحالة سنوك هورنيكا الذي وصف السحور في مكة المكرمة قائلاً: «بعد منتصف الليل بحوالي نصف ساعة وطوال أيام السنة يعتلي المؤذنون منارات الحرم السبع ويقومون.. ولمدة ساعتين بالتذكير» والتسحير الذي تكون أجزاء منه بالشعر وأخرى بالنثر المسجوع ثم ينهون ذلك بالأذان الأول للصلاة.. وبعد نصف ساعة من هذا الأذان يلقون بنبرات رنانة بالإنذار الأخير.. حتى لا تفاجئ خيوط الفجر الأولى الصائمين .. وهنا تتردد في أسماعهم صيغ كثيرة منها قولهم: أيها النُوّام قوموا للفلاح… وبعدها يسير المُسحرون في الشوارع وهم يقرعون طبولهم أمام كل منزل كبير حاثين ساكنيه بالصيغة التقليدية على الاستيقاظ من النوم: ويأتون في يوم العيد إلى أصحاب هذه المنازل كل على ظهر جحش ويتسلمون هدايا نقدية من بعضهم وعينية كبعض الحبوب من بعضهم الآخر. ويعطيهم الكثيرون هدية الإفطار (زكاة الفطر أو الفطرة) وهي كمية محدودة من وجبة مجهزة من دقيق القمح». وأضاف: إثر ذلك يمهد الترحيم لمدة عشر دقائق للأذان ويؤدي هذا الترحيم طوال أيام السنة وهو مثل التذكير، والترحيم التضرع إلى رحمة الله: «الصلاة يا عباد الله ، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحمد وله الملك يُحيي ويميت وهو حي لا يموت أبدا إليه المصير وهو على كل شيء قدير أفلحَ من يقول: لا إله إلا الله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله».

صناعة الفوانيس

مازالت بعض مدن العرب والمسلمين تحتفي بعادات وطقوس ليالي الصوم الكريم عبر الأيام الماضيات، حتى يكاد الواحد منا يتخيل احتفاء الأطفال بفوانيسهم وهم يطوّفون في الأزقة والأحياء لترديد الأغاني الرمضانية المتوارثة، ويسيرون جماعات باتجاه أشعة الفوانيس المُوقدة والتي يضمحل وهجها وسناها مع نور المصابيح الكهربائية الحديثة المنتشرة في كل أرجاء العالم.

 

ويعدّ فانوس رمضان ابتكاراً عرفه المسلمون نتيجة تباعد الأحياء عن المسجد الجامع، فإذا بعد الصوت من المنائر للتسحير، فإنّ الضوء الذي يشع من فانوس السحور ويعلق بأعالي المآذن هو الطريقة المثلى لإيقاظ الصائمين ودعوتهم للسحور ومن ثم إمساكهم عن الطعام، إذ كان الفانوس يضاء منذ دخول صلاة المغرب وقت الإفطار ويبقى حتى قبيل أذان الفجر عند الإمساك، فإذا ما أنزل الفانوس من المآذن فإنّ الصائمين يعرفون أن الصيام ليوم رمضاني جديد قد بدأ. وعلى الرغم من اقتحام التقنية الحديثة لكل مناحي الحياة عندنا، فقد ظل- الفانوس- بملامحه وتكوينه والاحتفاء الشعبي به محافظاً على خصوصيته وتأثيره الجمالي في عموم الصائمين صغاراً وكباراً. وتشهد الأسواق التقليدية في عدد من العواصم والمدن العربية حركة دؤوبة تتمثل في التفنن في تجهيز وصناعة نماذج متنوعة من هذا الفانوس، وإذا عدنا إلى الوراء قليلاً عرفنا بأن حكاية فانوس رمضان قد بدأت متزامنة مع دخول الخليفة المعز لدين الله الفاطمي إلى مصر، ففي اليوم السادس من شهر رمضان من عام 362هـ، استقبله الناس ليلاً على مشارف صحراء مدينة الجيزة وهم يحملون بأيديهم الفوانيس المزدانة لينيروا له الطريق حتى وصل إلى مقر الخلافة الذي أعدّه قائد جيوشه جوهر الصقلي، وما لبث الأطفال والصبية الذين حملوا الفوانيس مفتونين بنورها، أن سارعوا يغنون الأغاني الدينية في الشوارع والطرقات لِنَيْلِ الهدايا. ومن العادات التي ارتبطت بالفانوس آنذاك، تمثلت في عدم خروج المرأة ليلاً في شهر رمضان أو غيره من الشهور إلا ويتقدمها صبي يحمل في يده فانوساً مضاءً ليعلم المارة أن إحدى السيدات تسير كي يفسحوا لها الطريق. ووصف المقريزي في خططه سوق الشماعين الذي كان يمتد من جامع الأقمر إلى سوق الدجاجين في القاهرة، وكانت تعلق فيه الفوانيس المضاءة ليلا من مختلف الألوان البهيجة، وكانت مشاهدته في الليل من الأشياء المحببة للصائمين. ووصف المقريزي فانوس رمضان بقوله:»كان البعض منه يزن عشرة أرطال تقريبا، وكان البعض الأخر من الضخامة بحيث ينقل على محجل إذا وصل وزنه إلى قنطار. وكانت منطقة تحت الربع منذ القدم وحتى اليوم المركز الرئيسي لصناعة فوانيس رمضان بالقاهرة.

نشر في موقع: الاتحاد الاماراتية

2/9/2009

إضافة تعليق

2 + 13 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.