التيفاشي أول من صنف المعادن

يعتبر العالم الجليل شهاب الدين أبو العباس أحمد بن يوسف التيفاشي الملقب أحياناً ب”القفصي” وأحياناً أخرى ب”القيسي” أحد أعلام المسلمين، ومن مفاخر الإنسانية كلها، إذ استطاع أن يبدع في إنتاجه وبخاصة في حقل علم المعادن، مما جعل حتى علماء أوروبا يعترفون له بالفضل والسبق والنبوغ .

يذكر المؤرخ ابن العديم في كتابه “بغية الطلب في تاريخ حلب” أن التيفاشي ولد في تيفاش، (إحدى قرى قفصة بتونس) عام 580 ه (1184م)، وتوفي في القاهرة عام 651 ه (1253م) ونشأ في أسرة ذات جاه وحسب ونسب، وذات علم وثراء ونفوذ، وكان جده من رجال دولة الموحدين التي حكمت بلاد المغرب، وكان أبوه حاذقاً في حرف الأحجار الكريمة، وقد تولى منصب القضاء، وكان أديباً شاعراً، ملماً بكثير من علوم عصره، مبرزاً في علم المعادن، محباً للسفر، فزار القاهرة، ودمشق، والعراق، وأرمينية، وفارس، وغيرها . كما كان عم والده محمد بن أبي العباسي التيفاشي أديباً وشاعراً .

عصر ذهبي

يروي الدكتور أحمد فؤاد باشا في “موسوعة أعلام الفكر الإسلامي” أن التيفاشي عاش في عصر ذهبي ازدهرت فيه الثقافة وزهت الدولة الإسلامية برجال العلوم والفنون، وكان هذا من ثمار استقرار الحكم وإحراز الانتصارات الباهرة في المغرب العربي، إذ كان العصر في مقتبل حياة التيفاشي عصر المنصور بن عبد المؤمن الموحدي بطل معركة “الأرك” التي أحرز فيها المسلمون في المغرب نصراً مؤزراً على “الفونسو الثامن” ملك “قشتالة” . وعصر الناصر صلاح الدين الأيوبي بطل معركة “حطين” في المشرق، وجاءت على أثر ذلك دولة الحفصيين في تونس موطن التيفاشي الأول، ودولة المماليك في القاهرة موطنه الثاني، فسارتا على الدرب نفسه، وعاش التيفاشي في شبابه وكهولته متصلاً بهما، ينهل من بحار علومهما، ويجمع التجارب، ويتصل بالملوك وولاة الأمور ويوطد علاقاته وخدماته ببلاطهم .

قضى التيفاشي شطراً من صباه في تونس، نهل أثناءه قسطا من علوم الدين، وكذلك علوم الجواهر والأحجار، ثم ذهب إلى القاهرة، وبعدها انتقل إلى دمشق، ثم عاد إلى تونس، ثم توجه إلى مصر مرة أخرى، ثم رحل إلى الشام، وتنقل بين مدنها، ثم حط الرحال في القاهرة حيث توفي عن عمر يناهز السبعين وكان وهو في كل مكان يرحل إليه يحصل ما استطاع من علوم الدين والدنيا، ويقتني المراجع والكتب والمخطوطات، وقد ورث عشقه للأحجار والجواهر عن أبيه، إضافة إلى نهمه الملحوظ في علم الجيولوجيا بصفة عامة . هذا بجانب تضلعه في الفقه وعلوم الدين، مما أهله لتولي منصب القضاء في تونس ثم في مصر .

 ويصف خير الدين الزركلي ، التيفاشي في كتابه “الأعلام” فيقول: عرف عنه كثرة المطالعة، واقتناء الكتب ولهذا تجده يقول في بعض المواقف: “إنني امرؤ استنبطت العلوم وحذقت النجوم وطالعت جميع الكتب من العلوم بأسرها على اختلاف أجناسها وأصنافها” .

التجربة والملاحظة

تميز التيفاشي بنزعة علمية متحفظة، إذ كان يرد الكثير من الخرافات والأساطير التي كان يزخر بها التراث والكتابات اليونانية، وإذا اضطر إلى إيراد شيء منها كان ينسبه إلى مرجعه . كما كان التيفاشي ميالاً إلى التجريب بنفسه، والحصول على نتائج بحوثه، وكذلك كانت لديه موهبة الوصف الدقيق للأشياء، وعموماً كان للتيفاشي منهج يقوم على التجربة والملاحظة الشخصية والواقعية والأمانة في النقل وتسجيل الحقائق والنتائج العلمية .

يرجع للتيفاشي ابتكار أول تصنيف علمي صحيح للمعادن، وهو المعمول به حتى الآن، وهذا التصنيف قائم على أساس تشابه الخواص، أي ضم المعادن المتقاربة في فصل واحد، وقد كان العلماء من قبله يصنفون المعادن بحسب الترتيب الأبجدي، والسبب في ذلك هو ما أورده آدمز (1954م) إذ كان هؤلاء لا يعرفون شيئاً عن تركيب المعادن وكانوا لا يعرفون شيئاً عن الخصائص الفيزيائية الحقيقية لها  باستثناء اللون . ومما يذكر أن هذا التصنيف العلمي قد سطا عليه (هو رازموس ستيه) في منتصف القرن السادس عشر الميلادي وادعاه لنفسه! إضافة إلى أن التيفاشي وضع نظرية خاصة بأصول بعض المعادن الثانوية، تتفق في جوهرها مع النظريات الحديثة . كما وضع نظريات في أصل تكون الخامات . وهو أول من شرح ظواهر التشقق، والتسويس، والطرائق، وغيرها من الظواهر في علم المعادن والتشقق هو التشعير، والطرائق هي التوأمة . علاوة على أنه أول من استخدم اختبار اللهب في التحقق من جوهر المعدن أو الحجر الكريم . وأوضح التباين في سلوك الضوء بعد مروره خلال المعادن المختلفة انكساراً وتشتيتاً، وكان يسمي الظاهرة كلها الشعاع، وقد ميز منه الشعاع العادي والشعاع العظيم . وشرح ظواهر أخذت في ما بعد أسماء حديثة، مثل: التكون الثنائي الذي يميز بلورات الياقوت الداكنة الألوان من غيرها من المعادن الملونة .

ويروي ابن خلكان في كتابه “وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان” أن التيفاشي، عكف كغيره من علماء المسلمين على نشر بحوثه، وكتب الكثير من المصنفات في معظم فروع المعرفة شملت علوم البلدان، المعادن، الطب، الأدب، الشعر، الفنون .

 

إضافة تعليق

1 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.