الخطبة الإيديولوجية للإرهاب

في مقاربة نوع خاص من الإيديولوجيا هو إيديولوجيّة الإرهاب، ثمّة تساؤلات عدّة تطرح نفسها، ليس أوّلها السؤال حول ماهية الإرهاب وهويّته كظاهرة إيديولوجية اعتقادية سارية على امتداد عالمنا العربي والإسلامي؛ وكيف يجري توظيف المقدّس الديني في تعقيدات الزمن السياسي الجاري، بما يشهده من فتن واحتدامات ونزاعات أهلية متمادية؟
إنّ وصف الإرهاب، باعتباره صناعة إيديولوجية عن سابق تصوّر وتصميم، إنّما يتوخّى التأكيد على أنّ هذه الظاهرة هي في جانب أساسي منها حصيلة منطقية للكيفية التي يُستخدم فيها الدين في ميدان المصالح. ذلك لا يعني بطبيعة الحال، الإقلال من متانة العصب العقائدي لدى المنضوين تحت لوائها. ذاك أنّ الصورة المشهودة التي تأتينا اليوم تبدو مكتظّة بسيل هائلٍ من الكلمات والشعارات والبيانات، ومؤدّاها الإجمالي الإشهار عن منظومة صارمة غايتها تنزيه الذات، وإبادة الآخر بعد تكفيره.
لا بدّ من الإشارة بدايةً، إلى أنّنا لسنا في وارد الانخراط في تمرين مستأنف لتعريف الإيديولوجيا. والداعي لذلك، أنّ السجال حول هذه المفردة ذات الجاذبية الاستثنائية في عالم المفاهيم، هو سجال قديم، ويعود إلى أربعة قرون خلت. وغالب الظنّ أنّ الكلام حوله، وفيه، وعليه بلغ في أزمنة ما بعد الحداثة درجة الإشباع. كلّ ما في الأمر أنّا أردنا أن نؤسّس كلامنا على بديهية تفيدنا في مقاربة نوع خاص من الإيديولوجيا.. يتمظهر على وجه التحديد بـ" إيديولوجيّة الإرهاب" التي تستمدّ من الثقافة الدينية غذاءها اليومي وديمومتها. وهذه البديهية كانت تنبَّهت إليها حركة الحداثة في أوروبا، عندما قامت بصدّ العنف الذي أطلقته السلطة اللاهوتية في مواجهة التنوير والعقلانية. يومها ذهب كُثُر في الغرب إلى فرضية أنثرو- تاريخية مؤدّاها ما يلي: لا استقامة لحياة الناس بلا دين، وفي المقابل لا فرصة للدين لكي ينمو ويفعل في التاريخ ما لم يتّخذه الناس سبيلاً لتظهير هويّاتهم وولاءاتهم، وتحصين حياض الجماعة التي ينتمون إليها. وهذا ما بيّنه علماء الاجتماع عندما قالوا: "إنّ كلّ دين لا بدّ له من إعادة تحيين".
والمقصود بـ"التحيين" في هذا المورد، هو سعي الجماعات إلى تسييل دينهم في حركة الزمان والمكان. أي أنّ الناس ليستأمنوا على أنفسهم بسبب التدافع، ولخشيتهم من الذوبان والتداعي، انبروا يستعينون بالمقدّس. وحين مضوا بعيداً في الأمر، كانوا على يقين من صواب ما يفعلون، ولم يعبأوا بالنتائج أنّى كانت.. حتّى لو أدّى تحويل الإيمان الديني إلى "دنيا سياسية" خالصة، لا تلبث أن تتحوّل بعد حين إلى وثن للعبادة، أو إلى مَثَل أعلى لا يقبل التحويل والتبديل.
مثل هذا التحويل، من الديني إلى الدنيوي، يجد مصاديقه المدوّية في غالب الوقائع التي امتُحِنَت فيها الإمبراطوريات الإسلامية المتعاقبة. والاختبارات الراهنة التي يمتلئ بها فضاء الإقليم العربي منذ نحو ثلاثة أعوام لا تنأى من هذه الحقيقة، وإنّما تؤكّدها بأشكالٍ وصورٍ شتّى.
وإذ ينبسط الكلام اليوم على منظومة التفكير المغذِّية للإرهاب المعاصر، نجدنا بإزاء وضعية بلغ فيها الضلال الإيديولوجي حدّه الأقصى. ولنا أن نستعيد الماضي قليلاً لكي نعلم كيف أنّ هذه الوضعية لم تكن مجرّد عارض تاريخي طارئ. ففي تاريخنا العربي والإسلامي ما يشهد على وضعيات مشابهة، على ما بينها من التباين والتمييز في السطوة والقسوة والآثار المترتّبة. ذلك يعني أنّ للوضعية الإرهابية التي نشهد وقائعها اليوم مرجعية متكاملة القوام. وثمّة مَن يميل إلى الرأي القائل بأنّها تستمدّ نموّها المتمادي من حروب الردّة التي لم تفارق ثقافة الجاهلية الأولى ومسالكها. حتى لجاز لنا القول إنّ الجاهلية المستأنفة ليست سوى التمثيل المعاصر للعنف الأعمى الذي يجتاح الجغرافيات العربية والإسلامية من أقصاها إلى أقصاها.
وإذا كان لنا أن نستقرئ الصورة المجملة لتفشّي ما يسمّيه عالم الاجتماع الفرنسي أوليفييه روا بـ "الجهل المقدّس"، أمكن أن نردّ أسبابها إلى إجراءات تكييف الدين تبعاً لأغراض الدول والجماعات ومصالحها السياسية. ولنا أن نشير هنا على سبيل المناسبة، إلى الاختراق المعرفي أو ما نسمّيه "الغزو الثقافي" في المداولات المعاصرة. وهو الاختراق الذي عصف بالاجتماع العربي والإسلامي منذ عصر الخلافة إلى يومنا هذا. فإذا كانت إسرائيليات القرآن قد استهدفت إحداث الفتنة المعرفية في ميدان فهم مقاصد الآيات، وحرفها عن مواضعها، فإنّ إسرائيليات التاريخ جاءت لتُنشئ جهلاً أشدّ فظاعة في ميدان الاجتماع. ولقد كانت الفتنة الكبرى التي لا نزال نشهد تداعياتها على مدى خمسة عشر قرناً، بمثابة الترجمة التأسيسية لعقيدة الإرهاب المستأنف.
مع الزمن لم يطرأ تحوّل جوهري على المنطق الذي يحكم سلوك الجاهليات المتعاقبة. كلّها اتسقت واتفقت على تكفير الغير- كلّ غير – كمقدّمة لإقصائه وتدميره. فالإقصاء في منطق الإرهاب معنوي ومادي في آن، فلا فصل ولا تمييز بين حدَّيه. حدّ التكفير المعنوي في هذا المنطق موصول بعروة وثقى بإبادة الجسد. وعلى هذا النحو بالذات، يمارس التكفيري أحكامه باسم الله، وبالنيابة عنه. ثمّ إنّ ما يدخل دخولاً بيّناً في تفكيره الإقصائي، نجده على أتمِّه في نظامه الأيديولوجي الذي بلغ حدّه الأقصى في حرب المسلم على المسلم تحت بيارق النصرة والجهاد. والتكفيري على اعتقاد راسخ بعدم جواز الفصل بين حكم التكفير وإنزال العقاب بالمكفّر. ذلك أنّ الاكتفاء بالتكفير من دون القيام بإجراء عقابي موازٍ، إنّما هو – عنده – جحود بأصل تكويني لعقيدته. ولذا، فهو يدمج تصوّره الأيديولوجي بتصديق هذا التصوّر من خلال الفعل الإيذائي حيال المحكوم عليه، حيث تنعدم المسافة بين إصدار الحكم وتنفيذه. وما ذاك إلّا لأنّ الإرهابي مقيّدٌ بإرهابه وخاضع له في الآن عينه. فهو من قبل أن يمارس فعل الإرهاب ضدّ عدوّه المفترض، يعيش فكرته ويخضع لها خضوعاً لا لبس فيه. وهو ما يعود إلى الطبيعة الملتبسة لمعتقده الذي شكلّه على نصاب اللعن والتكفير. ففي الوقت الذي تغذّي فيه عقيدة الإرهاب تابعيها ليقوموا بهدر الدم، فإنّها تفرض عليهم منطقها وآليات عملها؛ أي أنّها تصادر عقولهم وإرادتهم ومشاعرهم. وذلك حتى لا يناظروها بالمساءلة، ولا يتشكَّكون بأمر من أمورها، ولا يسألون إلّا بقدر حاجتهم إلى الامتلاء بما في مخزونها من المفردات المحرّضة على القتل.
من هذا المنحى، تصير عقيدة الإرهابي ديناً خاصاً يدان به. يعشقه ويؤمن به، ثم يحوّله إلى إيمانٍ يسمو على الإيمان بكلمات الوحي التي استمدّ منها ما يغطّي ديانته المبتدَعة. حتى ليصل إغواء تلك الديانة لديه، ولدى الجماعة التي ينتمي إليها، حدّ نسيان الله والفطرة التي فطر الخلقَ عليها.
هذا الانقلاب الذي تجريه إيديولوجية الإرهاب، سوف يستبدل ما هو أصيل وإلهي ورحماني، بما هو معروض في خطبة الذين يُفتون بالقتل. وبقطع النظر عن حكمنا على هذه الذهنية المكتظّة بالعماء والطاعة المطلقة للمرجعية الآمرة، فإنّها بالنسبة إلى المنخرط في جحيمها، عقيدة راسخة في غريزته الإيديولوجية. فما يسمّيه الراؤون للمشهد الدموي عنفاً أعمى وضلالاً، هو بالنسبة إلى فاعله مهمّة مقدّسة تستأهل الموت الطوعي في سبيلها.
فالإرهابي الساكن بأمان في كهفه المغلق إلّا على أصداء خطبته الإيديولوجية، هو على يقين بأنّ ما يفعله يمثّل بالنسبة إليه عين الحقيقة، ثمّ إنّه لا يبالي إن كان لمرجعيّته السياسية والإيديولوجية أغراض غير تلك التي آمن بها، وأمات عمره لأجلها، ذلك أنّه يؤمن بأنّه كائن موعود بنعيم حقيقي في حياته وبعد مماته. ولذلك آمن وإن – عن ظهر قلب – بحقّانية القيام بفعلة الموت الانتحاري بحقّ نفسه وبحقّ الغير في آن.

إضافة تعليق