الترجمة في الوطن العربي..ووهم العصر الذهبي ؟!

كل معالجة لحال ومآل الترجمة في الوطن العربي لا تستقيم دون الاعتماد على معطيات إحصائية، وتقييمات نوعية تخص الكم والكيف معا.والحال أن ما تقدمه منظمة رصينة، مثل اليونسكو عن حصيلة الترجمة في مختلف الأقطار العربية لا ترقى إلى المأمول.بالتأكيد هناك بلدان ترسخت لديها تقاليد في العمل الترجمي،وأخرى ما تزال تشق طريقها،لكن السؤال الشاخص دوما هو سؤال الجودة بالدرجة الأولى، وتليه أسئلة الوسائل والمستلزمات التقنية والغايات والتوجهات الفنية ثم سؤال الأخلاقيات.
لقد عاشت الترجمة في الوطن العربي على وهم "عصر ذهبي" وصل فيه هذا النشاط أوجه في العصر العباسي وأحسن تجلياته هو بيت الحكمة؛والحال أن هذه الفترة الذهبية المزعومة تتردد في الكثير من الأوساط التعليمية، بل وحتى المختصة،بيد أن المكتبة العربية تكاد لا تضم بين رفوفها مؤلفات تناولت هذه الفترة بالدراسة والتمحيص والتدقيق،في ما يشبه أركيولوجيا الترجمة عندنا.
ليس لدينا إذن حفريات،ما نتوفر عليه ليس سوى أصداء،نسمعها في كتب التاريخ والأدب،تشير بكثير من التعظيم،الأقرب إلى التبجيل،إلى أسماء بعينها،مثل حنين بن إسحاق ومتى بن يونس القنائي، وإلى هفوات ومزالق وتحريفات المترجمين الأوائل بخصوص مفاهيم مؤسسة، كما حصل مع مصطلحي التراجيديا والكوميديا. على أن الثابت في هذه الفترة هو أن الترجمة كانت عنوان ازدهار الأمة وتقدمها على باقي الأمم، أسدت دورا لأوروبا في التعرف على الإرث اليوناني، وإن كان عبر السريانية! وهذه المسألة فيها نظر بالطبع، حيث إن الأمم المغلوبة كثيرا ما تكون مدعوة لترجمة فكر وأدب وثقافة وتقنية الأمم الغالبة، وهذه المعادلة هي التي حكمت، وما تزال، علاقتنا "نحن" بهذا "الآخر"، وهذه حقيقة لا مراء فيها، سواء في الزمن الماضي القريب أو في عصرنا الحالي، إذ إن ما نترجمه اليوم، على قلته، هو من لغات المستعمِر القديم، الغالب اليوم، اقتصاديا وسياسيا، وسواء كانت الترجمات بمبادرات فردية أو بدعم من مؤسسات رسمية أو مستقلة، فإن الترجمة إلى العربية هي السائدة والمحددة في كثير من الأحيان للتوجهات والاختيارات، سواء لدى الناشرين أو المؤسسات الداعمة، بيد أن الترجمة من العربية إلى لغات العالم تكاد تنعدم لدى الناشرين العرب، وإن وجدت، فهي منحصرة في بعض المعاهد والجامعات والمدارس لضرورات تعليمية محضة لا تتجاوزها إلى التداول الواسع، أو الذي يستهدف المجتمع، باستثناء ما يقوم به الكتاب بصفتهم أفراداً يرعون نصوصهم وينقلونها إلى لغات العالم، وما تقوم به بعض الجهات الغربية، من دور نشر تنقل بعض منتجاتنا العربية، من باب المجاملة، أو ترجمة التراث العربي القديم، أو ترجمة أسماء بارزة حصدت جوائز بعينها، مثل ترجمة أعمال نجيب محفوظ بعد تتويج الروائي المصري بنوبل للآداب. وفي كل الأحوال، فإن ما تترجمه هذه الدور أو المنظمات التابعة للدول، كما هو الشأن بالنسبة للفضاء الفرانكفوني، لا يرقى إلى ما يعادل، بل وحتى يقارب ترجماتنا العربية عن باقي لغات العالم، وذلك تأكيد لما ألمعنا إليه سابقا؛ أي جدلية الغالب والمغلوب.
إن الترجمة لا يمكن أن تزدهر، حتى ولو توفرت لها كل الإمكانيات، في مجتمع يعاني من الأمية بالدرجة الأولى، ثم من انعدام شهية القراءة، حتى لا نتحدث عن معدل المقروئية. الواقع أننا مجتمعات تستهلك الأطعمة والألبسة والسيارات والهواتف المحمولة، وكل ما تنتجه التقنيات العالية اليوم، إلا أننا نعاني من عسر هضم ما نقرؤه من صفحات جرائد قليلة، كثيرا ما نكتفي باقتنائها مجانا في فضاءات المقاهي العامة. إننا نبتلع الماكدونالد وأبناء عمومته، لكننا نفقد شهية القراءة، في جميع المجالات، وباللغات المتكلمة في بلداننا.
وفي هذا السياق، فإن كل نقد لواقع الترجمة، وتردي مستوياتها، هو ظلم لهذا القريب الفقير. فالمشكلة كما قالت العرب: "إذا عمت هانت!؟"، كل حديث عن مجتمع يقرأ الأعمال المترجمة لا يستقيم دون مجتمع قارئ، في البدء وفي الختم.
إن آفة فقدان شهية القراءة المستفحل، وهنا نخص بالطبع الشرائح المتعلمة، ليست هي المشكل الوحيد، بل هناك عوائق أخرى تجعل من الفعل الترجمي أشبه بالترف، حتى مع توفر النوايا الحسنة، إذ إن الترجمة ليست خيارا استراتيجيا في كل الأقطار العربية، ونخص بالتحديد وزارات التعليم والثقافة والوزارات ذات الصلة وفق التسميات المختلفة في هذه البلدان. صحيح أن هناك معاهد لتدريس الترجمة وفنونها، لكن ماذا قدمته تلك الأفواج المتعاقبة للمكتبات العربية، ما حجم المنجزات؟ بالتأكيد إن أعدادا كبيرة من المتخرجين حازت شهاداتها ودرجاتها العلمية، لكن قليلة هي الأسماء المبرزة التي تصدت للعمل العلمي والثقافي بمعناه الأوسع، بينما ذابت أعداد المتخرجين في مختلف أسلاك الوظيفة العمومية، أو الخاصة. فالترجمة كاختيار استراتيجي، نقصد من ورائها، ذاك المشروع الثقافي الشامل الذي يروم الارتقاء بالمجتمعات في شتى المجالات، العملية والعلمية الفكرية، والتقنية وغيرها، مقارنة مع بلاد عاشت تخلفا أشبه بما عشناه ونعيشه، أو أشد، ونقصد بها بلاد اليابان، فإن هذا العملاق الأسيوي لم يتوقف إلى اليوم عن ترجمة ما تنتجه باقي الأمم، هو الذي وصل إلى ما وصل إليه، بعدما مر من تخلف أملته إمبراطوريات تقليدانية منغلقة على مر تاريخها، أو بعد الحرب العالمية الثانية. من كان يتصور أن هذا الطائر المجروح، سوف ينهض من رماده، شأن طائر الرخ الأسطوري. اليابان ذاتها التي تترجم زهاء ثلاثين مليون صفحة في اليوم، والتي تدعم بسخاء مشاريع الترجمة والمترجمين، وتسهر على إغناء المطابع ودور النشر بالكتب المترجمة من وإلى اليابانية، في حركة دؤوبة لم تتوقف، وهي بهذه الصفة تقدم المثال الذي يجب أن يحتذى عربيا حتى نرقى ببلداننا حضاريا، ونجسر الهوة العميقة التي تفصلنا على نحو رهيب عن الدول القائدة للعالم.
لكن اليابان لم تكتف بالحلم بعصر زاهر، بل شمرت على ساعد الجد، بتوفير الوسائل المالية واللوجستية اللازمة، من معاهد ومدارس، وتقنيات عالية الدقة ترعى الترجمة الفورية للمستجدات العلمية من لغات العالم الحية الكثيرة، وعلى الأخص بوأت الترجمة مكانتها المستحقة؛ أي بوصفها قاطرة للتقدم العلمي والحضاري عموما، حينما اعتبرتها خيارا استراتيجيا ثابتا، لا يتغير بتغير الحكومات، ولا يكون عفو المناسبات.
إن المتأمل لأوضاعنا المالية في البلدان العربية، يقف عند العائق الأساس ألا وهو الدعم المالي الكافي للدفع بحركية الترجمة. أموال طائلة يتم هدرها لتلميع الصورة ولتسويق زيف الاستقرار والازدهار، والحال أن الترجمة أولى بتلك الأموال. تنقصنا المعاهد المتخصصة، من حيث العدد والعدة، نفتقد توفر المعطيات المعجماتية المخزنة، والأصح، المكدسة والمهملة في أقبية الأرشيفات، ومن هنا ضرورة تنزيل الكثير من توصيات الندوات والمؤتمرات إلى أرض الواقع، وذلك بوصل المجهوادات الفردية والمؤسساتية، بالإنفاق بسخاء على الترجمة تدريسا وتنظيرا، ونشرا، بوتيرة متصاعدة، لا تتوقف، من لغات العالم الحية وإليها.
في جميع المجالات، ولا تبقى الترجمة حكرا على أصناف إبداعية أو فكرية بعينها، أما ترجمة العلوم والتقنيات العالية، فهي التحدي الكبير الذي ينبغي أن يكون الشاغل اليومي للمؤسسات ذات الصلة.
والحاصل أن الترجمة، مرة أخرى، هي ذلك الجزء الذي لا ينفصل عن الكل. إذا كنا نقبع في آخر مراتب التنمية والديمقراطية عالميا، على سبيل المثال لا الحصر، فكيف نريد لترجمتنا أن تكون رائدة ومتقدمة. ومع ذلك، فهي تبقى من الركائز التي لا محيد عنها في التواصل والحوار مع باقي العالم بكل منجزاته وحداثته.
قد يتبادر إلى الذهن أننا نعيش، في الوطن العربي، صحوة الترجمة، أو حركية ترجمية غير مسبوقة، لكن في واقع الأمر، نحن بإزاء مجهودات منفصلة للنهوض بحال الترجمة، وهي مجهودات مشكورة تضطلع بها دور نشر وهيئات عربية، توزع على نطاق واسع، أو تلك التي تتوجه لأسواقها الداخلية فحسب، وتلك مشكلة أخرى لا داعي للتفصيل فيها. ومع الدور الظاهر الذي تقوم به هذه الدور، فإن بعض المسلكيات تجعل من المنجزات لا ترقى إلى المأمول، وذلك راجع بالأساس إلى التقتير حد الشح الذي تقابل به بعض تلك الدور مجهودات المترجمين، بدعاوى واهية، منها ضعف التوزيع وغلاء التكاليف، والحال أن هذه الدور تحقق عائدات مهمة، بينما لا تعامل المترجم العربي، مثلما هو الشأن في بقاع العالم الغربي. لذلك، مع انعدام المحفزات المادية، نكون أمام ترجمات آلية لا روح فيها، وكأن المترجم يرد على شح الناشر بشح في الجودة. إن هذه الإكراهات العملية تجد أثرا لها في ما نقرأ هنا وهناك، من ترجمات لا تعدو كونها نقلا من اليسار إلى اليمين لعلامات لغة مصدر إلى لغة هدف، أو تهيمن فيها اللغة المنقول منها بتراكيبها وصرفها ونحوها على اللغة العربية المنقول إليها، ونكون حينها بإزاء نصوص مشوهة، لا توصل معنى نسق المنقول منها، ولا تحترم مبنى المنقول إليها. وبالجملة، فإن سؤال الكيف والجودة يتجلى بكل قوته في الكثير من الترجمات التي توزعها دور النشر عربيا، هذا دون الحديث عن الترجمات الركيكة التي تزدحم بها صفحات الجرائد، وهي تعمم أخبار الوكالات العالمية وما جادت به من تحليلات؛ ينتصب سؤال الجودة إذن، وفق معايير تختلف باختلاف المدارس الترجمية واتجاهاتها، التي لا تخلو بدورها من تأثيرات مشرقية وأخرى استشراقية تارة، بين متعصب لنقاء العربية، ومنفتح على اللغات المنقول منها، طورا آخر، وبين من يرى إلى الترجمة في ما يصل اللغة الهدف ويغنيها من خلال التلاقح العبر لساني والتثاقف الجدلي الملازم لكل حوار ثقافي رصين وساطته الترجمة، لا يستكين إلى الانغلاق المتزمت ولا إلى الانفتاح اللامشروط بسياقاته التداولية، التي ترهن السيرورة الترجمية بمجموعة من القيود والإكراهات، والالتزامات اللغوية (المعجم، القاموس، إلخ)، والمعرفية والأخلاقية.
إن الجودة في ما يترجم، لا ترتبط بمستوى بعينه من مستويات الترجمة العديدة الكلية أو الجزئية، من نقل، وتعريب، وتقريب، وتصرف، وتحقيق، وتكييف وغيرها من مظاهر السيرورة الترجمية، وهيمنة هذا المظهر أو ذاك. إن الجودة هي تلك التي تراعي مبدأين أساسين في كل عملية ترجمية: مبدأ الدقة، ومبدأ الشمول. الدقة في استعمال اللفظ أو المصطلح أو العبارة المناسبة لسياق التلفظ وسياق التلقي، بما يضمن للترجمة دورها الأساسي في توصيل المعارف والأخبار، والملفوظات والخطابات بكل ما فيها من تضمينات، أو إشارات مباشرة أو غير مباشرة، بما فيها من حَرفية، ومجاز، واستناد إلى المعيار وخروج عنه. وذلك هو التحدي الحقيقي الذي يواجهه كل مترجم مدقق، إذ حينما ينقل نصا كيفما كان حجمه أو انتماؤه النوعي أو النمطي، فإنه لا ينقل مجرد علامات تكتب من اليسار إلى اليمين، تصبح مكتوبة من اليمين إلى اليسار. كلا، الترجمة الحقيقية هي التي تستوعب السياقات وتستنطق منظومات القيم، دينية أو فكرية، فلسفية، علمية وغيرها حسب نوع النص المترجَم؛ فالمترجم الجدير بهذه الصفة هو من يغوص إلى أعماق النص المصدر، ليقدمه إلى قارئ اللغة الهدف وكأنه (التشديد من عندنا مقصود) صِيغ أصلا في هذه اللغة؛ نقول "كأنه" إذ ليست هناك ترجمة خالصة مئة بالمئة، هناك دائما قدر من ذلك "الما لا ندري"، و"الذي يكاد يكون لا شيئا" وفق عبارة جانكلفيتش الشهيرة، هناك دائما شيء من اللسانين، يظل عالقا في النص المترجَم، لأن الأمر يتعلق بلقاء لسانين، بلسان لم يعد هو نفسه، وهو بالتأكيد ليس اللسان المصدر.
هذا الحيز البرزخي هو ما يغني اللغة الهدف، بتراكيب وصيغ صرفية ونحوية، وبأغراض وصور ومجازات جديدة. فكما أن لغتنا العربية تغتني جراء ذلك، فإن لغات العالم، تغتني هي الأخرى بلغتنا، بصورها ومجازاتها.
إن السعي إلى قول الشيء نفسه بلسان عربي، في الحالة التي تخصنا، يبقى هو المثال المأمول، إذ كلما سعى المترجم إلى درجة الكمال بأقصى ما استطاع إلى ذلك سبيلا، فإن الرابح بالطبع، سيكون هو القارئ العربي، واللغة العربية بلا ريب. هذا المسعى هو الفارق بين ترجمات تروم الإضافة النوعية وأخرى غايتها الكسب لا غير. وهذا مظهر من مظاهر أخلاقيات هذا النشاط، الذي قد يسميه البعض فناً، وهو عند البعض الآخر علم، على أن سمة العلمية لا تقصي الجوهر الفني لكل ترجمة، حتى لو كانت في مجال علمي شديد الدقة، أخلاقيات، وإن لم تكن مقيدة في مدونة أو أقنوم، فإنه من المتعارف عليه كون الترجمة السليمة هي التي لا تخون النص المصدر عن قصد، ولا تتصرف في النص الهدف بما يخدم غايات وأهداف هي أبعد عما تفرضه الأمانة العلمية.
قد يقول قائل، إن كل ترجمة خيانة، عملا بالقول الإيطالي المأثور، وإن كنا لا نتفق مع إطلاقية هذا الحكم، لأنه ينبني على وهم الترجمة الكاملة التي سبق أن قلنا بصددها أنها غير واردة في حالات النصوص، وإن كانت ممكنة في الملفوظات التواصلية الشفهية أو المكتوبة الوجيزة، أو تلك التي تروم الإخبار. إننا نستحضر هنا الترجمات التي تنصب على مؤلفات علمية أو فكرية أو أدبية تنتمي إلى مدار التواصل الثقافي، الذي يكون فيها للنص أدبيته، ووروده العلمي الذي يفرضه هذا الإبدال المعرفي أو ذاك. المقصود هنا إذن، بالأمانة العلمية تحري الدقة، والابتعاد عن كل أشكال الغموض، واللبس والتغريب. كما نعني الأمانة الأخلاقية، بما هي احترام للنص المصدر من حيث مستلزماته الخطابية، حسب مبادئ الكم، والكيف، والتضمين والاقتضاء وغيرها، وتقديم النص المترجم وفق مبدأ الشمول، أي بما احتوى عليه من عنوان رئيس وعناوين فرعية، بهوامشه وحواشيه، بإحالاته ومرجعياته، والحال أن الكثير من الترجمات لا تعير أي اهتمام لهذا المظهر الخارجي الصرف، أي ما يسمى عتبات النص، وكثيرة هي الترجمات التي تقدم كتابا معينا على أنه الترجمة العربية للكاتب الفلاني، بينما ليست في الحقيقة سوى ترجمة جزئية من الكتاب، وهذا العيب لا يغالط المتلقي فقط، بل يسيء إلى النص الأصلي وصاحبه، أذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر، كتابين كان لهما وقع في الساحة الثقافية العربية، بالنظر إلى أصحابها، وأعني بهما كتاب الفيلسوف التفكيكي الفرنسي الذائع الصيت جاك دريدا الموسوم بـ "الكتابة والاختلاف"؛ فالترجمة العربية لا تضم كل ما جاء في الفهرس من دراسات، والحالة الثانية تتمثل في دراسة واحدة هي: "الخطاب الروائي"، والتي صارت كتابا من ترجمة محمد برادة، وهي في الأصل دراسة مفردة من بين خمس دراسات ضمها كتاب ميخائيل باختين "جمالية الرواية ونظريتها"، وفي الحالتين معا، هناك اختزال غير مبرر لا من قبل الناشر ولا المترجم على السواء. فإذا كان التصرف طال دراسات من كتاب، فماذا يسع المرء قوله عن النصوص المفردة، التي لا تسلم من حذف وقلب، وتأويل، وتضليل، بذرائع تتعدد وتختلف وفق الأهواء، والمبررات الواهية، من قبيل ممارسة الرقابة على النص المترجَم وتشذيبه، بل وتهذيبه حسب الذوق والعرق والدين، والأيديولوجيا، والأمثلة كثيرة عن نصوص تتعرض لمقص الرقيب، إما لأن النص يحتوي على كلام بذيء من منظور المتلقي ومعاييره القيمية، الدينية والسياسية وغيرها، أو لعجز أمام صعوبات معجمية، نحوية، وبلاغية. لكن وسط هذا التخبط والإسفاف هناك مشاريع تعد بارقة أمل في المشهد الترجمي العربي تحاول تدارك التخلف، وجسر الهوة الحضارية التي تفصلنا عن باقي الأمم، وأخص بالذكر مشاريع رائدة تقدم الدعم المطلوب، من رعاية الندوات والمؤتمرات، والتصدي الفاعل لترجمة التراث العالمي، وعلى رأسها مشروع "كلمة"، المشروع الطموح الذي ترعاه هيئة أبوظبي للثقافة والتراث.

إضافة تعليق

2 + 16 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.