التقريب بين السنة والشيعة

عنوان يستبطن وجود الاختلاف بين الطائفتين.والاختلاف بحد ذاته، ليس مشكلة، فلقد أقام الله تعالى الكون كله على التنوع والتضاد والازدواج ]وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[ [ الذاريات 51/49] والاختلاف نتيجةٌ طبيعية لهذا التنوع عدَّه الله تعالى آية من آياته ]وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِلْعالِمِينَ[ [ الروم30/22] وجعله سمة من سمات النمو والتكاثر؛ من دونه تتوقف الحياة ويؤول النوع إلى الفناء، وما الأفكار إلا ضرب من الكائنات الحية، لا يزدهر إلا بالتنوع والاختلاف، ولا يؤول به التفرد إلا إلى الفناء، فبارقة الحقيقة  لاتنقدح إلا باحتكاك الأفكار وتصادمها.

لكن الاختلاف- شأن كل القيم الإنسانية- لكي يؤدي دوره الإيجابي المثمر، لا بد له من شروط؛ إذا لم تتوافر له انقلب إلى نقمة وشر مستطير.

من أبرز هذه الشروط: إدراك وظيفته والمهمة التي خلقه الله من أجلها، ولا يتأتى هذا الإدراك إلا إذا عرف الإنسان أن الحقيقة المطلقة هدف بعيد المنال، وأن عليه أن يواصل البحث عنها، فمهما بدا له أنه قد أمسك بها، لم تلبث أن تفلت منه لتتراءى له حقيقة أخرى؛ أكثر وضوحاً وإقناعاً، وأن احتكاره الحقيقة من دون الناس لن يتأتى له في هذه الحياة الدنيا، ]قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً[[ الكهف 18/109]، ]وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً[ [ الإسراء 17/85] وبهذا المستوى من الإدراك استطاع الإنسان أن يراكم معلوماته ويضاعفها منذ هبط إلى الأرض لم يكن فيها شيئاً مذكوراً إلى أن فجر الذرة وسخر الطاقة وراح يتجول بها بين النجوم.

إن وعي الإنسان بأهمية الاختلاف وضرورته لتنمية أفكاره، ينمو ويزدهر كلما كانت الأمة في حالة مدٍّ وصعود حضاري، حتى إنك لترى الإنسان يبحث عن الرأي الآخر، ليحاوره ويختبر مدى رجاحة رأيه بالمقارنة بما عند الآخر من رأي.. هكذا رأينا الإمام الشافعي يقول: " رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب". كما رأينا الإمام أبا حنيفة يقول: " رأيي حسن، وهو أحسن ما قدرت عليه، فمن جاءني بأحسن منه فهو أولى بالصواب مني". وهكذا رأينا المناظرات والمناقشات العلمية  تحتدم وتكون على أشدها في عصور ازدهار الحضارة الإسلامية، ورأينا كل الآراء تطرح على بساط البحث من دون أي تحفظ  مهما تباعدت وتعارضت، فالكل يبحث عن الحقيقة، "والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق  بها" (رواه الترمذي).

ولقد فصل القرآن الكريم لنا قواعد الحوار(1) وشروطه التي نستطيع بها أن نجني ثمرات الاختلاف البنَّاء: الأدب، وإظهار الحق، ، والبعد عن التناقض والمكابرة، والتجرد، والصدق، وطلب الدليل، والبرهان، والاحتكام إلى العلم:] قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ[ [ البقرة 2/111]، ]ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هَذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ[ [الأحقاف 46/4].

وتأفل شمس الحضارة عن الأمة، كلما ضعف وعيها بالاختلاف وجنحت إلى التعصب للرأي، واحتكار الحقيقة، ونفيها عن الآخر، وإقصائه معها. ومن شأن هذا الدور الحضاري الآفل ، أن تغيب فيه الفكرة ويبـزغ الصنم، ويحل الصراع فيه محل الحوار، وتعمل اليد بديلاً عن العقل، وتعلو نبرة الصوت، ويحتدم أُوار التعصب، وينتفي التسامح، وتنعدم الثقة، ويشتد الخصام، ويصبح المجتمع من الهشاشة والقابلية للاختراق بما يتيح لأي عدو متربص أن يشعل نار الفتنة فيه، وأن يقلب نعمة الاختلاف التي امتن الله بها على العباد بوصفها وسيلتهم للتقدم والنمو، إلى نقمة تتبدد بها طاقاتهم وتذهب ريحهم. 

وذلك ما حذرنا الله تعالى من الوقوع فيه : ]وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ[ [ الأنفال 8/46]، ]إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ[ [ الأنعام 6/159].

لن يجد العلماء المخلصون الصادقون من كلا الطائفتين صعوبة إذا جلسوا على منصة الحوار ليناقشوا قضاياهم، بادئين بنقاط الاتفاق، لينطلقوا منها واحدة إثر أخرى، فلسوف يجدون أنّ ما يجمعهم أكثر بكثير مما يفرقهم، ولن يعدموا وسيلة لحل خلافاتهم طالما كانت مرجعيتهم المشتركة كتاب الله وسنة رسوله؛ يحكمونهما فيما بينهم، فإن استحكم خلافهم لاذوا بالقاعدة الذهبية المعروفة في تراثنا " نتفق فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه".

إنما تكمن المشكلة في جهلاء العامة من كلا الطرفين، الذين يطلقون ألسنتهم وأيديهم سفهاً بغير علم، ويطلقون لخيالاتهم العنان في اختراع قصص وحكايات يحملونها للتاريخ؛ لا تقوم بها حجة ولا يقدَّم عليها دليل، تبذر بذور الحقد والبغضاء والكراهية؛ يهربون إليها من واقعهم المحزن، ليعيشوا الماضي الذي اجتثوا منه وأضافوا إليه كل ما هو قاتم ومثير للضغائن والأحقاد، ينشِّئون عليها ناشئتهم، يغذونهم بها منذ نعومة أظفارهم، ويجلعونها أحاديث أسمارهم إذا خلا بعضهم إلى بعض.

] فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ[ [ التوبة 9/122].

لولا نبهوهم إلى أن التنازع والتخاصم والتفرق والتشرذم هو غاية ما يرومه أعداؤهم؛ يثلجون به صدورهم، وأن تجاوز أخطاء الماضي، والالتفات إلى إصلاح الحاضر وبناء المستقبل الأفضل هو ما يأمرهم الله تعالى به ويحثهم عليه : ]تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ[ [ تكررت مرتين في سورة البقرة 2/134و141]. ]وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى، ألا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى،وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسانِ إِلاّ ما سَعَى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى، ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الأَوْفَى[ [ النجم 53/37-41].

نرجو أن يكون هذا الكتاب هو النفرة المرجوة.

*مقدمة كتاب ( التقارب السني ـ الشيعي ..بين حق الاختلاف ودعوى امتلاك الحقيقة )

الكتاب متوفر في المتاجر الالكترونية

(1)انظر المعجم المفهرس لمعاني القرآن العظيم: مادة (الحوار)؛ وما ورد فيه من تفصيل في جوانب الحوار في القرآن وأشكاله، ط2/1996 دار الفكر- دمشق  

 

إضافة تعليق

1 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.