الحداثة ومابعد الحداثة ؛.. مقاربات فلسفية

تعددت الآراء في العلاقة الجدلية بين الحداثة، وما بعد الحداثة. ويعود ذلك إلى عدة أسباب منها؛ غموض النسبة الزمنية لنشوء ما بعد الحداثة، بوصفه مفهوماً يقوم على أنقاض الحداثة، فضلاً عن كونه مفهوماً نشأ وترعرع في رحمها. وقد وجدنا أن الحديث عن ماهية تلك العلاقة بين الحداثة وما بعدها هو المنهج المقارب، الذي لا شك أنه سيسهم في فهم (ما بعد الحداثة)، بوصفه مفهوماً ما زال يكتنفه الغموض والتناقض، حتى صار يتحدى التعريف أيضاً كحال مفهوم سابقه (الحداثة).
ومن هنا، سنستند إلى مفهوم النفي أو السلبية الذي طرحه هيجل في فلسفته الجدلية، والتي مفادها أن "الكل يتقدم في الأشياء وفي الروح عن طريق المتناقضات التي تنحل كل مرة في صورة تركيب تنبثق منه تناقضات جديدة، وهذه الحركة الجلية هي مصدر النمو والتطور الذي ينتقل به الموجود من حالة ما، فقيرة ومجردة إلى حالة أكثر غنى وأوفر عينية. ولا يعني هيجل بالجدلي، سوى أنه النمط الذي يتم على شاكلته التطور خلال الصراع الباطن، أو آلية النمو وسط النزاع الداخلي. ويبقى الجدل الهيجلي تصوراً عن النزاع الداخلي"([1]) الذي يشير به هيجل إلى التناقض الذي يحكم الحركة الحقيقية للعالم.
وتتأسس فكرة هيجل على أن الفكرة تحمل في حناياها النقيض، مع وجود النقيض في داخل هذا النقيض، وهذا التسلسل في الأدوار، ينتهي بوصوله إلى المطلق. وعند هيجل لا يكون النفي كلياً مطلقاً كما كان في الفلسفات السابقة لهيجل. وإنما يكون النفي جزئياً. ومن هنا، يكون الاتصال والانفصال سمة من سمات هذا النفي؛ فالنقيض المولود داخل الفكرة لايجتثها من جذورها، وإنما ينفيها على نحو جزئي، ليقيم صرحه على هذا الجزء المنفي الذي سيستمر مع بقايا الفكرة الأصلية([2]).
ونظن أن هذا ما ينطبق على العلاقة الجدلية بين الحداثة وما بعد الحداثة، إذ تتأسس ما بعد الحداثة (جزئياً)على أنقاض الحداثة، وتقوم على أرضية هذا النفي الجزئي متزامنة مع سيرورة الحداثة. ويؤمن بتلك الفكرة – ولو على نحو ضمني – عدد غير قليل من المفكرين والفلاسفة المعاصرين المهتمين بفكر الحداثة ومابعدها كما هي الحال عند إيهاب حسن([3]).ويتبعه كل من يورغن هابرماس، وفرانسوليوتار؛ فكلاهما يؤمن باستحالة فصل الحداثة عما بعد الحداثة([4])، وإن قال بعضهم بأن ما بعد الحداثة ردّ فعل كلي على الحداثة، كما هي الحال عند ديفيد هارفي، وجاك ديريدا، وميشيل فوكو، وألان تورين وجياني فانتيمو([5]).
ولابد من الإشارة إلى أن مبدأ الخلط يعود إلى أن مواقف بعض النقاد والمفكرين متناقضة من جهة المبدأ من موقعية ما بعد الحداثة من الحداثة. مع أنهم يؤمنون ولو ضمنياً بأن الحداثة لم تنته، ولم يأفل نجمها تماماً، فما زالت مابعد الحداثة تحمل في حناياها مزيداً من الحداثة، كما سنلحظ ذلك في مباحث الرواية الجديدة التي أبرز ما يميزها هو صعوبة الفرز بين معطيات الحداثة ومابعد الحداثة في متونها.
وكان لابد لنا من عرض لأهم عيوب الحداثة، بوصفها الجزء النسبي الذي قامت على أنقاضه ما بعد الحداثة، فعلى الرغم من أن الحداثة – بوصفها ظاهرة شمولية- انمازت بسمة الإبهار والسحر، باستنادها إلى سلطة العقل، وسلطة المنهج التي عززتها البنيوية، في حقولها المعرفية المختلفة؛ لكنها. كما يصفها هنري لوفيفر بأنها "لا تواصل مسيرتها بدون أزمات. إن التناقضات تعبث فيها من كل جانب، وتعمل عملها الذي لو تحقق... سيحول الحياة، بل أكثر من ذلك أن الأزمات تتعدد في قلب هذه الحداثة، وتتقارب من بعضها البعض الآخر"([6]) فضلا عن كونها تعكس جملة من الأوهام والالتباسات والتناقضات، وتوقع في شرك الإبهام والغموض،([7]) ومن ضمن تلك الأوهام أنها لم تخرج من الخطاب الميتافيزيقي واللاهوتي الذي اعتقدت نفسها أنها ثورة عليه، وإنها لاغية لأنطولوجيته وإبستمولوجيته في آن واحد؛ فهي استبدلت اسم الإله، أو الوجود المطلق باسم الإنسان([8])، حتى زعم مفكرو ما بعد الحداثة – كما فعل ديريدا مثلاً- أن الحداثة نفسها وقعت في الميتافيزيقا أيضاً، مستنداً في فكرته إلى تفنيداته المعمقة لفكر مؤسس المنهج البنيوي دي سوسير، والأنثروبولوجي ليفي شتراوس وجان جاك روسو وغيرهم، مما حداه على الزعم أن الحداثة قد بليت أدواتها وعلاها الصدأ.([9]) ولما كانت المعرفة الدينية من منظور وضعي تحتاج إلى إيمان ميتافيزيقي (غيبي) غير ممكن البرهنة عليه دومًا؛ فإن المعرفة الغربية الوضعية المادية ليست أقل ميتافيزيقيةً من المعرفة الدينية، فهي تنتهي في المحصلة إلى الجزم بمرجعية المادة وحدها، في الوقت الذي تشكل هذه النتيجة أحد الاحتمالات الممكنة فحسب([10]).
ويرى الناقد شكري عياد أن التناقض الأساسي في البنيوية أو (الحداثة) هو التناقض الأساسي في الحضارة نفسها، إذ نجد سعياً مستمراً لتحويل كل عمل من أعمال الإنسان إلى نظام آلي يقوم به الكمبيوتر، في مقابل ذلك انهارت كل الضوابط التي تضبط سلوك الإنسان نفسه. كما حاولت الحداثة المتمثلة بالبنيوية – بحسب رأيه – أن تقنن الأدب بوصفه نظاماً عقلياً مجرداً، ولكنّها اصطدمت بالأدب، بوصفه نتاجاً يعبر عن الحالة النفسية للإنسان المعاصر وهمومه([11])، وفي محاكمته للبنيوية، طرح شكري عياد جملة من التناقضات التي تعتري المنهج البنيوي، كما هي الحال في القول بوجود البنية الأدبية العامة التي هي جوهر الظاهرة الأدبية، ومن جهة أخرى تتضمن البنيوية القول بأنّ لكل عمل قانونه([12])، وعلى الرغم من أن البنيوية أنزلت العقل من نماذجه المعرفية التقليدية والمحدودة، إلى ما يحدّ من أدوات الفهم وأنساق المعرفة، فثمة أنموذج أعلى وأشد خفاءً يوجه عمق الثورة البنيوية المعرفية، وهو قياس الفكر الغريب (الآخر)على وفق معطيات وتحديدات الفكر الأليف (الذات) مما يعزز أسس المركزية العرقية الغربية؛ فالإنسان الأبيض لم يعد سيداً، لكنّ وسائله لبلوغ المعرفة، ستظل واحدة في نسقها التقليدي الذي يؤمن بوجوب تعميم رسالة الإنسان الأبيض وعقله على الشعوب الأخرى.([13])
ولعل أبرز التناقضات التي يرصدها ألان تورين تتمثل بأن "فكرة الحداثة في شكلها الأكثر صلابة والأشد تواضعاً، عندما تحددت بتدمير النظم القديمة وبانتصار العقلانية، فقدت قوتها في التحرر وفي الإبداع. ولا تستطيع الصمود أمام القوى المتعارضة، مثل الدعوة الكريمة لحقوق الإنسان، وصعود الاختلافية والعنصرية"([14]). ويقر ألان تورين بحدة المفهوم التقليدي للحداثة، بل بعنفه، فهو يصفه بكونه نداء للتحرر مثل نداءات الثوار، ومثل كل رفض للتواطؤ مع الأشكال التقليدية للتنظيم الاجتماعي والاعتقادات الوسطى وبإيجاد الثقة التي كانت لدى القدماء في العقل، وإعطاء الأهمية المركزية للعمل وتنظيم الإنتاج وحرية التبادل وعلو القوانين على الأشخاص. وعلى الرغم من ذلك، فهو يرى حدودها من جانبه الآخر (االسلبي) الذي يعزز دورها السلطوي المهيمن، فهي تؤسس سيطرة النخبة المرشدة والتحديثية على بقية العالم بوساطة تنظيم التجارة والمصانع وبالاستعمار. إن انتصار الحداثة يعني إلغاء المبادئ الخالدة والقضاء على كل جوهر. النزعة الحداثية معادية للنزعة الإنسانية، إنها تعرف جيداً كل وحي، وكل مبدأ أخلاقي يخلق فراغاً يتم ملؤه بفكرة المجتمع أي بفكرة النفعية الاجتماعية. فالإنسان ليس إلا مواطنا، والبِّر يصبح تضامناً والضمير احتراماً للقانون، ويحل الإداريون ورجال القانون محل الأنبياء.([15])
أما النقد العربي المعاصر (بشقيه الفلسفي والأدبي) فقد تعرض إلى قضية التطرف في التعامل مع مفهوم الحداثة، كما هي الحال عند محمد عابد الجابري الذي انتقد موقف الحداثيين من التراث، إذ وصفوا الاهتمام بالتراث بظاهرة مرضية أو (عصاب جماعي) أصاب المثقفين العرب بعد نكسة 1967، والحداثيون يتخيلون أن التراث العربي الإسلامي هو ككل تراث، مجرد بضاعة تنتمي إلى الماضي، ويجب أن تبقى في الماضي، ويرى الجابري أن هذا الموقف ينم عن عدم تقدير كافٍ للإشكالية المطروحة في الثقافة العربية منذ عصر التدوين إلى اليوم، مفادها أن الحركة داخلها لا تتجسد في إنتاج الجديد، بل في إعادة إنتاج القديم([16]).
وقد تعرض الدكتور عبد العزيز حموده في مقاربته النقدية لمفهوم الحداثة، الذي يعدّه غائماً بسبب منهجية الإبهار، ولاسيما في المشهد النقدي العربي متمثلاً بفارس من فرسان البنيوية، وهو الدكتور جابر عصفور الذي يتعمد الغموض – كما يرى عبد العزيز حموده – والمراوغة باستعمال الميتا لغة، وهما لازمتان من لوازم لغة الحداثيين العرب وغير العرب، والتي تتطلب الاستعانة الدائمة بمعاجم حديثة في الدراسات النفسية واللغوية والنقدية لتحديد دلالات المفردات الباهرة من مثل "الوعي" و"الإدراك" و"الأنا الفاعلة" و"القطيعة المعرفية"([17]). ويعرض حموده تعريف جابر عصفور الذي وصف الحداثة بأنها (حالة وعي تنبثق في اللحظة التي تتمرد فيها الأنا الفاعلة للوعي على طرائقها المضادة في الإدراك)؛ إذ يرى حمودة أن تعريف الحداثة عند جابر عصفور يحمل كثيرا من التعسف والتمحل، حيث يصف جابر عصفور، الحداثة في مكان آخر بأنها "الإبداع في تحققه على المستوى الثقافي العام"، ويتساءل حمودة عن فائدة هذه الضجة والجلبة التي ذرفها الحداثيون العرب حول مصطلح الحداثة. وعلى الرغم من اللغة المغلفة بلغة علم النفس التي حددوا فيها مصطلح الحداثة، لكنهم لم يضيفوا شيئا([18]). ويعزز عبد العزيزة حمودة موقفه مقتديا بالناقد الغربي المتمرد على القيم البنيوية والتفكيكية من خلال اختراق كينونتها بلغة منطقية يسيرة، تختزل المفاهيم دون الاستناد إلى اللغة السفسطائية، وهو الناقد جوناثان كوللر المنبوذ من لدن زملائه البنيويين، ومن هنا راح يحاكم مقولات الحداثيين العرب بقوله "إن حداثة هؤلاء الشعراء الذين يكتب عنهم" حالة وعي متغير، يبدأ في الشك فيما هو قائم، ويعيد التساؤل فيما هو مسلم به، ويتجاوز ذلك إلى صياغة إبداعية جذرية، لتغير حادث في علاقات المجتمع "قول لا جديد فيه. ولكنه ترديد جديد لمفهوم قديم قدم الإبداع ذاته، إلى درجة أننا في ظل هذا التعريف للحداثة، نستطيع القول إن كتاب الأدب المدون على مدى خمسة وعشرين قرناً حداثيون، جميعهم وبلا استثناء. .. فالشاعر المحدث في رأي جابر عصفور، هو الذي يبدع في الحاضر مقابل الشاعر الذي أبدع في الماضي...". هل في كل ما قيل هنا جديد؟.... إن أبسط المبادئ النقدية التي نعلمها لأبنائنا، أن الإبداع في كل صوره ومدارسه وتقسيماته نقد الواقع، أخذنا ذلك من شيخ النقاد جميعاً، وهو أرسطو حينما عرف الأدب بأنه محاكاة لا لما هو كائن أو موجود، بل لما يحتمل أن يكون، أو ما يجب أن يكون. حتى اليوتوبيا التي صور فيها توماس مور مدينته الفاضلة، تعد نقداً للواقع واستشرافاً للمستقبل، فهي تعلق بصورة غير مباشرة على واقع مرفوض..."([19])
نفقه مما تقدم، أن بعض النقاد والمفكرين، ومنهم عبد العزيز حمودة، يرون أنه ليس هناك مشروع حداثة عربية أصلاً، بل هي مرايا محدبة لما أنتجته المنظومة الفكرية الغربية، وهو إتباع أكثر من كونه إبداعاً([20]).
تصف ما بعد الحداثة - على نحو عام – نطاقاً واسعاً من التغيرات التي شهدها الفكر الإنساني في العقود الأولى من القرن العشرين؛ فهي تعود إلى تحولين أساسيين في الغرب؛ وهما نهاية الهيمنة الأوربية على العالم، وانفجار ثورة الاتصالات التي أدت إلى انتشار الثقافات المحلية والفرعية والهامش. وعلى الرغم من صعوبة تحديد هذه الحركة، لكنها معنية بنقد الحقائق والهويات والسرديات الكبرى والتشكيك بها([21]). وإذا كانت كل الطرق - في مابعد الحداثة – تؤدي إلى الفلسفة كما قيل، فقد تربع على كرسي التنظير الفلسفي لما بعد الحداثة الفيلسوف الفرنسي فرانسو ليوتار، إذ يعد الأول في الميدان التنظيري للظاهرة، ولاسيما في كتابه الوضع ما بعد الحداثي، إذ يستعمل فيه كلمة (مابعد الحداثة) للكشف عن وضع المعرفة في المجتمعات المتطورة، ويشير إلى أن وضع المعرفة يتغير، بينما تدخل المجتمعات في ما يعرف بعصر ما بعد الصناعة والثقافة، أو عصر ما بعد الحداثة، ويؤكد ليوتار على أن عصر ما بعد الحداثة هو عصر التشكيك بالسرديات الكبرى، وتقويضها الناتج عن التقدم في علوم التكنولوجيا والصناعة([22]). تنضبط ما بعد الحداثة إذن داخل خريطة مفاهيمية تقوم أساساً، على النفي والتدمير والتجاوز والافتتان "بأخلاقيات الموت" والتحرر ودرامية النهاية([23]).
ولاشك أن الرعيل الأول من منظري فكر ما بعد الحداثة – ومنهم ليوتار- استندوا على نحو مباشر أو غير مباشر إلى فكر نيتشه الفلسفي، وسبق أن أشرنا إلى أن طروحات "نيتشه" الفلسفية كانت إحدى المنابع الرئيسة فى القرن التاسع عشر التي استقى منها فكر ما بعد الحداثة، بدءاً من النزعة النسبية الأخلاقية والمعرفية لعالم ما بعد الحداثة ونزعة "الشك" التي استند إليها في تمييز الصدق من الكذب، والحقيقة من الزيف، وانتهاء بمبدأ العدمية الذي أرساه نيتشه لتقويض فكر الحداثة.
ولعل إيهاب حسن من ضمن المتأثرين بفكر نيتشه العدمي، فمنذ عام 1961، تاريخ صدور كتابه الأول "البراءة الراديكالية: دراسات في الرواية الأمريكية المعاصرة"، وإيهاب حسن يجري سلسلة تنويعات على مبدأ نقدي متماثل يرى أن السمة المركزية في الأدب الحديث (أو "ما بعد الحديث" في الواقع) هي العدمية الراديكالية في مسائل الفنّ والشكل واللغة. ولا سيما في (أدب الصمت)، الذي يدور حول نفسه وينقلب عليها، لكي يعلن الرفض التام للتاريخ الغربي([24]). ولهذا، وصف اتجاه إيهاب حسن بكونه أسطولا لما بعد الحداثة، إذ استطاع هذا الناقد أن يجعل من مابعد الحداثة علما جديدا ونهجا متميزا للنقد. من خلال استيعابها حرية الشكل دون قيود Dada) والسريالية، والرواية الفرنسية الجديدة، وجينيه وبيتس، والأدب الشعبي، والصحافة الجديدة
أما جان فانتيمو، فيتابع ظاهرة ما بعد الحداثة في مجالها الفكري بالاستناد إلى جملة من المبادئ الأساسية، وهي: موت الفن، والعدمية وموت النزعة الإنسانية "humanism"، ونهاية التاريخ وتجاوز الميتافيزيقا. ويرى أن اكتساب الدقة في المفهوم الفلسفي لما بعد الحداثة لا يؤتي أكله إلا بالاستناد إلى الإشكالية النيتشويه للعود الأبدي، وإشكالية تجاوز الميتافيزيقا لدى هايدجر، بوصفهما المؤسسين لنظرية نهاية الحداثة وبداية عصر مابعد الحداثة([25]).
ويعمد الفيلسوف الفرنسي جاك ديريدا إلى استعمال استراتيجية التفكيك (Deconstruction) التي لا تعترف بسلطة المعنى والأنا ومركزية الحقيقة في النص، بل بالاختلاف والغيرية وتصدّع المعنى وتعدّديته. «كتابة، اختلاف، غيرية، تقويض الميتافيزيقا وتفكيك سلطة المعنى»… تشكّل هذه المفردات مفاتيح في فلسفة ديريدا النقدية([26]). وقد كان "المنطلق الأساس للتفكيك هو تقويض فكرة الحضور التي كرستها الحضارة الغربية من قبل، بغية فسح المجال لإحلال فكرة الاختلاف والتعدد"([27])، إذ عمل على إنقاذ التفكير الفلسفي من ورطة فلسفة الالتزام التي حاكتها بعناية وعبر تاريخها الميتافيزيقا الغربية، ابتداءً من أفلاطون الأب الروحي للميتافيزيقا، إلى أنه استند إلى نيتشه في إرساء المفهوم، بوصفه لبنة من لبنات مشروعه وانتهاءً بهايدجر، إذ يرى ديريدا أن الفكر المعرفي الغربي برمته كان أسير ماسماه بـ "ميتافيزيقيا الحضور"* التي أنتجت حضارة إنسانية مشوهة بالحروب والجرائم على المستوى السياسي والاقتصادي والعرقي، فكرست الفردية بدلاً من التعددية، والوحدة بدلاً من الاختلاف. ولابد من الإشارة إلى أن نيتشه سعى إلى نسف جميع أسس ميتافيزيقيا الحضور، بل أسس الحضارة المسيحية الغربية بالكامل. فما دام "الأصل ليس أصلاً" أو أصيلاً. يفقد الإنسان قدرته على تثبيت الاشياء بوصفها حقائق ثابتة. ويفقد قدرته على التقسيمات الموثوق بها، مثل "الذات" و"الموضوع"، و"الإرادة" و"الحقيقة"... لأنها ليست سوى أكذوبة([28]). وقد ابتدأ نيتشه بالثورة على منطق التفكير الديني، وقلب معايير القيم الأخلاقية، وزعزعة أسس المنطق الأرسطي، فكان -بعد تعرية الإنسان من القيم الأخلاقية لصالح الغريزة، بعد - أن أعلن عن "موت الإله"، المتمثل بأخلاق الشفقة المسيحية الكنسية، مبشراً بالإنسان الأسمى. ولم يكن هذا إعلانا عن موت الميتافيزيقا كفكرة دينية فحسب، وإنما نهاية التسليم بالتجاوز كلية، ولكن إذا كان موت الإله هو مشهد ثقافي عرفته الحضارة الأوروبية آنذاك، فإن ظلال الإله لم تبارحها، وقد أفضت حفريات نيتشه في المعرفة الفلسفية إلى أسئلة نقض وهدم لكل المطلقات المعرفية، واضعاً التفكير عند نقطة الصفر، معوِّلا على إرادة القوة وحدها، التي يمكنها أن تبني الإنسان الذي بشر به([29]).
ولكن بالاستناد إلى نيتشه لم يقصد ديريدا تفكيك المركزية الغربية فحسب، بل عمد إلى نقد أشكال الهيمنة التي طرحتها الحداثة ومن أبرزها الإيديولوجيا([30]). ويقوم التفكيك لدى ديريدا على جملة من المقولات الأساسية من مثل تنظيم استراتيجية في القراءة والتأويل، وتصديع بنية الخطاب والكشف عن أنساقه المضمرة في شبكته الدلالية، ومقولة "الاختلاف" La difference، ويقصد بها الإزاحة في اللغة التي تختزن جملة من متغيرات الحضور والغياب، ومقولة رفض "التمركز حول العقل Le logocentrismالذي استند إليه لرفض الإحالة إلى سلطة مطلقة موثوق بها([31]). ويؤكد ديريدا على عدم ارتباط مشروعه بالعدمية، بل يرى أن قراءته التفكيكية/ التقويضية قراءة مزدوجة، تسعى إلى دراسة النص دراسة تقليدية أولاً، لإثبات معانيه الصريحة، ثم تسعى إلى تقويض ما تصل إليه من معان في قراءة معاكسة تعتمد على ما ينطوي عليه النص من معان، تتناقض مع ما يصرح به؛ أي أنها تهدف إلى إيجاد شرخ بين ما يصرح به النص وما يخفيه. وهذا يدعوه كسر مركزية المعنى الواحد للنص، ومنح اللغة دوراً حراً بوصفها متوالية لانهائية لتعدد المعنى واختلافه، مما يسهم في إثراء فعالية القراءة، والخروج من سجن اللغة ومركزيتها المؤدلجة ([32]).
ولابد من التنويه إلى أن تلك الطروحات قد أثرت على نحو مباشر أو غير مباشر في حقول معرفية أخرى من أهمهما علم النفس الذي استند إليها في تحديد الهوية الذاتية؛ إذ "ترى ما بعد الحداثة أن اللغة هي أحد أهم العوائق نحو معرفة الحقيقة. فاللغة هي وسط المعرفة، ولكنها تبعاً لما بعد الحداثة لا يمكنها أن تعبر عن الحقيقة بكفاية، ذلك لأن هناك شرخاً كبيراً بين الكلمات والحقائق التي يفترض أن تعكس فحواها. فالكلمات لن تعرض الحقيقة الموضوعية، لأنها ـ أي اللغات ـ أفكار بمعنى أنها اتفاقيات بشرية. وعليه، فإننا لن نتمكن من معرفة الحقيقة الموضوعية، إذا ما وظفنا هذه الاتفاقيات البشرية. وكل ما يمكننا أن نحصل عليه هو خلق الحقيقة بوساطة الكلمات. وهذا هو جوهر النظرية البنائية constructivism. وذلك يعني أننا لن نتوصل إلى تقارير كونية عامة عن الإنسان، فضلا عن أننا لن نستطيع أن نحدد ما إذا كان هناك شيء، يمكن أن نطلق عليه الطبيعة البشرية. يقول ما بعد الحداثيين إنه لا يوجد طبيعة بشرية بحد ذاتها. نحن ما نقوله (نحن)عن أنفسنا"([33]). انسجمت طروحات جاك ديريدا التفكيكية مع مفهوم ما بعد الحداثة، مما حدا ببعض الباحثين إلى أن يختزلوا تعريف ما بعد الحداثة بأعمال جاك ديريدا، كما هي الحال عند روبرت يونج، في مقدمته لكتاب (Untying the text) المتضمن مجموعة من المقالات النقدية([34]). وهذا ما يجعل جاك ديريدا من أهم الفلاسفة المعاصرين، الذين أفادوا من فكر نيتشه في تقويض التمركز الغربي واليقينية التي نضحت بها متون الحداثة.
(نشر بإذن خاص من مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث mominoun.com ).

إضافة تعليق