الثقافة الروحية

يبدو تعبير الثقافة تعبيراً غامضاً للكثيرين، وإن كان قد ارتبط هذا المفهوم قاموسياً بالفطنة والذكاء، وصقل النفس البشرية، واتخذ أبعاداً كثيرة مع تطور المجتمعات، ومنها ربط مفهوم الثقافة بالبعد الحضاري للشعوب، وفي أحايين كثيرة كانت الثقافة والآداب والفنون على سكة واحدة، حيث تقوم الآداب والفنون بمهام تطوير الفكر والذائقة الجمالية، والارتقاء بمن ينخرط ضمن عالمي الأدب والفن مبدعاً أو متلقياً إنسانياً، أي بمعنى انفتاح الفكر على عوالم جديدة لم تكن موجودة قبل ذلك .

لكننا، ومع كل التعريفات للثقافة نجد أنفسنا عاجزين عن تحديد ماهية محددة للثقافة، وكأنها مادة سيالة غير قابلة للتوصيف، حيث لا يكفي أن نأتي إلى تعريفها من بوابات الفكر أو الأدب أو الفن حتى نكون قد وصلنا إلى ماهيتها، أو جوهرها، هذا فيما لو كان لها جوهر ثابت، وهو أمر مستبعد، خاصة أن حقول الثقافة متشعبة ومتعددة، كما أن دور الثقافة أو تأثيرها المباشر لا يمكن قياسه بطرق محددة، ويبقى خاضعاً لمعايير متنوعة .

وما يدفع إلى السؤال حول ماهية الثقافة ودورها هو الهوة الموجودة بين تطور المنتجات ذات الصلة بالثقافة والروح الإنسانية، حيث يجد المرء صعوبة في فهم ظاهرة الانحدار الروحي في حالات محددة على الرغم من كل التطور الحاصل في الثقافة، وكأن الثقافة لم تلعب دورها الصحيح في تطوير الحياة الروحية للأفراد والمجتمعات .

إن تنامي ظاهرة العنف المنظم مثلاً تدل على انعدام الثقافة الروحية، أو انعدام الروح المثقفة، وكذلك فإن تغول عوامل الاستهلاك على حياة الأفراد والمجتمعات يدفع المرء للاعتقاد بأن كل ما أنتجته البشرية من ثقافة في وادٍ وميل الناس الكبير للانخراط في عالم استهلاكي طاحن في وادٍ آخر، إضافة طبعاً إلى قائمة طويلة من الظواهر الأخرى تجعلنا نشكك أحياناً بالمدى الذي حققه المنتج الثقافي من قدرة على النفاذ إلى الروح الإنسانية، وما هو أكثر بؤساً من ذلك تنامي البيئات الطاردة للثقافة، حيث عمّمت وسائل الاتصال الحديثة، وتحديداً التلفاز، صيغاً جديدة للثقافة، لكنها صيغ قاصرة عن تجذير الثقافة كسلوك، وراحت المعلومة تكتسب أهمية تفوق أهمية التحليل والاستنتاج في حياة الناس، وبات الكثيرون يمتلكون كماً هائلاً من المعلومات، لكنهم لا يملكون أدوات تحليلها، أي أدوات الذكاء القادر على التعاطي مع المعلومة من منطق علاقتها بتطوير الحياة، والارتقاء بالروح الإنسانية .

من جهة أخرى، فإن تاريخ العلاقة بين الثقافة والروح حافل بالتناقضات، حيث لم يكن تطور الثقافة بكل صيغها كافياً لمنع انزلاق المجتمعات خارج أي بعد روحي للمجتمعات ذاتها، فالتجربة الأوروبية مثلاً شهدت تناقضاً حاداً بين التطور الثقافي الكبير الذي وصلت إليه منذ القرن السادس عشر وحتى القرن العشرين، لكن ذلك لم يمنعها من الانزلاق إلى حربين عالميتين دمرتا روح الثقافة نفسها التي تأسست عليها أوروبا نظرياً، أي قيم الإخاء والتسامح والديمقراطية .

إضافة تعليق

3 + 6 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.