الثقافة و المنهج

لا يخفي المسيري، في حواراته، المضمنة في هذا الكتاب، قلقه من ما يسميه بـ «حضارة الاستهلاك العالمية»، لأنها حضارة مادية لا تحمل أي أعباء أخلاقية وليس لها ذاكرة تاريخية، مبينا أن المشكلة مع هذه الحضارة تتمثل في أنها تحولت إلى نموج عالمي يحاول الكثير من الشعوب الاحتذاء به، دون أي إدراك لمخاطره.

 

وهذه الحضارة «مضادة للحضارة»، لا انتماء لها ولا لون ولا رائحة، وتقتصر على تلبية الحاجات المادية والحسية للإنسان، وتلجأ إلى أسلوب التنميط وأدلجة الناس عبر مجموعة من المفاهيم التي تحث الإنسان على الاستهلاك والعنف واللامبالاة. ويحذر المسيري من أثر تلك الحضارة على مجتمعنا العربي الإسلامي، الذي أخذ يقلد النزعة الاستهلاكية في الغرب ويتفوق عليها في كثير من الأحيان.ويقدم تصورا مختلفا للتقدم إزاء مفاعيل وتأثيرات هذه الظاهرة، مبني على «رؤية إسلامية» بديلة، مشددا على أن التقدم لا يتحدد بالاستهلاك والبناء المادي للاقتصاد، بل عن طريق إحلال مفهومي «التوازن» و«العدل»، حيث يرى أن مفاهيم الاشتراك الإنساني والتراحم بين البشر، يجب أن تحل محل مفاهيم التعاقد والفردية والمنافسة، وهي مفاهيم مادية أوصلت البشرية إلى حافة الهاوية.

 

 

كذلك يناقش قضية التحيز، فيجد أننا شعوب انحزنا إلى كل المفاهيم الغربية في الحياة، لدرجة أن الحياة الغربية، بأبعادها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، تحولت إلى نموذج أعلى ليس لنا من هم سوى الاحتذاء به، ويقترح في هذا الخصوص القيام بعملية نقد واسعة للحياة الغربية، على أن لا تكون عملية نقد سلبية هدفها الفضح والتشهير.

 

 

بل الفهم العميق الذي يسمح لنا بفرز المسلمات العالمية عن التجارب الخاصة المتغيرة، بحسب الزمان والمكان، فمفاهيم الحياة الفردية اليوم تُفرض علينا وكأنها مفاهيم عالمية على الجميع تقليدها، بوصفها المقياس العالمي للحضارة، في حين أن تلك المفاهيم لا تصلح لكل زمان ومكان، لأنها نتيجة تطور تاريخي وحضاري محددين.

 

 

ويوجه المسيري النقد لمختلف الظواهر الثقافية الغربية، من سينما وإعلام. فالسينما عندهم لا تقوم سوى بتمجيد حضارة الرجل الأبيض، أو مفهوم العنف والصراع الذي يعطي الحق في النهاية للأقوى والأقدر على بث الرعب في قلوب الآخرين، والتحرر من القيم أدى بهذه السينما إلى تبني كل الموضوعات المادية التي تعتمد على الإباحية والوحشية والتدمير، والتي لا تحمل أي بعد ديني أو روحي أو إنساني.

 

 

ويلفت إلى أن المشكلة موجودة أيضاً في وسائل الإعلام، إذ يشتكي من أن القائمين على الإعلام هم الذين يرسمون قيمنا وهويتنا وأحلامنا، فالإعلام اليوم يملك سلطة تفوق سلطة أي مستبد أو دكتاتور، أما الشماعة التي ينشر عبرها الإعلام كل قيم الاستهلاكية والعدوانية والإباحية، فهي الحرية، ولاسيما حرية التعبير، والمسيري يرفض الإبداع والحرية إذا كان الإعلامي سيجني من ورائهما المال الكثير، فالحرية هي أيضاً ضحية حسابات الربح والخسارة، ومشكلة الإعلام اليوم أنه يتاجر حتى بالأخلاق، ويروج لكل القيم المادية من أجل تحقيق الثروة.

 

 

والمأخذ الذي يأخذه المسيري على الإعلام، أنه يستغل مسألة نسبية القيم وتعدد النماذج الأخلاقية في العالم، لكي يقدم لنا الحلال بشكل يتساوى مع الحرام، والجميل مع القبيح، والحق مع الباطل، وحتى يغدو من الصعب التمييز بين العدل والظلم، والمقاومة والإرهاب.

 

 

كما ينتقد المسيري مصطلح «معاداة السامية»، ويعتبره مفهوما خادعا يحمل الكثير من العيوب والإيحاءات المزيفة.وأما المشكلة التي شغلت المسيري كثيراً في الفترة الأخيرة، فهي مشكلة المنهج، ذلك أن الأجيال الجديدة أخذت تنظر إلى المعرفة على أنها معلومات يقوم الطالب بحفظها وتذكرها بعد ذلك، بينما جوهر المعرفة أنها منهج وطريقة في التفكير، فالحقيقة لا تُعرف وتُحفظ، بل تستنتج ويقوم العقل بالتوصل إليها عن طريق التحليل وربط المعلومات بطريقة تركيبية واعية للعلاقة بين الأسباب والنتائج، فالمنهج هو الذي يفسر لنا الظواهر، وهو تعبير عن طريقة تفكير الباحث ورؤيته للعالم، ولذلك فإن المناهج أيضاً تختلف من شخص لآخر.

 فالمسيري يؤكد في مجمل أرائه على ضرورة أن نتبنى مناهج نابعة من إدراكنا لهويتنا وللأبعاد المعرفية والوجودية في تجربتنا.

 

 

الكتاب: الثقافة والمنهج حوارات مع د. عبد الوهاب المسيري

 تأليف: عبد الوهاب المسيري

 تحرير: سوزان حرفي

 الناشر: دار الفكر دمشق 2009

 الصفحات: 392 صفحة

 القطع: الكبير

 

رشيد الحاج صالح

عن: البيان الإماراتية

إضافة تعليق

5 + 3 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.