الخطاب الإسلامي إلى أين؟

قام الصحفي السوري وحيد تاجا باستجواب تسعة عشر "مفكرا عربيا"، ينتمون إلى مختلف المشارب الفكرية حول الخطاب الإسلامي الجديد، هم إبراهيم البليهي، أبو يعرب المرزوقي، أماني أبو الفضل، أنور أبو طه، جواد الخالصي، راشد الغنوشي، زكي الميلاد، سعيد الشهابي، طيب التزيني، عبد الوهاب المسيري، علاء البيومي، فاضل الربيعي، فايز سارة، فتحي يكن، لؤي صافي، السيد محمد حسين فضل الله، محمد عدنان سالم، السيد محمد علي التسخيري، هبة رؤوف عزت. وضم الشهادات في هذا الكتاب الصادر عن دار الفكر الدمشقية، والذي قدم له المفكر المغربي طه عبد الرحمن في قراءة لمجمل الآراء.

 

فرز طه عبد الرحمن الإجابات إلى ثلاث مجموعات تتعلق الأولى بأوضاع العالم الإسلامي والثانية حول الخطاب الإسلامي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر والثالثة تتناول الحوار بين المسلمين أنفسهم وبينهم وبين غيرهم.

تتباين الآراء تباينا متعارضا، فثمة من يرى أن العالم الإسلامي لم يشهد في تاريخه أسوأ من هذه الحقبة التي يمر بها، فهو يعاني من علمنة متسلطة ومن تيه فكري وسياسي وتبعية مطلقة للغرب. وثمة من يرى انه ليس بالسوء الذي يقطع مع الأمل، تُرى تباشيره في الصحوة الإسلامية التي تنبعث في مختلف أقطار الإسلام. وهناك من يرى أن العالم الإسلامي يراكم الإخفاقات والهزائم كاشفا عن أزمة فكرية مردها "فوات حضاري" بينه وبين العالم المتقدم، فمن إخفاق النخب الحاكمة إلى إخفاق الدولة القطرية وفشل التنمية وارتكاس الاستقلال والابتلاء بالدول الأمنية. ويعارض هذا الرأي من يرى أن العالم إلا سلامي استطاع امتصاص بعض موجات الحداثة على مقتضى الشرط الإسلامي بل انه مدّ أغصانه إلى الدول الغربية؟

وثمة رأي آخر يرى أن العالم الإسلامي يتجه إلى تأليب العالم ضده بسبب فئاته المتشددة المتسلطة عليه، وهناك من يرى أن الميدان الإسلامي يشهد صراعا عنيفا بين إرهاب علماني يساري يحاول القضاء على المعين الروحي باسم الحداثة و بين الفئات الأصولية التي تمارس الإرهاب باسم الدين.

أما في تحليل أسباب تخلف العالم الإسلامي فنجد حزمة من الآراء. فهناك من يرده إلى الاستعمار والاستبداد أو إلى إخفاق النخب والإصلاح المزور، وثمة من يرى أن الأسباب متراكمة تعود إلى الموروث الفكري والثقافي والى توقف عملية الاجتهاد، دون نسيان آثار الاستعمار وذيوله "الوطنية" الموالية له. وثمة من يرى أن أسباب تخلف العالم الإسلامي داخلية منها سقوط الخلافة، والقابلية للاستعمار والانغلاق الثقافي وجمود الفكر الديني، في حين يرى آخرون، على الضد من ذلك، أن السبب داخلي وخارجي معا. كما أن هناك من يرجح السبب الداخلي على الخارجي أو بالعكس، يرى السبب في سياسات الغرب واستمرار الحرب الصليبية. وهناك من يرى أن السبب هو اكتساح ظاهرة العولمة للاقتصاد والسياسة وبروز القطبية الواحدة وإحكام السيطرة على ثروات العالم الإسلامي واستتباعه، وهناك من يرى أن الاستتباع لم ينقطع أبدا بل أن المسلمين توهموا النصر في الحروب الصلبيبية، إذ لو انتصروا لما دخلوا عصر الانحطاط الذي رحب بهم.

تغيرت الأولويات، فبعد أن كان السؤال لمَ تأخرنا وتقدم غيرنا؟ أصبح: لمَ نُجتث ويتمكن غيرنا ؟ فثمة من يرى أن الأولويات حاليا تقتصر على الحفاظ على الهوية العربية الإسلامية المهددة، وثمة من يرى من أنه لا بد من وضع تصور إسلامي جديد، على مقتضى علمي يتصدى للمرحلة وتحدياتها الراهنة، وثمة دعوى تتصدرها ضرورة الدفاع عن صورة الدين الإسلامي المقرون بالإرهاب و الهمجية، وهناك من يرى انه يجب تجاوز هذه الخطوة إلى الإبداع والتأصيل وتجديد علوم الدين وممارسة الفكر النقدي الجذري بالمراجعة المستمرة، وثمة دعوى إلى تجاوز الاستغراق في العبادات والإيمان والاشتغال بالأسباب المادية والحضارية، ويخالف هذه الدعوى الرأيُ الإسلامي الذي يأخذ بالاعتدال والانفتاح على الآخر. يرى طه عبد الرحمن أن هذه الآراء تضم حقائق مشتركة، وتتردد بين الإبداع والتقليد مشكلة أربعة نماذج هي: المقلد السلفي، المقلد الحداثي، والمبدع المحدث، والمبدع المختار والأخير أكثر إبداعا من سلفه المحدث.

أما في مجال الرؤية إلى الخطاب الإسلامي فثمة من يرى أن الخطاب الإسلامي تغير بعد أحداث سبتمبر، وآخرون يرون أنه لا يزال على حاله، وجهة ثالثة ترى أن الخطاب الإسلامي دفاعي يرد التهم، ورابعة ترى أنه لا يحتمل الاختلاف، وخامسة ترى أنه أجمل همومه في الهم السياسي مقصيا المسائل الاجتماعية، وسادسة ترى أن الخطاب الإسلامي قادر على نقد الحداثة الغربية منطلقا من رؤية معرفية شاملة، وسابعة تتهمه بأنه وجداني انفعالي أسطوري، وثامنة ترى أنه خطاب واحد وإن تعددت أشكاله، وتاسعة ترى أنه متعدد بين إصلاحي وإحيائي، أو بين تجديدي أو تقليدي.

وفي ما يخص الحركات الإسلامية، هناك من يرى أن الإسلام السياسي يغلّب الجانب السياسي غير مكترث بشمولية الإسلام، يبتغي الاستيلاء على الحكم، وترى وجهة ثانية في الإسلام السياسي نقيضا للإسلام التقليدي الشعائري، وثالثة ترى أنه لا تضاد بينهما، ورابعة ترى أن الإسلام السياسي منغلق على الرؤية الواحدة وعلى احتكار الحقيقة، وخامسة ترى أن الإسلام السياسي يرفض الديمقراطية، ويمارس الاستبداد في صفوفه، وأنه يرفض الأحزاب الإلحادية، متناسيا واقع المجتمع الإسلامي. وفي قراءة العنف، ثمة من يرى أن العنف مرفوض إسلاميا في حين يرى آخرون أن العنف هو ما تمارسه الدول الكبرى والحكومات العلمانية وأخفها ما اضطرت إليه الجماعات الإسلامية دفاعا عن النفس.

يرى عبد الرحمن أن المشاركين يركزون على مضامين الخطاب الإسلامي لا على بناه وآلياته، فثمة نوعان من الخطاب الديني: وعظي ونقدي، ويرى على خلاف الآراء الأخرى أن الخطاب الوعظي الملتجئ إلى سلطة النص أعلى رتبة من الخطاب النقدي الاستدلالي! فالقاعدة المنطقية تقول: اعتقاد القول حتى يقوم الدليل على بطلانه وليس: إنكار القول حتى يقوم الدليل على صحته. وأنه لا يمكن الاستغناء عن النص لوجود التفاوت العقلي بين الناس ولثبوت استحالة استدلال الإنسان بنفسه على كل شيء. فالأصل هو الاعتقاد وليس الانتقاد كما هو شائع. فكل إنسان معتقد وليس كل إنسان منتقد.

المجموعة الثالثة تبحث في حوار الحضارات بين المسلمين وغيرهم، داخل أوطانهم وخارجها. فثمة من رأى أن المسلمين هم السبب في إثارة هذا الصراع مع أنهم ضعفاء، وجهة ثانية ترى أنه صراع مصالح بلباس فكراني وثالثة ترى أن الغرب يريد تنصير المسلمين، ونجد من يعتقد أن الغرب متعدد وليس واحدا، ورابعة ترى أنه لا بد من الحوار بين المسلمين والمسيحيين حتى في المجال العقدي وخامسة تدعو إلى الحوار مع اليهود مع شروط نبذ القوة والعنف والالتجاء إلى العقل.

يختم عبد الرحمن مقدمته الحكيمة بأن رسالة المسلمين هي في تفعيل فعلين حضاريين هما ما بقي من حضارته الزائلة: رسالته الأخلاقية وثقافته، مادام فاقدا لشرطي الحضارة وهما الحضور في المكان والحضور في الزمان.

— 

الكتاب: الخطاب الإسلامي إلى أين؟

الكاتب: وحيد تاجا

الناشر: دار الفكر . دمشق.

يقع الكتاب في 494 صفحة من القطع الوسط

 

إضافة تعليق

7 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.