التطوير أو الضياع.. اقتراحات على المعرض

في كل دورة من دورات معرض بيروت العربي الدولي للكتاب تتكرر الأسطوانة نفسها، فيكيل كتّاب الصحف المدائح لهذا المعرض الذي ساهم في إنعاش الفضاء الثقافي العربي، ذات زمن، مع تفتح أزهار الحرية في العاصمة اللبنانية، ويرددون اغتباطهم باستمراره بلا انقطاع تقريباً، حتى في سني احتدام الحرب الأهلية في لبنان، أو في سنين لاحقة بقيت فيها بيروت مسكونة بالألغام والاغتيالات والتوتر الأمني. بينما يكرر آخرون نقدهم اللاذع للقيمين على المعرض، بسبب ما حصل من تخلفه عن المعارض العربية، وتراجع إمكانياته وبالتالي أنشطته الثقافية، حتى تحوّل في نظر البعض إلى سوق هزيلة للكتاب، تزداد فيه شكوى الناشرين والقراء معاً، وسط وضع اقتصادي خفف من القدرة الشرائية للقارئ اللبناني.

ربما كتب الكثير في توصيف المعرض، سلباً وإيجاباً، غير أن الأهم من ذلك كيف يمكن أن نقدم خطة في تطويره، قد تنفذ أو لا تنفذ، لكنها في أي حال ربما تشكل مساهمة لا بد منها لتنقل النقاش من الاستنقاع في التوصيف الذي تكرر كثيراً، إلى خطوات عملية قد تشكل مرتكزاً أو مساهمة في نقاش يرنو إلى تطوير المعرض. فأنا من الذين يكتبون عن المعرض ويتابعون أنشطته سنوياً منذ ثلاثين سنة على الأقل.

 

وقبل الكلام على التطوير لا بد من أن نرى السقف الذي وصلت إليه المعارض العربية والعالمية، لنرى موقعنا بالمقارنة بها، فإذا كان عميد المعارض يستقطب بحد اقصى 200 ناشر ومؤسسة، فإن معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ45، التي تفتتح في كانون الثاني المقبل، سوف يضم أكثر من 750 ناشراً من 25 دولة، بينها 17 دولة عربية، وثماني دول أجنبية، إلى جانب 22 مؤسسة ثقافية. وهذا في ظل ما تعانيه القاهرة من اضطرابات. ولا أريد أن أقارن بمعرض الشارقة في دورته الأخيرة الـ32 التي استقبل فيها حوالى 950 ناشراً من 90 دولة.

ولما كان معرضنا أضاف إلى صفته العربية صفة دولية، فيمكن أن نعرض على إحصائيات معرض فرانكفورت التي ترفع السقف أكثر، إذ يصل عدد المشاركين إلى 1700 ناشر من مئة دولة.

مع ذلك ليست العبرة في عدد الدور والدول المشاركة فقط، إنما، علاوة على طبيعة الأنشطة، العبرة في ما تنتجه الدولة من عناوين جديدة لقرائها. وإذا كان هذا لا يسجل نقصاً عندنا ولا علامة سلبية تحسب على القيمين على المعرض، النادي الثقافي العربي والناشرين، كونه يؤشر إلى المستوى الثقافي عموماً، غير أنه يشكل مادة المعرض وأحد الحوافز التي تجذب القراء للمشاركة فيه. وفي هذا المجال قد يعتقد المتابع أن لبنان من الدول القليلة الإنتاج بالمقارنة مع دول العالم، ودائماً يحكى مثلاً عن عظمة إسرائيل في هذا المجال، غير أن إحصائية نشرتها وزارة الخارجية الإسرائيلية تنص على أن «إسرائيل تصدر سنوياً نحو 7000 عنوان جديد من كتب ومجلات، أي عنوان لكل 1140 مواطناً. وإذا قورن ذلك بإيران، فإن عدد العناوين الجديدة الصادرة في إيران خلال سنة 2010 بلغ 65,000 عنوان، أي عنوان لكل 1230 مواطناً. أما في لبنان فيخرج إلى النور سنوياً زهاء 3000 عنوان جديد، أي واحد لكل 1350 مواطناً، فيما صدر في مصر سنة 2004، 7600 عنوان جديد، أي عنوان لكل 10,000 من المواطنين. وفي سوريا نشر في السنة ذاتها 1138 عنواناً، أي عنوان لكل 19,000 مواطن». على أن بريطانيا تأتي في قمة السلم فتنتج عنواناً لكل 308 مواطنين، مع ذلك فلبنان يبقى في درجة لا بأس بها من حيث إنتاج العناوين بين الدول النامية مثلاً. لكن ذلك لم ينعكس إيجاباً على مستوى المعرض، لا بيعاً ولا أنشطة ولا مشاركة تجعل الإقبال على مستوى شعبي واسع. ذلك أن لبنان ينتج ليصدر في الدرجة الأولى، وهذا شأن دول أخرى في الإحصائية الآنفة الذكر.

هذه المقارنات تضع معرضنا بحجمه الطبيعي في الفضاء العام للمعارض العربية والعالمية، لكن المقارنة ليست بعدد الدور والعناوين والمساحة التي يحتلها المعرض، إنما بما يرافق المعرض من أنشطة وتظاهرات من شأنها أن تجذب الجمهور، ليشكل المعرض قبلته السنوية.

تطوير الأنشطة

وإذا كان معرض فرانكفورت استقبل في دورته هذا العام 1500 كاتب من العالم، وأقام 3600 لقاء وندوة وتوقيعاً، فإننا لا نريد أن نقارن بمعرض ناف عمره على 500 سنة، غير أن الأنشطة التي تقام في غالبية المعارض العربية التسعة عشر تفوق بمستواها بكثير ما تقيمه عاصمة الثقافة العربية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، بيروت.

وقبل الكلام على الأنشطة وسواها، فإن ما نواجهه دائماً من قبل القيمين على المعرض عندما نعترض على ضعف الأنشطة هو الافتقار إلى التغطية المالية، لكن جمعيات كثيرة، وأصغر بكثير من النادي، في لبنان، من تلك التي لا تبتغي الربح، تحصل على أموال طائلة من مؤسسات ثقافية عالمية أو سفارات أو الاتحاد الأوروبي، بل إن العديد من المصارف اللبنانية والمؤسسات المالية تخصص مبالغ لدعم الأنشطة الثقافية، هذا فضلاً عن أن رعاية المعرض سنوياً من قبل رئاسة الحكومة اللبنانية، ويمكن أن يقابلها دعم مالي للمعرض. لهذا فإن همة النادي في التحرك ونيل شرف المحاولة أفضل من القعود على واقع الفقر، لأن ذلك سوف يزيد من ضعف المعرض، وبالتالي يمكن أن تقيم أي جهة لبنانية أخرى معرضاً يهمش معرض النادي الثقافي العربي، ويهرع الناشرون إليه.

لا نتحدث هنا عن الحاجة إلى أموال طائلة، إنما إلى مبالغ تسد الحاجة إلى تنشيط برنامج الأنشطة، لجهة القدرة على دعوة كتّاب عرب ومن العالم، يساهمون في خلق سجال ثقافي، أو على الأقل يشكلون أقطاب جذب للمثقفين والمهتمين، خصوصاً الأجيال الشابة.

في خطة تطوير المعرض يمكن اعتماد أنواع جديدة من الأنشطة، واقتراح ما يلي:

- تقديم شخصية ثقافية عربية أو أجنبية، في محور خاص، إذ تدور حول الشخصية مجموعة من الأنشطة، فيلماً وندوات ولقاءات مفتوحة معه، وقراءات في كتبه، ومثل هذا النشاط يمكن تمويله من سفارة الدولة التي ينتمي إليها المثقف، وفي أسوأ الأحوال يمكن اختصار التكلفة وتمويله من النادي.

- استضافة دولة كل سنة، مثلما يحدث في معظم معارض العالم (استضاف معرض فرانكفورت هذا العام البرازيل)، مع برنامج مكثف يُتفق عليه معها، لتقديم ثقافتها، بتنوعها، كتباً، وفولكلوراً، ومسرحاً، وأفلاماً، وموسيقى وتشكيلاً. ويكون لها حيز خاص ضمن خريطة المعرض.

- استمرار وجود حيز دائم لفلسطين في الأنشطة، على أن يقدم الوجه المشرق لا الكئيب للثقافة الفلسطينية، من خلال محاور حول أعلامها، خصوصاً أن فلسطين مركز الصراع العربي الإسرائيلي، ولما تزل قضيتها سجالية وحاضرة بكل حرارتها في الأنشطة الثقافية.

- إقرار محاور لها علاقة بظواهر ثقافية أو سياسية ساخنة، تجذب عناوينها وأسماء المشاركين فيها جمهوراً إضافياً، خصوصاً ما يتعلق اليوم بما يحدث في العالم العربي من أحداث تحت عنوان «الربيع العربي». فالعديد من المثقفين العرب معنيون بالصراع القائم، ويساهمون بالكثير من نتاجهم الجديد في ذلك، على مستوى بحثي وفني وأدبي.

- لماذا لا تدعى إلى المعرض أسماء نجومية عربية أو أجنبية، قد تكون ذات طابع إشكالي، ويشكل وجودها فرصة للمثقف اللبناني للتعرف إليها والتحاور معها عن كثب.

- التعامل مع الحدث الثقافي الجديد كسبب وجيه لاستضافة أسماء بارزة، مثل أولئك الذين يحصدون جوائز، أو يكونون الأكثر مبيعاً، أو تشكل كتبهم علامة فارقة في الحدث الثقافي.

- الابتعاد عن الندوات الجامدة، التي بلا معنى، أو التي تحقق رغبات خدماتية ضيقة، شخصية أو سياسية. فمصلحة المعرض تلغي كل المصالح.

- الاهتمام بالأمسيات الشعرية الشبابية، التي أثبتت التجربة أنها أكثر استقطاباً من أمسيات شعراء من الدرجة الثانية او الثالثة، وأنها تترافق ووجود عنصر شبابي يفتقد له المعرض.

- تشجيع توقيع بعض النجوم لسي دي موسيقي أو سينمائي في إطار المعرض.

- يمكن اعتماد جائزة مالية قيّمة عن كتاب جديد، تقرها وزارة التربية اللبنانية، أو الحكومة، وتقدم في المعرض، كما يمكن الاتفاق مع القيمين على عدد من الجوائز التي توزع في لبنان، الاحتفال بها خلال أيام المعــرض وفي إطاره.

- أنشطة ثقافية تخص جيل الشباب، تتنوع بين نقاش قضايا تخصهم، أو إقامة حفلات فنية وورش عمل بالاتفاق مع معاهد الفنون في الجامعات والكونسرفاتوار، لتقريب الفنون من الناشئة. بالإضافة إلى أنشطة الكترونية تستدرجهم، مثل استضافة ناشطين على المواقع الالكترونية. ومواقع التواصل الاجتماعي.

تجديد الشكل

قد يمر معرض الكتاب من دون أن ينتبه لمروره غير المتابعين، فكيف يمكن أن نصل إلى كل الناس؟ بعض الدول تعتمد معارض تتنقل بين المدن والمناطق، وهذا لا يحصل عندنا، لذا لا بد من تزخيم حركة الإعلان والدعاية للمعرض من خلال:

- الاستعانة بشركة مختصة بالترويج الإعلامي في حال وجود إمكانيات وإلا فيمكن الاستعانة بخبير واحد يقوم بوضع خطة علمية متكاملة.

- التعاون مع وزارة التربية في الإعلان عن المعرض في كافة المدارس اللبنانية، بتبليغ الإدارات مباشرة للأساتذة والطلاب، وتنظيم رحلات إلى المعرض، وتقديم حسوم خاصة بالطلاب من قبل دور النشر.

- التواصل المكثف مع وسائل الإعلام بحيث تكون فترة المعرض فترة استنفار إعلامي.

- تحريك حملة إعلامية واسعة عن طريق وسائط الاتصال الاجتماعية الالكترونية، مع فتح صفحة خاصة بالمعرض في كل وسيط.

- تخطي الإطار الإعلامي المحلي إلى العربي على الأقل.

أما في الشكل فيمكن التفكير في ما يلي:

- إدخال تعديلات في خدمات المعرض لجهة تسهيل وصول الزائر إلى الكتاب المطلوب، عن طريق الاستعلام الالكتروني على مدخل المعرض، وهذا يتطلب جمع لوائح الكترونية مفصلة من دور النشر لم تعتمد حتى الآن.

- الاهتمام أكثر بخريطة المعرض بحيث يحدث تفاعل أكثر داخله، لجهة إقامة عدد من الأنشطة وورش التدريب بين الأجنحة لا في أماكن معزولة عن القاعة.

- إنشاء فسحات للأطفال مع ورش تدريب في الرسم، وتقديم اسكتشات مسرحية، وتمثيل قصص موجودة في كتب الأطفال، بالتعاون مع دور نشر الأطفال.

وضع الكافيتيريا في وسط المعرض لتكون جزءاً من أسباب التفاعل والاحتكاك بين الحاضرين.

ولأن كتاب الطبخ حاضر بقوة في المعرض ويهمّ ربات المنازل، لماذا لا يخصص حيز لورشة طبخ، بوجود شيف معروف له كتاب جديد في المعرض. وهذا حدث في معارض أخرى، بل إن معرض فرانكفورت، الشهر الماضي، أضاف إلى هامشه أكثر من ذلك، عندما احتضن مباراة كرة قدم بين منتخب كتّاب البرازيل (الدولة الضيف) ومنتخب الكتّاب الألمان.

إضافة تعليق

7 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.