الثورات والإعلام الجديد حوار مع الخبير والمتخصص في مجال علوم الإعلام الدكتور يحيى اليحياوي

بين يدي الحوار..يُشكل الحوار مع الدكتور يحيى اليحياوي (المتخصص في علوم الإعلام) فرصة نادرة، نظرا لانشغالاته العلمية والأكاديمية، لكن هوسه بالحوار والتواصل مع الجميع، خصوصا في هذه الظرفية التي تجتازها مجتمعاتنا العربية، جعله يقبل الدخول في هذه "الدردشة" لتوضيح أهم القضايا التي تعتمل في ساحتنا العربية الساخنة هذه الأيام.
لاشك أن موضوع الشبكات الاجتماعية ودورها في تغذية الحراك الشعبي، أصبح يفرض ذاته على الجميع، فالكل يريد أن يفهم خبايا هذه الشبكات والمدى الذي يمكن أن تصل إليه، وكيفية استثمارها من طرف الشباب العربي، وآثار ذلك على بنيات الفكر والسياسة والاقتصاد والقيم. في هذا الحوار المتميز ينقلنا الدكتور اليحياوي إلى منهج في التفكير، يعتمد المنظور النسقي في التحليل، فلا يرجع التحولات التي وقعت في العالم العربي، إلى عامل واحد، بل إنه يرفض مثل هذه التحليلات الاختزالية، ويرى أن الواقع أعقد من ذلك، وأن التفسير الواحدي غير مجد، وأن الأجدى أن يتم انتهاج منهج شمولي في الرؤية والتحليل والتفسير، حيث يرفض ربط اندلاع الثورات العربية بالتقنيات الحديثة، ويعتبر أن ذلك مرتبط بمسارات تتعدد فيها الأسباب والمسببات، ويدعو الأكاديمي والباحث في علوم الإعلام، إلى إعمال الحذر الإيبستيمولوجي، في ربط علاقة ميكانيكية بين تحولات القيم التي يشهدها العالم والطفرة التكنولوجية، إذ أن ذلك بدوره يرتبط بعدة محددات. فرغم التدفق الإعلامي القوي والكثيف، فإن المجتمع العربي والمسلم لازال يحافظ على قيمه الأصيلة، ويعمل على تكييف الواقع مع القيم المعيارية، والدليل هو أن الحراك الشعبي في العالم العربي، وخصوصا في مصر وتونس واليمن، لم يشوش على أصالة القيم المترسخة في هذه الشعوب، حيث لم تسجل أية حالة سرقة أو اغتصاب، ولم يعنف أو يرهب أحدا من أتباع الديانات المتواجدة، بل وقع اندماج وانصهار عجيبين في ساحات التغيير.
ولئن الموضوع يتسم بطابع التعقيد  والتركيب، فقد ارتأينا أن نحاور الدكتور يحيى اليحياوي، باعتباره خبيرا في مجال الإعلام في سياق تحولاته، فقد ألف في الموضوع عشرات الكتب، ونال جائزة المغرب الكبرى للكتاب بكتابه:"الاتصالات في محك التحولات" سنة 1996م. ويعد الدكتور اليحياوي، واحدا من المفكرين العرب الذين امتازوا بخصوبة  التأليف، ولعل الإطلالة السريعة على بعض من مؤلفاته، تعضد هذا الاستنتاج، كما يعد الدكتور اليحياوي، من بين القلائل الذين انشغلوا وبحثوا في مواضيع ذات راهنية وجدة في الساحة الفكرية العربية، حيث كان اشتغاله مبكرا بسوسيولوجيا الإعلام، وتأثير القنوات الفضائية على المشاهد العربي، وعلاقة العولمة بالإعلام والتأثيرات المحايثة لهذه الجدلية، وفي الفترة الأخيرة اقتحم مجال اقتصاد المعرفة والتكنولوجيات الحديثة ودورهما في تحديث الشعوب. 
نماء: دكتور يحيى اليحياوي، هل يمكن أن تقدم لنا نبذة أولية عن حياتكم العلمية ودواعي تخصصكم في مجال علوم الإعلام؟ 
أنا خريج جامعة محمد الخامس بالرباط، وخريج المدرسة الوطنية العليا للبريد والاتصالات والفضاء بباريس. كان أول مقال لي بجريدة لوموند الفرنسية بأواخر ثمانينات القرن الماضي، ترجم للعربية ونشر بأكثر من منبر بالمغرب. وكان عن العالم الثالث والنظام الإعلامي العالمي. من حينه، وأنا مواظب على الكتابة، حتى أصبحت جزءا من طقوسي اليومية تقريبا، إذا استثنينا ما أقضيه بالعمل لضمان قوت العائلة.
أعتقد أن ولوج عالم الكتابة في حالتي الخاصة تأتى من الصدفة المحضة، بل عن مقال بجريدة لوموند جاء بإلحاح من صديق فرنسي، على الرغم من تذرعي في حينه بأن الكتابة شأن الخاصة، وليس العامة مثلي. ثم كانت أطروحتي عن الاتصالات في العالم من خلال النموذج البريطاني، وقد فتحت لي الطريق للاهتمام بمجال التقنيات واقتصاد الشبكات وغيرها، وفسحت لي في المجال لمعرفة القيمة الكبرى للمعلومات في نمو الدول والشعوب.
وقد تسنى لي أن أصدر أكثر من كتاب في هذا المجال، لكن الثورة التكنولوجية وسعت من مجال اهتمامي، وأوضحت لي بأن الأهم فيما أقوم به يجب أن يطال مجالات فرعية قريبة من الاتصالات كالتلفزيون والإنترنيت والمعلوميات وما سواها. وهي كلها روافد تشتغل بهذا الشكل أو ذاك على المعلومة، وعلى رواجها وتداولها واستهلاكها على نطاق واسع. 
الأصل إذن كان بالاتصالات كتقنيات اتصال وتواصل، ثم تفرع تدريجيا ليطال الإعلام كوسيلة لنقل المعلومة بين باعث لها ومتلق لها أو مقتن لها. المعالجة كانت بنظري ولا تزال مرتكزة ليس فقط على الإعلام والاتصال كأدوات، بل وأيضا كمضامين، لأنه لا قيمة لوسيلة إعلامية، إذا لم تكن حاملة لمنظومة معلوماتية وقيمية ورمزية وما سواها. وإذا لاحظت معظم الأبحاث التي قمت بها، ستلاحظ أن هذا هو العنصر الناظم في الشكل والمضمون. بالمحصلة، فأنا لا أدعي التخصص الضيق، بل أبحث في المخفي في خطاب الإعلام، ودور القائمين عليه في توجيه أو تأطير الرأي العام. أنا هاو لمجال اشتغالي، أو لنقل أنا عاشق له ومولع به. 
صدرت لكم دراسات كثيرة في علوم الإعلام منها "المحطات الفضائية في العالم العربي/الإسلامي: تحليل في المضامين الثقافية"، وكتاب "العولمة: الاتصال/العالم، تطرف الليبرالية الكونية والفكر الواحد" وكتاب "الوطن العربي وتحديات تكنولوجيا الإعلام والاتصال" وكتاب "العولمة ورهانات الإعلام، هذا"بالإضافة إلى عشرات الكتب الأخرى باللغة العربية والفرنسية، قبل أن ينطلق الربيع العربي، هل سبق أن استشرفتم من خلال أبحاثكم دورا مفترضا لتقنيات الإعلام والانترنت في إحداث هذا التحول الذي يعرفه العالم العربي؟ 
معظم الدراسات المتوفرة اليوم حول العلاقة بين التكنولوجيا والمجتمع والسياسة تبين أن التقنيات كان لها دور أساس في تحريك البنى المؤسساتية القائمة، وكان لها الفضل في ظهور أشكال جديدة من العلاقات بين الأفراد والجماعات. انظر مثلا كيف كان تأثير اختراع المطبعة على المعرفة بأوروبا، وكيف دمرت احتكار الكنيسة للدين وتأويلها له بالطريقة التي تحمي مصالحها.
وانظر كيف كان للصحافة المكتوبة دور خطير على مستوى الحركات النقابية بفرنسا وألمانيا ثم بروسيا وأمريكا وغيرها؟ وانظر ما فعلته الإذاعة ثم التلفزة ثم الهاتف من تحولات كبرى على مستوى وعي الناس وسبل اتصال بعضهم ببعض وتواصلهم دون صعوبات تذكر. هذه أمور مثبوتة في علم الاجتماع الإعلامي وفي الدراسات السوسيولوجية والاقتصادية والثقافية ويضيق المجال للتفصيل فيها هنا.
ويضيق المجال أيضا لتبيان مدى ما حملته طفرة الأقمار الصناعية وانتشار الفضائيات والانفجار المعلوماتي الضخم الذي واكب ظهور ثم انتشار شبكة الإنترنيت بكل بقاع العالم. دراسات التأثير هنا قائمة وثابتة ولا تحتاج إلى التأكيد. وقد كتبت في هذا المجال عندما نشرت كتاب "الإرهاب وأممية الاحتجاج على العولمة"، ثم كتاب "في الثقافة والعولمة والتكنولوجيا"، ثم كتاب "كونية الاتصال وعولمة الثقافة" وغيرها.
بالرد على السؤال مباشرة أقول التالي: من الادعاء الخالص القول بأني أو غيري استشرف موجة الانتفاضات بالعالم العربي، أو تنبأ بالشكل الذي ستأخذه هنا أو هناك. كتبت كما كتب غيري بأن الشعوب العربية تعيش في ظل نظم قهر واستبداد، ترتهن خيراتها وتستبيح أراضيها وتضرب بالنعال والرصاص عندما تطالب بالحق في العيش والحياة الكريمة. وكتبت كما كتب العشرات مثلي أو ممن لهم نفس الرؤية، بأن الوضع لا يمكن أن يبقى على هذه الحال، وأن التغيير قادم لا محالة لأنه سنة من سنن الكون. وقلنا أيضا بأنه كلما تأخر التغيير كلما كان الثمن مرتفعا، وأنه من الأولى أن يتم ذلك بسرعة حتى لا تتعسر الأمور في القادم من أيام. كل الباحثين في علم المستقبليات ونظريات الاستشراف أكدوا ذلك، لكن الحكام لم يعتبروا، فتركوا الأمور تتعفن حتى بلغ السيل الزبى، فكان ما لاحظناه بداية العام 2011، ولا يزال مده جارفا بهذا البلد العربي أو ذاك.
أما عن دور تقنيات الإعلام وكذلك شبكة الإنترنيت، فأنا أتصور أن دورها كان قويا ومؤثرا للغاية، لكنه لم يكن دورا حاسما. الحسم كان للشعوب، للجماهير وللشباب بالساحات العامة الواقعية قبل الافتراضية، وسنعود لهذه النقطة فيا بعد. 
مع انطلاق الربيع العربي، وصف العديد من المراقبين الثورات بكونها ثورات فايسبوكية، في حين انتقد البعض الآخر هذا الوصف دون أن يقللوا من أهمية الشبكات الاجتماعية في تفسير الصحوة الديمقراطية في العالم العربي، في نظركم ما الدور الذي قامت به هذه الشبكات الاجتماعية في إحداث الثورة؟ 
أتصور أن دور الفضائيات وشبكة الإنترنيت كان مهما للغاية، لأن هذه الوسائل جعلت من مجريات الأحداث وقائع عالمية، ومن الانتفاضات مادة متداولة على نطاق دولي، تجلب التعاطف والتضامن الدوليين، لا بل وتحول دون الحاكم ودون أن يستمر أخلاقيا في قتل الجماهير بالشوارع والساحات. وهذا أمر لا جدال فيه.
لكني بالمقابل من الذين يعتقدون أن الإنترنيت والشبكات الاجتماعية إنما كانت عنصرا مساعدا، وليس بأي حال من الأحوال عنصر الحسم الذي ينسبه البعض لها. إنها ترجمت افتراضيا ما يجري بأرض الواقع، ولم تخلق هذا الواقع حتى ندعي بأنها حسمت الصراع لصالح الجماهير.
صحيح أن الشبكات الاجتماعية، والفايسبوك تحديدا، قد أسهم في الزيادة من منسوب تواصل الشباب المنتفض، وتدعيم التنسيق فيما بينهم فيما يخص أماكن وأوقات التواجد، وطبيعة المستجدات المطلبية المفروض رفعها. كل هذا صحيح، لكن ذلك لا يعوض التواجد على الأرض يوم الاحتجاج، بدليل أن قطع الحكومة المصرية لشبكة الإنترنيت، لم يقلل من حجم المتظاهرين، ولا من حدة شعاراتهم ومطالبهم.
وبالتالي، فأنا أزعم أن الشبكات الاجتماعية، من فايسبوك وتويتير ودايلي موشين ويوتوب وغيرها، كانت عناصر ضرورية، لكنها لم تكن كافية لحسم مصير حركات الاحتجاج ضد الحاكم. بمعنى، أنه لولا التواجد والضغط بالواقع الحقيقي لما كان للواقع الافتراضي أن يبلغ مداه في التغيير. وهذه أمور كتبت عنها قبل أن تظهر هذه الشبكات.
هناك بعض التحاليل التي تؤكد على دور العامل الخارجي في هذه الثورات، وتستند في مؤشراتها على الدعم الغربي والأمريكي على الوجه الخصوص لحرية الانترنت والضغط على العالم العربي في هذا الاتجاه، إلى أي حد يمكن أن يكون هذا التحليل علميا؟ وهل ظهور الشبكات الاجتماعية يندرج ضمن أجندة سياسية أو استراتيجية؟ 
هذه الحركات لا تزال حامية الوطيس، حتى وإن خفت نسبيا من بين ظهراني الدولتين الرائدتين، تونس ومصر. بالتالي، فمن الصعب حقا تقييم العوامل الكبرى التي كانت خلفها، أو استشراف المآلات التي قد تكون من نصيبها في المستقبل. الحراك قوي للغاية، ويستوجب ترك المسافة معه حتى تتبين الأمور وتتضح. هذا من الناحية المنهجية الصرفة. ما سوى هذا، فثمة اجتهادات لفهم ما جرى ويجري.
أعتقد أن الخارج، تماما كالشبكات الاجتماعية والفضائيات، كان له دور على مستوى الضغط الضمني على الحكام، لكن ذلك لم يبلغ بنظري مستوى حسم المعركة لفائدة هذا الطرف أو ذاك. الخارج ضغط بناء على مصالحه، والشبكات الاجتماعية والفضائيات أسهمت في ترويج الرسالة على نطاق عالمي، لكن الحسم كان للشعوب والشارع.
لو سلمنا بأن الغرب وأمريكا تحديدا، لم يضغط مباشرة لإزاحة هذا الحاكم أو ذاك، فإنه ركب ناصية الشعوب، ولو نفاقا، عندما تبين له أن الرهان على الحكام بات مضيعة للوقت وحسابا خاطئا.
أما عن سؤالك حول اندراج الشبكات الاجتماعية في إطار حسابات سياسية واستراتيجية، فأنا أزعم، لو فهمت السؤال جيدا، أن لكل وسيلة إعلامية وتواصلية حسابات سياسية، تضمر في ثناياها أجندات محددة يتم توظيفها لخدمة هذه المصلحة الآنية أو البعيدة المدى أو تلك. أما إذا كان المقصود بالسؤال هو النظر في خلفية نشر هذه الوسيلة الإعلامية والاتصالية من لدن الغرب، فأنا أتصور أن السؤال موضوعي ودقيق، لكن العبرة في الوسيلة أو التقنية هو بالاستخدام وبالاستعمال، والدليل على ذلك أن شبكة الإنترنيت أنشئت لحماية المنشآت النووية الأمريكية من ضربة نووية محتملة من لدن السوفيات، لكنها غدت بمرور السنين وسيلة اتصال وتواصل ومعرفة، وأداة تصريف الاحتجاجات في الحالة العربية منذ يناير من هذا العام وإلى حينه. 
بحسب المؤشرات التي ظهرت على الساحة السياسية والثقافية والقيمية، يلحظ وجود تأثير قوي للشبكات الاجتماعية في تفسير بعض هذه التحولات، في نظركم ما هو المدى الذي يمكن أن يصله تأثير هذه الشبكات على المستوى القيمي والسياسي في المنطقة العربية؟ وهل تتصور في ظل تداخل المحلي بالدولي، إمكانية لدور الدولة الوطنية في مواجهة هذه التحولات؟ 
تأثير الشبكات الاجتماعية كما قدمنا لها من قبل، ليس من قبيل الفعل المباشر في السلوك والتمثل، إنه من قبيل التداعيات التي تترتب عن ذلك في الزمن والمكان، وعلى المدى المتوسط والطويل تحديدا، إذ من المتعذر حقا ملامسة التأثير على المستوى الكمي أو النوعي، أو تحديد مدى تأثير هذا الرافد الإعلامي أو ذاك. هذه أمور معقدة للغاية، لا يمكن صياغتها بنماذج أو بصيغ رياضية ثابتة. إنها من مجال العلوم التي لا تخضع للتنميط الرياضي أو الإحصائي.
ومع ذلك، فبالإمكان قول التالي: إن هذه الشبكات قد حملت جديدا على مستوى طرق وسبل تواصل الأفراد والجماعات، وتجاوزت بذلك على المباشر الحي، أي على المنشور والمطبوع والمقروء الذي لطالما كان أداة الحركات الاحتجاجية قبل ظهور هذه التكنولوجيات الجديدة. 
ويمكننا القول أيضا بأن هذه الشبكات قد ساهمت بقوة في رفع منسوب الوعي لدى الشعوب، وتأكدها من أنها هي مصدر الشرعية، تمنحها لمن تشاء وتزيحها متى بدا لها ذلك واردا أو قابلا للتحقيق، وأن هذه الشبكات قد أفرزت قيما جديدة لعل أهمها بالمطلق القبول بالآخر في تنوعه واختلافه وتباينه مادامت المطالب موحدة والمصير مشترك. 
ويمكننا القول بالمحصلة، إن هذه الشبكات أبانت بأن ثمة شعوبا حية ويقظة حتى وإن خضعت لعقود من الظلم والاستبداد والإهانة والارتهان.
أما عن دور الدولة الوطنية في كل هذا، فأنا أتصور أن دورها لا يزال قائما، لكنه ليس مركزيا كما كان الأمر من ذي قبل. بالتالي، فقد باتت، على الأقل في الوطن العربي، مطالبة بإعادة النظر في السلوك الأمني والابتزازي الذي أفرغها من محتواها، وجعلها أداة قمع ومصادرة للرأي. ولك أن تلاحظ كيف بات حال الشرطة في مصر بعد سقوط نظام مبارك، وكيف طالب الناس هناك بحل جهاز أمن الدولة.
الشعوب لا تريد دولة أمنية أو استخباراتية. إنها تريد دولة رعاية وحفظ كرامة وتنمية. وهذا ما لم يدركه العديد من الحكام العرب بمشرق الوطن العربي وبمغربه.
في نظركم ما هي الخيارات التقنية والسياسية التي تملكها الدول للتعامل مع الثورة الرقمية ومع التأثير القوي للشبكات الاجتماعية؟ 
أنا أزعم، وقد كتبت في هذا أكثر من عشر سنوات، بأن الدولة الوطنية زمن العولمة، باتت محاصرة وبقوة من جهتين: من لدن الشركات المتعددة الجنسيات التي تفرض شروطها على هذه الدولة أو تلك، حتى داخل الدول المتقدمة. ومن لدن المستويات الدنيا بداخلها والتي رأت بأن الدولة لا تضمن لها الحماية بزمن التكتلات الاقتصادية الكبرى ومد الشركات العابرة للحدود. وهو ما بدا جليا من خلال عودة الأفراد لجماعاتهم الأصلية، للغاتهم، لتقاليدهم الأصلية، لتراثهم، لهويتهم ولمرجعياتهم القيمية. القصد هنا هو الاحتماء بمستويات دنيا في غياب حماية من لدن المستويات العليا وفي مقدمتها الدولة الوطنية أو ما تبقى منها.
هذا جانب أساسي أفرزته ظاهرة العولمة وتزايد مد الخوصصة، وتراجع دور الدولة في حماية الأفراد والجماعات بالزمن والمكان، فأدى ذلك إلى لجوء هؤلاء للاحتماء بالمستويات الدنيا الغير رسمية بالتأكيد، لكنها ناجعة وفعالة.
أما الجانب الثاني المرتبط بالسؤال فيتعلق بكيفية تعامل الدولة مع هذه الشبكات، ومع الثورة الرقمية بوجه عام. أتصور أنه إذا كان المقصود توظيف هذه الثورة الرقمية لبناء اقتصادات ومجتمعات معرفية، فهذا ممكن، إذ الثورة إياها هي بمثابة مدخل لتعميم التعليم والتعلم وترويج المعلومة التي هي كنه التنمية والتقدم.
أما إذا كان المقصود من السؤال هو كيفية درء مخاطر هذه الثورة والشبكات الاجتماعية المترتبة عنها، فإن الأمر يختلف لاعتبارين اثنين: الأول لأن الدولة كإطار مؤسساتي تقليدي لا تستطيع الفعل في شبكة عالمية غير ممركزة وافتراضية. والثاني، لأن موجات الاحتجاج قد تسلك مسالك أخرى لا علم للدولة الوطنية بها، من قبيل التنسيق من خارج حدودها، من خلال أبناء الوطن المتواجدين بالخارج.
أنا أعتقد أنه قد آن الأوان لنوظف هذه الثورة الرقمية لخدمة شعوبنا، على مستوى التعليم ونشر المعلومة والمعرفة، وتعميق التبادل والحوار، لا أن نتخذ منها عدوا ونقيضا يستوجب محاربته والتضييق عليه...أو استخدامه للتجسس على حميميات الأفراد والجماعات. 
حسب المعطيات التي توفرها حصيلة الربيع العربي، فإن الشبكات الاجتماعية لعبت دورا أساسيا في دعم التحول الديمقراطي وتيسير التواصل السريع بين مكونات الحراك الشعبي، لكن هناك من يرى أنه قبل هذه العملية سبقت عملية أخرى تتعلق بدور هذه الشبكات في التحول القيمي الذي حدث في العالم العربي، في نظركم كيف تقيمون هذا الدور؟ وما علاقته بالدور الذي قامت به هذه الشبكات بخصوص دعم التحول الديمقراطي في العالم العربي؟ 
هذه الشبكات لم تكن، كما سبقت الإشارة ، إلا عاملا مساعدا وفاسحا في المجال لهذه الحركات، على أن العنصر الحاسم كان للشعوب ولتجمعها بمئات الآلاف بالساحات العامة وبالطرقات والأزقة ومن على الشرفات أيضا.
صحيح أن هذه الشبكات قد دعمت التحول (ولا أقول التحول الديموقراطي، لأن الحراك الملاحظ بتونس ومصر لم يفرز ديموقراطية بعد). وصحيح أنها لعبت دورا تجنيديا لا يمكن الاستهانة به أو إنكار مفعوله. هي كانت العنصر الضروري بالتأكيد، لكنها لم تحسم المعركة. الذي حسم هذه المعركة هو الفعل والتواجد بأرض الواقع. هذا اعتقاد لدي راسخ، على الأقل بالقياس إلى ما لاحظته في سياق مستجدات إعلامية وتواصلية سابقة.
من جهة أخرى، فأنا ألاحظ أنه لم يكن لهذه الشبكات أن تؤثر وتدفع بجهة التحول، لولا توافر القابلية لذلك. بمعنى أن الشعوب بلغت من الغبن والظلم والضيم درجة لم تعد القابلية لديها متوفرة لتحمل المزيد. بالتالي فالاعتقاد بأنه كان ثمة وعي و"تحول قيمي" قبل الحراك الشعبي العربي ليس مجانبا للصواب كثيرا، لأن الشعوب، على جهلها وجوعها بلغت من الوعي "الطبيعي" ما يجعل منظومة قيمها ترفض الانصياع والاستمرار في تحمل الذل والإهانة إلى ما لا نهاية.
القصد هنا هو القول بأن القابلية كانت قائمة، سواء على مستوى وعي الشعوب، أو على مستوى تطلعها لتجاوز واقع حال مفاده التأويل الخاطئ والظالم لقوله تعالى ..."وأطيعوا أولي الأمر منكم".
هناك من يرى أن العالم الغربي راهن على إحداث تحول قيمي عميق في العالم العربي مبني على تعزيز ثقافة الفردانية وقيم الاستهلاك، ودفعت في اتجاه بناء نموذج ديمقراطي عربي غير مؤسس على هويته الإسلامية ومعادلته الاجتماعية، وإنما مبني على ثقافة الفرد، في نظركم إلى أي حد نجحت الشبكات الاجتماعية في إحداث هذا التحول؟ 
أزعم أن العديد من المستجدات التكنولوجية في ميدان الإعلام والاتصال قد أثرت في سلوك الأفراد والجماعات بهذا الشكل أو ذاك. وأزعم أن التلفزيون مثلا والإنترنيت والبث العابر للحدود قد أسهم في تعميم أشكال في الاستهلاك مرتكز على الذات وعلى الفرد وعلى الركض خلف الربح السريع بصرف النظر عن سبل وطرق تحصيله.
وأزعم بالتالي أن العديد من القيم تراجعت والعديد منها تقدم، كالنفور من القيم الاجتماعية التي تنشد التضامن والتكافل والتواصل المباشر وهكذا. هذه أمور معروفة ولا مجال للتفصيل فيها.
بخصوص الشبكات الاجتماعية، أتصور أنها خلقت اتصالا لكنها لم تخلق تواصلا. أعني أنها سهلت من سبل الاتصال الأدواتي، لكن على حساب قيم الحميمية والحرارة التي غالبا ما تصاحب عملية التواصل. سيكون لهذا تأثير لا محالة على مستوى القيم، لكن ذلك لن يكون من شأنه تهديد القيم المتجذرة في القلوب قبل العقول. والدليل على ذلك أن الجماهير التي نزلت بمئات الآلاف بميدان التحرير لم يترتب عنها عنف بين عناصرها، ولا تحرشا من نوع ما بهذه المرأة المشاركة أو تلك الفتاة. وهذا لوحده يبين أن القيم الأصل هي القاعدة، في حين أن القيم الدخيلة غالبا ما لا تجد لها إمكانية في التموطن أو التمكن من الفرد.

إضافة تعليق

1 + 15 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.