التربية …هذا المفهوم غير المفهوم!

التربية ظاهرة اجتماعية موجودة في كلّ المجتمعات على اختلاف الأمكنة والأزمنة. من أجل تعريفها لا بدّ من فهمها، ومن أجل ذلك لا بدّ من فهم طبيعتها ودورها. ولكن !!.. باختلاف المنظور الذي نُظر إليها منه، اختلفت رؤيتها ورؤية دورها وبالتالي تعريفها.
التربية مفهوم كثير التداول على الألسن وفي الكتابات، لا فرق أكانت دينية أم أخلاقية أم علمية ..ولكنّه مفهوم غير مفهوم. فجارنا أبو سعيد اللحّام يردّد أمام زبائنه الذين رأوه يضرب ابنه بقسوة " أنّه يفعل ذلك لأنّه يحرص على تربيته". وإذا ما تحاب شاب وصبيّة وتزوّجا فإنّهما سيصبحان بعد تسعة أشهر أو أكثر أو أقلّ من المربّين. وأنتَ إذا ما استهديتَ إلى تجارة التعليم وفتحتَ مدرسةً خاصّة، فإنّك ستصبح من المربّين الأفذاذ. أما إذا كنتَ من أصحاب الحظوة السياسية وعُيِّنتَ بقدرة قادر وزيراً للتربية، فإنّك بذلك تصبح المربّي الأول في البلد!
يقول عمانويل كانط: ثمّة إشكاليّتان أساسيّتان يحقّ للمرء أن يعدّهما من أصعب الأمور هما: حكم الناس وتربيتهم!! حاولنا الغوص في الإشكالية الثانية، واستنجدنا بالكتابات التي حاولت تعريف التربية، فأدركنا عندها السبب الذي حدا بكانط أن يسمّيها إشكالية …فالتعريفات تنوّعت واختلفت حتّى كاد المفهوم يظلّ غير مفهوم.
فالتربية بحسب الفيلسوف الإنجليزي ستيوارت ميل S.Mill هي " كلّ ما نقوم به بأنفسنا، وكلّ ما يقوم به لأجلنا الآخرون بهدف اقترابنا من كمال طبيعتنا"!! وهي بذلك تشمل التأثيرات المتأتّية من أمور شديدة الاختلاف كالقوانين والقيم ونُظم الحياة والظواهر الطبيعية والواقع الاجتماعي … صحيح أنّه تعريف شامل، ولكنّه يضمّ وقائع متنوّعة قد يؤدّي الأخذ بها جميعاً إلى التناقض: فتأثير الإنسان على الإنسان هو غير تأثير الأشياء على الإنسان !! وتأثير إنسانٍ على آخر يعاصره هو غير تأثير البالغين على الأطفال أو تأثير الموروث من القيم والعادات …
وذهب الفيلسوف الألماني كانط Kant إلى تعريف التربية بأهدافها فهي " تنمّي عند كلّ فرد أقصى ما يمكن له أن يبلغه من كمال" ولكنّه على ما يبدو قد عرّف الماء… بالماء !! فما هو الكمال؟ إنّه مفهوم نسبي يختلف باختلاف الأفراد. صحيح أنّه قد يعني النموّ المتوازن لكلّ القدرات الإنسانية، ولكنّ الوصول بالقوى الإنسانية إلى أعلى درجة يمكن بلوغها من دون أن تضرّ واحدتها بالأخريات أو تتأثر بها، ما هو إلّا مثال لا يمكن أن يعلوه مثال. فالنموّ المتوازن لا يمكن تحقيقه بشكلٍ مطلق، لأنّه يتعارض مع حتمية انصراف الإنسان إلى التخصّص. والتخصّص، وبالتالي التمايز، لا يمكن أن يقوم من دون حصول اختلالٍ في التوازن. وهكذا لا يمكن للجميع ، بل لا يجدر بهم أن يتّخذوا أسلوباً واحداً في الحياة، ففي ذلك تصبح صحّة الفرد، وكذلك التماسك الاجتماعي، في خطر.
هناك تعريف آخر للتربية أطلقه جيمس ميل J.Mill سُمّي التعريف النفعي ويذهب إلى القول إن "هدف التربية هو تحويل الفرد إلى وسيلة قادرة على تأمين السعادة لنفسه ولأقرانه"؛ ولكنّنا وبسرعة ننتبه إلى أنّ مفهوم السعادة، هو كمفهوم الكمال، مفهوم نسبي، فنتساءل: ما هي السعادة؟ وما هو جوهرها؟ إن سعادة العامل هي غير سعادة ربّ العمل، وسعادة صاحب الثروة هي غير سعادة الفقير، وسعادة الأمّي غير سعادة المتعلّم، وما يُسعِد الطفل هو غير ما يُسعِد البالغ. فالسعادة أمرٌ نسبيّ يتعلّق بموقع الفرد الاجتماعي ..إنها بجوهرها وبالتأكيد أمرٌ ذاتيّ جداً يقدّره كلٌّ منّا على طريقته. وبالتالي نسأل هل من الممكن فهم التربية انطلاقاً من تحديدها بمفهومٍ فرديّ غير محدَّد؟!
حاول سبنسرH.Spencer أن يسدّ هذه الثغرة ، فسارع إلى القول بأنّ " شروط السعادة هي شروط الحياة نفسها. فالسعادة الكاملة هي الحياة الكاملة". ولكن ! ماذا نعني بمفهوم الحياة، وعن أيّ حياة يتكلّم؟ أهي الحياة العقلية أم المادية أم الانفعالية؟ إنّنا نطلب من الحياة أكثر من مجرّد العمل المنتظم لأعضاء جسدنا. إنّ ذهناً منفتحاً ومثقّفاً يفضّل عدم الحياة على التخلّي عن السعادة التي يوفّرها الذكاء. إنّ معيار الحياة يختلف إلى درجة كبيرة وفقاً لشروط الزمان والمكان. وحدود الكمال لا تتغيّر فقط بين فرد وآخر، بل هي تتغيّر أيضاً عند الفرد نفسه. فما كنّا نرضى به البارحة يبدو لنا اليوم أقلّ من أن يحقّق كرامة الإنسان كما نفهمها.
واختلفت العلوم الإنسانية هي الأخرى في تعريفها للتربية. فها هو علم النفس يحاول تعريفها ويحدّدها بأنّها "السعي إلى النماء الكامل والشامل للشخصية البشرية". صحيح أنّ هذا التعريف قد انتبه إلى أنّ التربية تتناول كلّ أبعاد الشخصية البشرية: الجسدية والعقلية والانفعالية والاجتماعية، وأنه احترم الخصائص الموروثة عند النامي البشري، إلّا أنه وقع في نسبية الكمال الذي يختلف باختلاف الموروث من جهة، وباختلاف المعاش من جهة أخرى.
أمّا علم الاقتصاد، فيذهب إلى القول بأنّ التربية هي "السعي إلى تحويل الإنسان إلى طاقة منتِجة وفاعلة في مجتمعه"!! ولكن …هل نسي الجهابذة أصحاب هذا التعريف أواليات التربية في تعميق الفروقات الفردية والاجتماعية وترسيخها من خلال أساليب التقويم والعلامات وما تنتجه من رسوبٍ وتسرّب، وبالتالي إعادة إنتاج الفروقات الاجتماعية… بل وشرعنة هذه الفروقات؟!
في علم الاجتماع يطالعنا تعريف قديم نسبياً يرى في التربية عملية نقلٍ للتراث الثقافي من جيل إلى جيل من أجل حفظه واستعماله وتطويره. وهو تعريف يبدو للوهلة الأولى صالحاً لفهم تلك الظاهرة الاجتماعية: التربية. ففي كلّ مجتمع نرى المؤسّسات التربوية على اختلافها (العائلة، المدرسة، المؤسّسات الدينية، الإعلام، المؤسّسات الاجتماعية …) تعمل على نقل التراث الثقافي من الجيل الحافظ لهذا التراث إلى الأجيال الفتيّة من أجل العمل على حفظه والاستفادة منه في الاستعمال، والعمل على تطويره …ولكن! ألم ننتبه إلى أنّ مجتمعاً ما لا ينقل كامل التراث الثقافي، بل هو يخضعه للاختيار والانتقاء بما يتوافق ومصالح الفئات المقرِّرة الناقلة ، فتعمل على حجب ما تريد وعلى نقل ما ترغب ساعيةً إلى تشكيل الأفراد الجدد وفق أنماط سلوكية وعقلية واجتماعية محدَّدة سلفاً ومعلَّبة بدقّة؟!
هذا الأمر يؤكّده دوركهايمE.Durkheim عندما سعى إلى تعريف التربية فرأى أنّ هناك وهماً شائعاً هو وجود تربية مثالية كاملة تصلح لكلّ البشر. فاستقراء تاريخ الشعوب وتربياتها ومدى الاختلاف بينها، يدلّ على مدى هذا الوهم. فالتربية شديدة التنوّع والتغيّر في أساليبها وأهدافها تبعاً للزمان والمكان، والنظام التربوي الذي تفرضه السلطات الاجتماعية على أنواعها يتّسم بالعنف والقهر، ولا يمكننا كأفراد أن نعارضه من دون أن نتعرّض للعقاب. فمن العبث أن نعتقد أنّنا نربّي أبناءنا كما نشاء! فالتربية ليست من صنع الأفراد بل هي صنيعة النظام الاجتماعي. وهو يصل أخيراً إلى القول بأنّنا لكي نفهم التربية علينا أن نتساءل عن أهدافها. هل يمكن أن نقول ببداهة إنها تساعد على تنشِئة الولد؟ إنها ليست إجابة، بل إنّها طرحٌ للسؤال بشكل آخر: ما هي هذه التنشئة؟ وما هي أهدافها؟
حاولنا أن نستطلع بعض أفكار الفلاسفة الماديّين حول الموضوع ، وبخاصّة لويس ألتوسير L.Althousser . وبدل أن يُبدّد حيرتنا حول مفهوم التربية زادها عمقاً. فقد ذهب بعيداً عن كلّ ما سبق في تحديد مفهوم التربية، إذ رأى فيها أوالية اجتماعية يعتمدها النظام السياسي لإعادة إنتاج قوى الإنتاج (القوى العاملة بمختلف أنواعها: معارفها وقدراتها..) وإعادة إنتاج علاقات الإنتاج (القبول بالقوانين والقيم الاجتماعية المفروضة من قبل السلطات الاجتماعية والخضوع لها..) فالتربية برأيه أداة بيد السلطات الاجتماعية هدفها تشكيل الأفراد وفق نماذج وقوالب تتوافق واحتياجات تلك السلطات ورغباتها.
يبدو لنا أخيراً أن التربية ستظلّ ذلك المفهوم غير المفهوم. فهي جهازٌ لبثّ الإيديولوجيا التي هي نظامٌ من الأفكار والتمثّلات التي تسيطر على تفكير إنسان أو مجتمع، والتي هي تمثيلٌ للعلاقة الخياليّة القائمة بين الأفراد وظروف وجودهم الحقيقية. والإيديولوجيا توجَد دائماً في إطار جهاز( أو أجهزة ) يعدّها ويبثّها، لتتواجد بعدها في ممارسة المتلقّين لها. فأيّ سلوك يقوم به الفرد يتمّ إنتاجه له من جهة ومحاسبته عليه من جهة أخرى. ما تغرسه العائلة في النامي البشري من معلومات وقيم وأنواع سلوك، عليها أن تتوافق مع ما تكرّسه المدرسة من أفكار وقيم وما تفرضه بواسطة سلطة الامتحانات القهرية. وهكذا يبدو أن التربية تدّعي أنها تعمل على إنتاج الإنسان الحرّ، من أجل أن يُخضِع نفسه، وبحرّية، لأوامر الذات والآخرين، وليقبَل، وبحرّية، عملية استعباده!! كلّ الناس يخضعون لتربية معيّنة، وما ذلك إلّا لجعلهم فاعلين بواسطة استعبادهم ومن أجل استعبادهم.
ولكن !!…هل يستطيع الإنسان أن يعيش بحرّية وسعادة من دون تربية؟

إضافة تعليق