الجوائز الأدبية العربية تحت المجهر.. ملايين الدولارات سنويا.. والنتيجة كتاب يتركون الإبداع ويبحثون عن الجائزة "

يأخذ حديث الجوائز الأدبية في العالم العربي اليوم حيزاً كبيراً من حديث المثقفين والكتاب، ومن مساحات الصحافة الثقافية، فلا يهدأ الحديث عن جائزة إلا ويبدأ الحديث عن أخرى.. كانوا يتحدثون عن قلتها وندرتها، واليوم يتحدثون عن كثرتها، والمساوئ التي أتت بها هذه الكثرة الكاثرة.. لكن لا يبدو أن ثمة مبدأ ثابت في مثل هذه الأحاديث.. فأحد كبار منتقدي جائزة البوكر في دوراتها الماضية صار في الدورة الحالية عضو لجنة التحكيم وكان يستميت في الدفاع عنها. أحد الذين تحدثنا معهم حول الجائزة أثار إلى أحد أصدقائه من الذين ينتقدون الجوائز بشكل كبير جدا وقال: لا بد أن تعطى له إحدى هذه الجوائز حتى يترك هذا النقد والهجوم عليها!!
يمدح المادحون الجوائز لأهميتها في الاهتمام بالمثقف وباعتبارها دليلا على الاهتمام بالثقافة والفكر والفن، وينتقدها الناقدون لأنها أفسدت الإبداع لأنها جعلت الكاتب والمبدع يجري وراء الجوائز ولا يجري وراء الإبداع.
نقرأ مقالا لأحدهم يتحدث عن الجوائز وعن توجهاتها الإيديولوجية، ثم نفاجأ بأن ذلك الشخص أصبح عضوا في لجنة تحكيمها وأن له آراء متغيرة عما كنا نقرأ له، بل إنه يدافع عنها حتى الرمق الأخير.
في سنوات ماضية كان المثقف والصحافة الثقافية يتحدثون عن قلة الجوائز الأدبية في العالم العربي.. فجأة صارت الدول الخليجية تقدم الكثير من الجوائز الأدبية، وتنفق الملايين من الدولارات سنويا عليها.. ويعطى شاعر واحد سيحمل لقب «شاعر الرسول» 300 ألف دولار على قصيدة واحدة فقط!! ويعطى روائي واحد أكثر من ربع مليون على عمل روائي واحد لا يتفق الجميع على أهميته أحيانا.
ورغم قيمة جائزة «شاعر الرسول» إلا أن الشعر ليس هو بطل هذه الجوائز، وليس مغريا لها في شكله الحديث بشكل خاص.. لكن البطولة ذهبت إلى الرواية.. صارت الرواية أكثر إغراء، أكثر احتفاء من الشعر الذي كان هو بطل المحافل وزينة البلاطات منذ العصر الجاهلي وإلى وقت قريب من القرن الماضي.. ويرى البعض أن انتقال الكثير من الشعراء لكتابة الرواية يأتي في هذا السياق لا غيره.
لكن ليس كل الكتّاب العرب يثقون في الجوائز.. الكثير منهم يتوجس منها خيفة ولأسباب كثيرة مبثوثة في مقالاتهم ومن بينها الدول التي تمنحها أو أسماء الشخصيات التي تحملها ولذلك رفضها البعض وقبل بها البعض ثم عاد ورفضها «رفض الجانب المعنوي منها أما المادي فلا ذكر له» والبعض يتوجس منها لتوجهاتها الإيديولوجية التي تحاول تكريس خطاب أدبي معين، أو خطاب سياسي أو طائفي.
كانت مصر معروفة بجوائزها منذ سنوات طويلة وبقلاداتها ونياشينها للكتاب والأدباء، وكانت جوائزها، رغم تواضع قيمتها المادية جدا جدا، مغرية كثيرا ويتلهف عليها كبار الكتاب والأدباء في مصر، ويلاقي من يحصل عليها تقديرا عربيا وعالميا. طبعا تغيرت الأمور الآن.. لم يعد الأمر كما كان في جوائز مصر، حتى القيمة لم تعد متواضعة كما كانت رغم عدم جواز وضعها موضع المقارنة مع الجوائز التي تقدم في «الخليج» من الناحية المادية.
جائزة مبارك التي تحولت لاحقا إلى جائزة النيل والمتخصصة في الرواية تمنح الفائز بها 30 ألف دولار أمريكي. وجائزة رجل الأعمال نجيب ساويرس تبلغ قيمة جوائزها سنويا 100 ألف دولار أمريكي.
قصة الجوائز الأدبية في الخليج تعود إلى نهاية السبعينات حينما نشأت في المملكة العربية السعودية جائزة الملك فيصل العالمية التي تطورت قيمة جوائزها حتى وصلت الآن إلى 200 ألف دولار أمريكي.
في عام 2007 ظهرت إلى السطح الجائزة العالمية للرواية العربية بتعاون بين مؤسسة «البوكر» العالمية وهيئة أبوظبي للسياحة والثقافة. ويحصل الفائز بالمركز الأول على 50 ألف دولار أمريكي وترجمة روايته، فيما تحصل روايات القائمة القصيرة على 10 آلاف دولار أمريكي. وشكلت هذه الجائزة طفرة كبيرة في الجوائز، وتلهف عليها كتاب الرواية الذين تفاجأوا أن جائزة بهذه القيمة المادية وبهذا الحضور العربي تخصص للرواية.
ومنذ وقت مبكر كان في الكويت جوائز النادي العلمي، وجائزة البابطين التي تحظى هي الأخرى بتقدير كبير وبحضور عربي متميز.
وفي دولة الامارات العربية المتحدة هناك جائزة سلطان العويس التي أيضا تلقى تقديرا كبيرا لأنها تعطى عن مجمل تجربة المكرم لا عن عمل واحد من أعماله. ثم ظهرت جائزة الشارقة للإبداع الثقافي والتي تبلغ قيمة جوائزها 160 ألف دولار أمريكي. وفي الإمارات ظهرت جائزة الشيخ زايد أيضا التي تبلغ قيمة جوائزها سنويا 200 ألف دولار أمريكي، وفي دبي كانت هناك جائزة مجلة دبي وتبلغ قيمته جوائزها 50 ألف دولار أمريكي قبل أن تتوقف المجلة بالكامل.. لكن الإمارات تنفق سنويا على الجوائز مبلغا وقدره 1.2 مليون دولار أمريكي.
وقطر التي تنفق سنويا على الجوائز ما قيمته 1.4 مليون دولار أمريكي تخصص لجائزة الرواية العربية التي تمنحها المؤسسة العامة للحي الثقافي «كتارا» 825 ألف دولار أمريكي سنويا.
إلا أن أغلى هذه الجوائز من حيث القيمة المادية في الوطن العربي هي جائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب التي تأسست في عام 2011 وتخصص جوائزها سنة للعمانيين وسنة لعموم العرب. وتسير جائزة السلطان قابوس في عامها الخامس بخطى ثابتة من أجل تكريس نفسها بين الجوائز الأغلى والأهم خاصة أن القائمين عليها يؤكدون أنها لا تتبنى أي توجهات إلا الإبداع وهو ما تؤكد عليه لجان التحكيم. ومجموع جوائز جائزة السلطان قابوس التقديرية تبلغ 780 ألف دولار أمريكي تقسم على ثلاثة فائزين فقط يحصل كل واحد فيهم على مبلغ وقدره 260 ألف دولار أمريكي وهذا هو الرقم الأعلى في جميع الجوائز العربية إذا ما استثنينا جائزة «شاعر الرسول» والتي تبلغ قيمتها 300 ألف دولار أمريكي.
عليها الفائز عن «قصيدة» واحدة فقط ودشنت هذا العام نسختها الأولى.
في هذا التحقيق نحاول استطلاع آراء بعض المثقفين العرب حول هذه الجوائز من الذين نالوا بعضها أو شاركوا في تحكيمها أو لهم مواقف واضحة منها.
عندما سألنا الكاتب العماني محمود الرحبي الذي نال سابقا جائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب عن مجموعته القصصية القصصية «ساعة زوال»عما أضافت له الجائزة قال: أذكر ذات يوم كلمة قالها الكاتب الفلسطيني إبراهيم نصرالله في النادي الثقافي بمسقط «الجائزة وفرت لي أكثر من عشر سنوات لكي أركز على الكتابة» هذا ما يفترض أن تفعله الجائزة للكاتب صاحب المشروع والأسئلة المتواصلة. والسبب أن الكاتب العربي عصامي حد النخاع، إلى جانب تهميشه وصراعه حتى مع دور النشر. فهو مطلوب منه أن يدفع الأموال في كل خطوة يخطوها بداية من بيته ومعيشته وانتهاء بطباعته للكتب التي هي مجهود فكري مضن لا شك.. فالجائزة ليست فقط مال، انما كذلك تميز بين أقران. خاصة اذا كانت ذات سمعة جيدة ولا تخالطها الأهواء والتوجهات السياسية والاخلاقية والاجتماعية. وطبعا أنا ضد أن يكتب الكاتب من أجل جائزة معينة، إنما يكتب وفقا لقناعاته الفنية والموضوعية، ولا يمنع بعد ذلك من أن يدفع بعمله لأي جائزة طالما الأمر يتم في إطار التنافس الحر. فجميع كتاب العالم شاركوا بجوائز ومنهم من لم يفز وهذا لا يعني عدم استحقاقه إطلاقا، فالأمر دائما منوط بلجنة التحكيم. بالنسبة إلى جائزة السلطان قابوس ساعدتني في إيجاد أسس معيشية كالسكن مثلا الذي كنت استأجره. هذا الأمر انزاح عن ذهني وتفكيري بعد الجائزة . ومن غرائب الصدف أن الأخ الرسام رشيد عبد الرحمن الذي فاز معي بجائزة السلطان قابوس في مجال الفنون، أصبح جاري في المعبيلة وهو كذلك كان مشردا في بيوت الإيجار قبل الجائزة. رأيته مرة في مقهى «شاي كرك» في المعبيلة وقلت له ماذا تفعل في المعبيلة، فقال لي اشتريت بيتا بمبلغ الجائزة وسكنت أنا وأمي وأشار لببيته فكان قريبا مني.
ويضيف محمود الرحبي: أذكر أن بورخيس مات وفي نفسه شيء من نوبل، رغم أن بورخيس أكبر من كل جائزة حتى لو كانت نوبل، وهو مشهور جدا بدونها،حتى أن الناس كانوا يقصدون اليه لرؤيته وترك أثرا في حياتهم بأنهم قد شاهدوا يوما بورخيس عيانا. ولكن ربما الأمر كان يتعلق بأن الجائزة كانت ستساهم في تحقيق بعض أحلامه في السفر مثلا إلى مناطق بعيدة أو حتى بتحقيق حلم أخير ما . فجائزة نوبل ليست جائزة عادية إطلاقا. فهي تعني الخلود إلى أبد الآبدين.
وعندما سألنا إبراهيم فرغلي نفسه ماذا أضاف له وجود اسمه ضمن القائمة الطويلة لجائزة البوكر؟ قال: هذا سؤال صعب، لأنني في الحقيقة أكتب بمعايير خاصة جدا، وأزعم أن مشروعي مختلف تماما عن المشروعات السردية على الأقل بين أقراني من الكتاب في مصر، وبالتالي لا أنتظر من أي جائزة شيئا، فهي حقا لا يمكن أن تضيف شيئا لقيمة ما أكتب، لكن بالرغم من ذلك فإن للجائزة دورا مهما في توسيع رقعة الاهتمام أو التعريف بالأحرى برواياتي في أرجاء واسعة من العالم العربي، وهذا هو ما تقدمه الجائزة للكتاب من خارج دوائر البيست سيللر، في مصر، ويعانون من سوء توزيع كتبهم قطريا خارج مصر.
الكاتب «النجم»
وطرحنا سؤالا آخر على الروائي والجراح السوري خليل النعيمي «يقيم في باريس» الذي كان له موقف واضح من الجوائز العربية في الكثير من مقالاته.. وهو هل تساهم الجوائز الأدبية في صناعة «نجم» بالمعنى الاستهلاكي وفق المفهوم الإعلامي؟ وكان رد النعيمي سريعا بالقول: الجوائز تساهم في صناعة « اللَّجْم». وهي، ببريقها الإعلامي المفتعل، تلعب دوراً أساسياً في السلوك الاستهلاكي المسطِّح للعقول. نحن هنا لا نتحدث عن أشخاص، وإنما عن «ظاهرة ثقافية» خطيرة، اسمها : «الجوائز الأدبية» في العالم في العربي. هذه الظاهرة التي أخذت تتمدد، أخيراً، وتتَعَدّد، تُروِّج «لأشباح ثقافية»، وليس لمبدعين من طراز رفيع. وأكاد أقول إنها لا علاقة لها بالثقافة كما أفهمها أنا، ويفهمها الكثيرون من المهتمين بالإبداع. ولا تقُلْ لي : «هذا هو الموجود»! خطورة هذه « الظاهرة» هو تَعْميم الخوف. الخوف من الإهمال، من الإقصاء، من النسيان، من اللا اعتبار، من الاستبعاد عن المنَصّة، والحيلولة دون «المبدع» والأضواء. فالخوف في العالم العربي له أشكال كثيرة، وإنْ كان على رأسها: القمع.
من جانبه يجيب الروائي الكويتي طالب الرفاعي الذي رأس سابقا لجنة تحكيم جائزة البوكر ثم عاد وشارك في دورتها الأخيرة وكانت روايته مرشحة فوق العادة لولا بعض الأمور الفنية في تاريخ صدورها الأول.. والرفاعي أطلق نهاية العام الماضي من الملتقى الثقافي الذي يديره وبالشراكة مع الجامعة الأمريكية في الكويت «جائزة الملتقى» للقصة القصيرة العربية.
يقول ردا على نفس السؤال: نعم، تساهم الجوائز إلى حد ما في صناعة النجم وفق المفهوم الاستهلاكي. لكن، وفي جانب آخر فإن هذا النجم مطالب بأن يثبت جدارته ويقدم مشروعاً مقنعاً، وإلا غدت الجائزة طوقاً يلف رقبته وقد يخنقه. الجوائز قد تعلن عن ميلاد نجم، لكنها أعجز من أن تكرس نجماً، لأن العالم يعيش عصر الاستهلاك المتوحش فإن الجمهور سرعان ما يستهلك بضاعة ذلك النجم ويتحول إلى نجم آخر جديد.
أما الروائي المصري إبراهيم فرغلي والذي كانت روايته «معبد أنامل الحرير» قد وصلت إلى القائمة الطويلة في جائزة «البوكر» 2016 فلا يبتعد كثيرا عن فكرة الرفاعي، ويقول أن الأمر ليس قاعدة.. لكنه يستدرك بالقول: «رغم أنه أصبح ملموسا بشكل ما، خصوصا بالنسبة لجائزة مثل بوكر. هناك نصوص وجدت تماسا مع وجدان الجمهور من القراء، ووجدت في شخصية الكاتب نفسه «كاريزما» ما سهلت موضوع الانتشار، مثل حالة الكاتب الكويتي الصديق سعود السنعوسي مثلا، وهناك كتّاب كُثر أصبحوا نجوما بعد ترشحهم للقوائم الطويلة والقصيرة، مع ذلك فهذه المسألة ليست قاعدة أيضا. لأن هناك نجوما في مصر مثلا بلا جوائز، مثل أحمد مراد، أو الكاتب أحمد خالد توفيق مثلا. وعلي بدر من العراق مثلا، أو علي المقري من اليمن وغيرهم. لكن تظل خطورة الجوائز بالفعل بعيدا عن مسألة نجومية الكتاب التي قد تصنعها الجائزة هي سيادة معايير استهلاكية، أو تسويق «قضية» أو موضوع سياسي، أو حقوقي حتى باسم الرواية والأدب على ظهر هذه الجائزة أو تلك.
عضو لجنة تحكيم البوكر في دورتها الأخيرة ورئيس تحرير جريدة القاهرة الثقافية سيد محمود فيعترف أن الجوائز تصنع نجوما:
«بالتأكيد تساهم الجوائز في صناعة النجوم وهي صناعة استهلاكية أساسا، والنجم فيها هو طيف عابر والصمود محكوم بموهبة الكاتب واعتبارات التسويق والتكريس. ويضيف سيد محمود: البوكر تحديدا كرست لأسماء مثل المصري يوسف زيدان والسوري خالد خليفة والكويتي سعود السنعوسي والفلسطيني ربعي المدهون والسوداني حمور زيادة والمغربي طارق بكاري وتوجت عطاء بهاء طاهر ورجاء عالم.
الجوائز واستراتيجية الكتابة
يرى البعض أن الجوائز الأدبية باتت تهيمن اليوم على استراتيجية الكتابة الإبداعية والكتابة النقدية أيضا ولأسباب كثيرة بل إنها كما يرى الروائي خليل النعيمي ساهمت في نشر «الأمية الكتابية»، وأصبح « الاستِقْلام» ( اسمح لي بنحت هذا المصطلح الأدبي الجديد، الذي يعني وضع الأقلام المبدعة في خدمة الجوائز وأهلها) سيّد الساحة «الأدبية». وصار السؤال «المصرفيّ» : ماذا تكتب؟ بدلاً من السؤال المعْرِفيّ : «ماذا تقرأ»؟ هو السائد. وتحوّل حتى الشعراء الناجزون إلى كتابة الروايات التي بدأت «تبيض دولارات» كثيرة، وكأن حقبة الشعر عندهم كانت تمريناً لكتابة الرواية. وهو ما يُعبِّر، في الحقيقة، عن انتكاسة عميقة في الوجود الثقافيّ العربي. ليس لأن الشعر ـ وقد تخيَّلْتُ موته منذ عقد الثمانينيّات الماضي، في كُتَيِّبي: «موت الشِعْر» الذي طُبِّقَتْ مفهوماته على «أدونيس»، وأعيد نشره كاملاً في مجلة «دراسات عربية» البيروتية ـ هو «الفقيد الغالي»، ولكن لأن هذه الجوائز حَوَّلت الثقافة، إلى «مهزلة ثقافية»، لا نظير لها في تاريخ المجتمعات الإنسانية الحديثة. بتأثيرها اللاهِب صار «الفضاء الثقافي» مجرد مشهد هزليّ، له علاقة بالتجارة والسمسرة أكثر مما له علاقة بالأدب. وهو ما يشرح فرح الناشرين له، واحتفاءهم به. وقد ساهم في هذا المشهد الفظيع بعض «الأكاديميين» العرب الهُواة. أما الكويتي طالب الرفاعي فهو يرى أن الإبداع شأن خاص، فهناك كتّاب عرب لا يضعون الجوائز في خلدهم أثناء الكتابة، فالكتابة بالنسبة لهم هي درب حياة، وهم يكتبون لأن بالكتابة وحدها يستطيعون العيش والتوازن مع الواقع المختل الذي يحيط بهم. وفي الوقت نفسه، فإنه من الصعب نكران أن البعض يكتب للجوائز. لكن ذلك أعجز بكثير من أن يشكّل استراتيجية للكتابة والنقد، خاصة وأن ساحة النقد العربي حاضراً تقوم على جهود شخصية متفرقة.
محكوم عليها بالفشل
ويقول إبراهيم فرغلي: للأسف أظن أن بعض الكتاب خصوصا من الأجيال الأحدث قد يرون في فوز رواية ما بجائزة «وصفة» يمكن اتباعها، وقد يرى البعض أن وضع اسم بلد معين في النص قد يحرج اللجان مثلا إذا كانت الجائزة تصدر عن هذا البلد! ولكن مع ذلك أظن أن الكتابة للجوائز محكوم عليها بالفشل لأن اللجان تتغير وتتغير الذائقة، وربما كذلك تسعى اللجان للكثير من الرصانة والالتزام بالمعايير الأسلوبية والندية والجمالية أكثر وأكثر بمرور الوقت، لأن عدم الالتزام بهذه المعايير سبب في أكثر من فضيحة ثقافية لعلم الجميع أعلم بها مني.
من جانبه يرى سيد محمود أنه «لا ينبغي لنا ان نحاكم أي كاتب لمجرد سعيه لكتابة نص يستحق جائزة، لأنه لا توجد مواصفات جاهزة لحيازة جائزة، ربما الأمر يلائم الترجمة للغات أجنبية التي يحكمها سوق يبحث غالبا عن «أنماط محددة» أما الجوائز فهي انعكاس لأذواق لجان تحكيم أكثر من أي شيء آخر.
ينفي طالب الرفاعي أنه يمكن أن يتشكل خلال السنوات القادمة ما يمكن أن نسميه «أدب الجوائز» لسبب بسيط من وجهة نظره هو أن هناك روايات حازت على جوائز وترجمات ولكن سرعان ما طمرتها أتربة النسيان.
وهو الرأي نفسه الذي يقول به الدكتور خليل النعيمي والذي يعلل هو الآخر ما يذهب إليه بالقول إن «هذه الظاهرة الفاسدة تحمل عوامل فنائها في ذاتها. ولأن المنضويين تحت «خيمتها» لا يمثِّلون القوة العربية المضادة للتخلّف. إنهم، على العكس من المظاهر المصطنعة، عوامل تقهقُر ثقافيّ مريع، ونكوص معرفيّ مخيف. وليس لهم أي منفذ تاريخي نحو الغد. هم لا يمثّلون النجابة، وإنما التخاذل. ولا يساهمون في نجاتنا من الابتذال، وإنما يدفعوننا إلى الغَرَق فيه. فلم يحدث في التاريخ أن «الدراهم» انتشَلَتْ ثقافة من الحضيض. الثقافة يخلِّدها الشعور بالعزة، والمعاناة الإنسانية العميقة، والبحث الصارم في الوجود. أما السجود لمن يَهِب أكثر فليس له أثَر تاريخي في مخيلة الإنسانية. ولن يبقى منه، في نهاية المطاف، إلا زبد أوراق «المستَقْلمين» الذين جعلتهم الجوائز يعتقدون أنهم «خالدون»، ذات يوم.
من جانبه يقول إبراهيم فرغلي: لو تشكل هذا الأدب فأبشر بانهيار فني كبير ! وأتمنى ألا يحدث ذلك حقا. أرجو أن تركز الصحافة الثقافية العربية على الأعمال الأدبية التي تحظى بالجوائز في الغرب لندرك أن مهمة تلك الجوائز هي باستمرار اكتشاف طاقة سردية مختلفة، وفتح أفق جديد للتجريب وللمغامرات السردية، ولهذا تستمر الجوائز هناك وتتجدد الطاقة السردية. لكن لو ظهر ما تسميه أدب الجوائز فهذا يعني انهيار حقيقي للأدب في أي مكان، شرقا أو غربا. لكن سيد محمود يقرأ الموضوع من جهة أخرى فيقول: أنا صحافي واعتقد أن هناك تسميات تصنعها المعارك الصحفية ومنها هذا المسمى، ففي اعتقادي لا يوجد أدب جوائز وإنما هناك نصوص تستحق الجوائز أو لا تستحق، فنحن دوما نحاسب لجان التحكيم لأنها تفادت نصوص بعينيها أو ظلمتها ولم تساهم في تكريسها غير أننا ننسي في المقابل ان لدى كل لجنة دايما جائزة واحدة وكثيرا ما تعجز اللجنة عن أنصاف أكثر من نص وتتوجه لنص واحد لكنه ليس النص الوحيد.
سلطة على التقييم والقراء
السؤال الذي يحضر في هذا السياق أيضا هو هل تحولت الجوائز إلى سلطة تقييم وبذلك أثرت على توجهات القراء وبالتالي توجهات الكتاب الذين يحلمون أو يكتبون من أجل نيل الجوائز؟
وأول من يجيب على هذا السؤال خليل النعيمي الذي يرى أنها تحولت ، بالفعل، إلى «سلطة تَخْديم»! فقط. وليس لها الحق في تقويم الإبداع. والجواب الباقي يتضمنه سؤالك الحصيف: هي سلطة عند الكتاب الذين يحلمون بها، ويكتبون من أجلها. و«كُتّابها» الذين يبحثون عن شهرة سريعة دون جهد خلّاق، وحتى دون «تاريخ شخصيّ» يستحقها، لا يمثلوننا. نحن لا نُقرُّ لهم بأحقية لأنهم نالوا جائزة. الأحقية في الإبداع للمخيلة الحرة ، وللفكر النقيض. وهذه الجوائز، في النهاية، لا تكرس الإبداع ولا الخصوصية. ولا تحتفي، كما رأينا، إلا بالمألوف والمعروف. وهما بعيدان عن «موهبة الحياة». إنها تخْنق الإبداع بدلاً من أن تجعله ينتشي. ولا يدهشنا بعد ذلك أننا لم نحمل، طويلاً، في قلوبنا، ولا في عقولنا، منذ سنوات أياّ من «مريدي» هذه الجوائز ، برغم التهْبيل والتطبيل المرافق لمنحها لهم. فنارها نار قشّ سرعان ما تنطفئ، وليست ناراً خالدة تظل تضيء. مَن مِنا يتذكّر الفائز الثاني أو الثالث بها؟ ومن منا نسي نجيب محفوظ؟
لكن طالب الرفاعي يرى أنها كذلك، تحولت إلى سلطة تقييم إلى حدٍ ما، فتوجهات القراء مرتهنة إلى الإعلام بأنواعه، والجوائز حاضرة بقوة في المشهد الإعلامي. لذا فإن الجوائز في جانب منها أخذت جمهور القراء إلى كتّابها، لكن القارئ الذي يسير وراء الجوائز اليوم لابدَّ وأن يكوّن ذائقة خاصة به ويستغل عنها في وقت لاحق.
ولا يختلف رأي سيد محمود كثيرا عن رأي الرفاعي، فمحمود يرى أنها تساهم في حفز القارئ والناقد وتساهم بفعالية في ارتفاع توزيع الكتب والروايات وتصنع توجهات الناشرين أيضا وتغير اتجاهات القراءة وفاترينات المكتبات وهو أمر محمود فقبل الجوائز لم يعرف بلدا مثل مصر نشاطا واسعا للمكتبات الحديثة ولا سياسات تنافسية بين دور النشر لاستقطاب الكتاب بما في ذلك الشباب بحثا عن جائزة وهي تنافسية لصالح القارئ والأدب العربي إجمالا بشرط أن تؤدي الحركة النقدية دورها في غربلة هذه النصوص وتقييمها لكي تكتمل المعادلة مع حركة التاريخ.
أما إبراهيم فرغلي فيرى أنه لا ينبغي للجوائز أن تكون سلطة، لكن انظر مثلا في معارض الكتب ومهرجانات الكتاب ذات الطابع العربي الإقليمي، تجد القائمين عليها يرشحون للمشاركة أغلب كتاب الجوائز، وهنا يكون بداية تحويل الجائزة إلى سلطة. ربما لأن الأغلبية تستسهل في اختيار أشخاص تكون الجوائز مسوغا جاهزا لوجودهم وضمان جمهور لهم، ولكن استمرار هذا النهج يسئ للمشهد الثقافي لأن عدد الكتاب العرب المهمين في العالم العربي كبير، بجوائز أو بلا جوائز.
هل تمثل الواقع؟
السؤال الذي يبدو حائرا أيضا وسط كل هذه الأسئلة وهذا الزحام الكلامي حول الجوائز الأدبية العربية هو هل تمثل هذه الأعمال التي تلقى تتويجا بالجوائز وتلقى احتفاء من القراء، الواقع العربي؟
طالب الرفاعي يرى أن الكتابة في تجليها الأهم هي انعكاس فني تخييلي للواقع. مضيفا: مؤكد أن جزءاً من الأعمال التي تفوز بالجوائز تمثل الواقع العربي. أما بخصوص الشطر الثاني من السؤال، فان الكتابة يجب أن تخوض في الواقع الإنساني، وأن تاريخ الكتابة البشرية يقول بأن الأعمال الخالدة هي تلك التي وثّقت لواقعها الخاص بشكل مبدع وإنساني.
وإبراهيم فرغلي يؤكد أن مجملها يقوم بتمثيل الواقع العربي. ويواصل كلامه بالقول: شخصيا التعبير عن الواقع في حد ذاته قد لا يكون سلبيا، لكن كيفية التعبير عنه في تقديري الشخصي هو الإشكال، النقل الواقعي للواقع قد يكون مباشرا جدا بالنسبة للتطور الكبير الذي قطعته الرواية في تاريخها. أرى أن الفانتازيا والميتا رواية أيضا يمكن أن تعيد تصوير الواقع وهذا هو المطلوب فنيا. مع ذلك ترى بعض الاستثناءات أحيانا وإن كانت نادرة، كما في رواية موسم صيد الزنجور الكاتب المغربي إسماعيل غزالي الذي رشح للقائمة الطويلة قبل أعوام، هو رسخ لفكرة الأسطورة والخيال الفنتازي في عمل له طابع إنساني.
أما خليل النعيمي فيقول: كل كتابة تمثِّل واقعها. أو تحاول ذلك، حتى ولو كانت نقيضاً له. فلا يشبه الأصل، إلا النقيض. تذكَّر السلطة والمعارضة في العالم العربي. لكن تمثيل الواقع ليس «حكم قيمة». إنه «تخمين» منطقي. لكنه منطقيّ أكثر منه تخميناً. وعلى أي حال لا بد من إخراج الأدب من هذه « الحَصْرَة» الضيقة : الواقع وزواياه. وجَرّه إلى فضاء أكثر رحابة يلعب فيه على هواه. الأدب أهْواء. ومَنْ لا يتبَعْ أهواءه، ستمْحوه الكتابة من تاريخها. ولدينا في العالم العربي أمثلة كثيرة على كُتّاب شاخوا، وما زالوا «حديثي السن كتابياً».
ويضيف النعيمي: نحن، هنا، لا يهمنا أن تمثل الكتابة، أو لا تمثل، الواقع. فليس ذلك هو المطلوب من الإبداع. وليس لأحد أن يفرض على الإبداع أية قاعدة، أو شبهة، أو قانون، أيّاً كان شأنه، ومبرره. ما يهمّنا هنا، هو الكيفية التي بها يُنجز الإبداع. وهذه الكيفية تُناقض بشكل صارخ كل مفهوم للجوائز الممنوحة « سَلَفاً» لمن يستجيب أكثر لشروطها. لأن الإبداع الحقيقي، هو، تماماً مثل «الحُبّ»، حتى لا نقول شيئاً آخر: ليس له مبرر، ولا دافع، إلا «وعي» فاعله بأهمية ما يفعل. وتمتُّعه العميق بما يفعل.
القيمة الإبداعية
عندما سألنا سيد محمود الذي شارك في تحكيم الدور الأخيرة من جائزة «البوكر» عن: إلى أي مدى مقدار المدى الذي تعتمد مثل هذه الجوائز على القيمة الابداعية معيارا في التقييم.. وهل تعتقد أن لهذه الجائزة وغيرها من الجوائز مشروعا ثقافيا حقيقيا أم لها أجندات خاصة تظر وتتكشف من خلال الأعمال الفائزة والاسماء التي تختارها لنيل الجوائز؟ كان رده بالقول: لا يمكن الحكم قطعا بفساد الجوائز في المطلق أو عدم مراعاة بعضها للقيمة الابداعية، فعلي سبيل المثال ثمة إجماع عربي على تمييز جائزة سلطان العويس لكنها اختارت أن تتوجه لأسماء اكتمل العطاء في تجربتها فهي بهذا المعنى جائزة تتويج وليست للتقديم او التكريس وهو خيار الجوائز الاخرى ومن بينها البوكر التي كثيرا ما تفاجئ القارئ والناقد بما تختار ومن ثم فإن عنصر المفاجأة ذاته يمثل تحديا، وميزة البوكر منذ انطلاقها أنها تختار النص وليس الكاتب وفي اعتقادي إن كثيرا من النصوص التي نالتها تستحق الالتفات النقدي والجماهيري الذي يترتب على الفوز والعبرة دائما بالنتيجة، والجوائز إجمالا هي جزء مما يسمى الآن بسياسات الأدب وهي سياسات لا يمكن النظر اليها بمعزل عن السياق السياسي والثقافي الذي أفرزها فمنذ الحقبة النفطية تسعى الدول الخليجية المنتجة للنفط لأن تلعب دورا ثقافيا وهذا امر لا يعيبها او ينتقص من دورها طالما توجهت لأسماء او لنصوص تستحق وطالما انها لم تستهدف تأكيد النعرات الطائفية وغيرها من صور التمييز وبالتالي الجوائز جزء من صراعات الهيمنة والنفوذ المستمد مما يسمى بالقوى الناعمة وكانت الثقافة المصرية تقليديا وبالذات خلال العهد الناصري مصدرا لأي تكريس ، غير ان الامر تغير منذ السبعينات حيث اصبحت الكويت عبر جوائز مؤسسة التقدم العلمي هي الفاعل لرئيسي في هذا الجانب ومنذ نهاية التسعينيات دخلت دولة الإمارات العربية على الخط وأصبحت تقدم الجوائز المتميزة في مجالات ثقافية وفنية متميزة في إطار طموحها لأن تلعب دورا في محيطها بعد أن ساهم تدهور الوضع الامني في العراق في تراجع حضوره في المجال وهو حضور ارتبط بجائزة صدام التي كان لها شأنا كبيرا في الثمانينيات وبالتالي لا يمكن فصل الثقافة عن السياسة غير أن الإمارات استطاعت النجاة من هذا الارتباط الى حد كبير بفضل رهان جوائزها على القيمة غير المشروطة بتماهي موقف الحائزين مع مواقف الدولة التي تسعى لان تكون دولة حديثة تلعب فيها الثقافة دورا محوريا لذلك أطلقت إلى جانب الجوائز مشروعات لتشجيع القراءة والترجمة وأغلبها يعتمد على كوادر عربية واجنبية بغرض المساهمة في تحديث الدولة وإضفاء طابع عصري عليها.
أما طالب الرفاعي فيقول: إن دور أي جائزة في العالم إنما يقتصر في الإشارة إلى مبدع، وتكريمه للإعلاء من شأن
الإبداع والأدب. ومؤكد أن لكل جائزة معاييرها الإبداعية الخاصة بها. وبخصوص الأجندات فإن كل جائزة قادرة على صنع سمعتها ونزاهتها.
سوق الطباعة والنشر
وحول ما إذا كانت هذه الجوائز ساهمت في تغيير قوانين وتقاليد سوق الطباعة والنشر في العالم العربي يقول إبراهيم فرغلي: طبعا، ولا أعرف لحسن الحظ أم لسوء الحظ، فقد أصبحت دور النشر جميعا مهتمة بالروايات، مثلا، حتى دور النشر التي لم تكن مهتمة بالأدب. وربما أيضا تهتم دور النشر بنشر روايات بمواصفات محددة قد ترى أنها ترشحها للفوز بجائزة. طبعا مع الأسف أصبحنا نسمع، خصوصا مع تكالب بعض الكتاب على الجوائز، أن بعض دور النشر تقترح مناصفة الكتاب في الجوائز كشرط لكي يتقدموا بها للمسابقات أو الجوائز. والحقيقة أن ما ينبغي أن يفعله الناشرون هو البحث عن كل السبل الممكنة لترويج كتب كتابهم، بكل طاقاتهم، وفتح آفاق مختلفة وواسعة وقوية للتوزيع، وابتكار أقسام للترويج مهمتها ترويج كتابها في كل مجالات المعرفة وليس الأدب فقط، وحينها سيكون المراد قد تحقق بديلا لهذا التكالب المرضي على الجوائز.
لماذا دول الخليج؟
سألنا طالب الرفاعي لماذا تنفق دول الخليج العربي بسخاء على الجوائز الأدبية، رغم أنها تذهب عادة إلى كتاب خارج جغرافيا الخليج؟
قال: دول الخليج العربي تنفق بسخاء، إذا صح تعبيركم هذا، على الجوائز الأدبية، لأن الجوائز الأدبية، وضمن المناسبات الثقافية والفنية، وحدها باتت تجمع أبناء أقطار الوطن العربي ومبدعيه ومثقفيه حول طاولة اللحظة الحاضرة بهمومهم الكثيرة وبصيص آمالهم المؤلم. أما فيما يخص كونها تذهب لكتّاب خارج جغرافيا الخليج، فهذا مدحٌ وليس ذما لها، وهناك من حصل عليها من أبناء الخليج، ومؤكد أن من بين الكتّاب العرب الذين حصلوا عليها من يستحقها، وبينهم من حصل عليها دون وجه استحقاق.

إضافة تعليق