الخيال والصناعة جمال البناء وفائدته

محمود شاهين:مع التطور المذهل للصناعة والتكنولوجيا في وقتنا الحالي، وتأثيره الكبير على الإنسان جسداً وروحاً، تنبثق مهام وأدوار جديدة للفن بأشكاله المختلفة، هي ترميم روح الإنسان،
من خلال تخفيفه لسطوة التكنولوجيا الجبارة على هذه الروح فهل ثمة علاقة تربط بين الفن والصناعة؟ما نوع هذه العلاقة وكيف تتبدى؟ وما هي نتائجها على الاثنين؟ وجهات النظر في هذا المجال، تتعدد وتتنافر، فالبعض ينظر إلى هذه العلاقة بنوع من الريبة المتشائمة، مؤكدين خوفهم وحذرهم من صحة نتائجها، بينما البعض الآخر، يثمن هذه العلاقة، ويراها ضروريّة وهامة لأسباب كثيرة.‏
هدف واحد‏
لا شك أن الحياة هي الهدف المشترك للفن والصناعة معاً. لكن السؤال الذي يفرض وجوده هنا: هل ثمة قواسم مشتركة أخرى تجمع بينهما؟ بأي شكل تتبدى وكيف؟ وهل هناك صيغة مثاليّة مقترحة لتكامل العلاقة وانسجامها بين الفن والصناعة؟‏
 

هدف النشاط الجمالي‏
يرى الاشتراكيون أنه انطلاقاً من الغرض الذي يستهدفه النشاط الجمالي، يمكن تقسيمه إلى المجموعات الأساسيّة التاليّة:‏
ـ أولاً: التنظيم الجمالي للبيئة الشيئيّة المحيطة بالإنسان وما يصنعه من أدوات للعمل وأخرى للمنزل.‏
ـ ثانياً: التشكيل الجمالي للبيئة المحيطة بالإنسان.‏
ـ ثالثاً: التطور الجمالي للفرد والمجتمع.‏
ـ رابعاً: خلق القيم الجماليّة. أي الأعمال الفنيّة.‏
على هذا الأساس، فإن الإنتاج المادي الذي يتم خلاله خلق البيئة الشيئيّة المحيطة بالإنسان، هو أوسع مجالاً لممارسة النشاط الجمالي. فبادئ ذي بدء، كان النشاط الهادف إلى خلق بيئة شيئيّة ذات قيمة جماليّة، مرتبطاُ بالإنتاج الحِرفي، وبالدرجة الأولى، إنتاج الأدوات المنزليّة. وهكذا، وعن طريق عملية الإنتاج الحِرفي الذي غالباً ما كان يشارك فيها الكثير من الفنانين، تم صنع نماذج من المنتجات تجمع بين الخصال الفنيّة والنفعيّة، وتحمل بصمات صاحبها.‏
الموضوع الجمالي والموضوع النفعي‏
نحن إذا أمام موضوع جمالي وموضوع نفعي، فهل بالإمكان التوفيق بينهما؟ للإجابة على هذا التساؤل، ندخل في صلب موضوع الفن والصناعة وجدلية العلاقة بينهما، سلباً كانت أم إيجاباً، ذلك لأن البعض لا يحبذ قيام هذه العلاقة بينهما، بينما يرى البعض الآخر بأن قيامها ضروري للفن وللصناعة، التي ليست بداية للفن وحسب، وإنما الصناعة هي مبدأ الجمال أيضاً، أو كما قال «سوريو»: الجمال هو التكيف الكامل للموضوع مع وظيفته. أي التعبير عن تكافؤ الفرص مع غايتها.‏
 

أما «وليم موريس» فيرى أن أروع تزيين يمكن أن يتحلى به أي بناء، إنما هو ذاك الذي يتلاءم على الوجه الأكمل مع وظيفته. أي تكامل القيمة الجماليّة التصميميّة للبناء مع وظيفته الخدميّة، ومعنى هذا أن جمال البناء لا يكاد ينفصل عن نفعه أو فائدته أو تحقيقه لأسباب الراحة والرفاهيّة، ولكن بشرط أن تتلاءم وحدة البناء مع وحدة التزيين.‏
والحقيقة، ليس ثمة فاصل على الإطلاق بين الفن والصناعة، أو بين الموضوع الجمالي والموضوع النفعي، بل هناك تداخل بين الوظائف الجماليّة والنفعيّة للفن حين يكون إدراكنا لوظيفة الموضوع ممتزجاً باستجابتنا الجماليّة له.‏
انسجام وتكامل ولكن؟!‏
مع ذلك، فقد تسرب الخطر إلى هذه العلاقة بظهور المكائن، حيث غدت القيمة الجماليّة لما تنتجه أقل من ذي قبل، بسبب انخفاض مستوى العمليات التكنولوجيّة، وبسبب الاستلاب الرأسمالي للعمل الذي فقد طابعه الإبداعي، وجعل العامل ملحقاً حياً للمكنة، كما يرى الاشتراكيون الذين يؤكدون أن الإنتاج المكني أدى إلى تعميق الهوة بين العامل النفعي والعامل الجمالي، تلك الهوة التي بدأت تنضح معالمها إبان أزمة الإنتاج الحِرفي.‏
الآلة والخيال‏
يشير «جان ماري جويو» إلى أن بعض فلاسفة الفن أمثال: روسكين، سولي، وبرودم: يرون أن الصناعة الإنسانيّة سيزداد تنافرها مع الفن. فالآلات التي اخترعت اليوم لا تطاوع الخيال كآلات الأمس. كما أن آلات اليوم ستكون أقل طواعية من آلات الغد، ذلك لأن الآلات الفظة الأولى التي اخترعها العقل الإنساني، كانت أكثر تمثيلاً لمحركاتها. فالطاحونة الهوائية مثلاً، ما تلبث حين نراها أن تذكرنا بالهواء الذي يحركها، كذلك المركب الشراعي، خلافاً للطواحين والمراكب التي تعمل بالبخار أو الكهرباء، حيث المحركات فيها خفيفة تختبئ في داخلها. لكن الشيء الفني في الآلة، أي الشيء الذي يفاجئ الخيال، ليس طريقة تمثيلها لهذه القوة أو تلك من قوى الطبيعة، فقلما نفكر في دفعة الريح عندما نرى من بعيد، الشراع الأبيض الخفيف يطوف في عرض البحر، حتى أن حركة المركب تكون أرشق وأجمل حين تبدو أكثر تلقائيّة، فكأنها خفقات جناح الطير، أو كأنها انزلاق طير البحر على سطح الأمواج، ليس تمثيل الريح هو ما نُعجب به في المركب الشراعي، بل مظهر الحياة في أروع صورة لها. أي صورتها المجنحة.‏
 

التكامل المطلوب‏
إذا فالحياة هدف مشترك للصناعة والفن، بل هي غاية الاثنين معاً. لكن ما هي القواسم المشتركة الأخرى بينهما؟ وما هو المطلوب لتكامل العلاقة وانسجامها بينهما؟‏
يقول «سوريو»: إننا إذا سلمنا بأن الفن ضرب من العمل الإنتاجي، فلا بد لنا من أن نقر بأن هناك رابطة وثيقة تجمع بينه وبين الصناعة، ما دام كل منهما إنما يقدم لنا موضوعات يبتدعها بفعل نشاط إنساني خاص. صحيح أننا دأبنا على أن نفرق بين الفن والصناعة، بحجة أن الفن خلق وإبداع، في حين أن الصناعة عمل وإنتاج، ولكننا نلاحظ أن الفن كثيراً ما يتدخل في الصناعة نفسها، خصوصاً حين تستلزم الحِرفة قسطاً غير قليل من المعرفة الجماليّة، بل ربما كان في وسعنا أن نذهب إلى حد أبعد من ذلك، فنقرر أنه قلما يستطيع أي نشاط إنساني كائناً ما كان، أن يستغني نهائياً عن الفن، وليس هناك أي انتقاص من كرامة الفن في قولنا بأن أصحاب الحِرف اليدويّة كالنجارين أو الحدادين أو صانعي الأحذية، أو محترفي التصوير الضوئي، قد يصح إدخالهم في زمرة الفنانين، مع التأكيد أنهم ليسوا جميعاً بدرجة واحدة من الأهمية.‏
المنتوج بين الجمال والنفع‏
من الأسئلة التي تفرض وجودها عند الحديث عن الصناعة الجميلة: ترى متى تنبه المعنيون بهذا الأمر إلى ذلك؟ أي متى شعروا بضرورة أن تكون الصناعة جميلة؟‏
يرى الاشتراكيون أن هذا الأمر كان على تخوم القرنين التاسع عشر والعشرين، وذلك عندما حاول المعنيون بالأمر إضفاء صبغة جماليّة على المنتجات الصناعيّة الجماهيريّة، وذلك بالدرجة الأولى عن طريق تزيين شكلها الخارجي والسعي لجعل أدوات العمل محاكية للديكور، غير أن هذه المحاولات أخفقت في الوصول إلى صنع منتوجات ذات أشكال جماليّة.‏
فيما بعد بدأ البحث عن سبل لإدخال عوامل جماليّة في البيئة الشيئيّة المحيطة بالإنسان، خاصة بالعمارة التي تمثلت بما يعرف بـ «النزعة الإنشائيّة» ولكن التصميم الصناعي الهادف إلى خلق النموذج المثالي للمنتوج بالاعتماد على أساس علمي، لم يظهر إلا بفضل التطور العاصف للثورة العلميّة التكنولوجيّة ومكننة وأتمتة الإنتاج الشموليين، وعلى أساس التصميم الصناعي، ظهر نوع جديد من النشاط الجمالي في ميدان الإنتاج الصناعي، وقُيّم ذلك على نحو لا يجعل القيمة الجماليّة مُقحمة على المنتوج ولا ملصقة به، بل إنها تنبع عضوياً من تصميم المنتوج ذاته، كنتيجة لتنظيمه، ليس طبقاً للغرض النفعي فحسب، بل وفقاً لقوانين الجمال.‏
الخطر الدائم‏
يتساءل «جان ماريو جويو» قائلاً: هل من شان الروح العلميّة التي تجتاح الإنسانيّة شيئاً فشيئاً، وتسيطر على عقول الناس جيلاً بعد جيل، هل من شأنها أن تًهدم بعد زمان طويل، هذه الملكات الأساسية الثلاث التي ينعم بها الفنان وهي: الجمال، الغريزة الخالقة .. والعاطفة؟‏
لا شك أن الفن هو خير من يمثل هذه الأقانين الثلاثة، وما دام الفن بخير، لا خوف من هذا التهديم الذي تحمله الروح العلميّة والصناعيّة والتكنولوجيّة، بل يمكن القول صراحةً : أن الفن هو صمام الأمان في ذلك، أو هكذا يجب أن يكون!!.‏
 

الإنسان و الآلة‏
يرى «سوريو»: أن الفن والصناعة يدخلان في صميم العمل الأدائي والعمل الفني. لكن يستدرك قائلاً: أن زيادة نسبة الواحد منهما على نسبة الآخر في موضوع ما من الموضوعات، هي التي تحدد ما إن كان هذا الموضوع آلياً أم فنياً، ولنضرب مثالاً على ذلك فنقول: أنه عندما تكون مهمة الصائغ أن يساير الآلة، دون أدنى ذوق أو حكم تقديري، أو مراعاة النتائج. بمعنى أنه حين يكون كل ما على هذا الصائغ أن يقوم ببعض الحركات المهنية وفقاً لتعليمات مرسومة، فإن من المؤكد أن عمله لن يكون من الفن في شيء.‏
من جهة ثانية، ليس هناك ما يمنعنا من أن نخلع صفة الفن على العمل الصناعي الذي يحققه المهندس الميكانيكي مثلاً، حينما يصنع تصميماً جديدا ًلسيارة فخمة. أو حين يقوم بعمل أنموذج مبتكر لهيكل إحدى الطائرات.‏
أي أنه لا موضع للفصل التام بين الفن والصناعة. أو كما قال «هيوسمان»: لأن الفن هو لباب الصناعة، أو هو الصناعة في أسمى صورها. أو هو العمل المتين الذي يستحق عن جدارة لفظة «الصنعة» أو «التكنيك». أما «هربرت ريد» فيرى أن الفن الحقيقي موجود على نطاق واسع في الصناعة نفسها. ويوافقه الدكتور زكريا ابراهيم عندما يشير إلى أنه يكفي أن نرجع إلى كثير من المنتجات الصناعيّة الحديثة التي امتدت إليها أيدي المصممين، لكي نتحقق من أن الفنون النفعيّة لم تعد تراعي الفائدة أو الاستعمال فحسب، بل هي أصبحت تتوخى أيضاً الغايات الجماليّة التي ترمي إليها في العادة، الفنون التجريديّة. فلم يعد مهندسو الأبنية الحديثة، ومصممو الأثاث الحديث، وصانعو الأطباق والأواني الحديثة يقتصرون على مراعاة فائدة هذه الأدوات ووظائفها في الاستعمال العادي، بل صاروا يحرصون أشد الحرص على صبغها بطابع فني يجعل منها موضوعات ملائمة تستثير إحساسنا الجمالي على نحو وجداني مباشر.‏
والنتيجة ...‏
من كل ما تقدم، نخلص إلى جملة من النتائج والحقائق حول علاقة الفن والصناعة منها:‏
ـ يتوجه النشاط الجمالي عموماً، لكل ما يحيط بالإنسان من بيئة. ولكل ما يصنعه من أدوات العمل، والأدوات المنزليّة، إضافة إلى إنتاج الرائعة الفنيّة الخاصة.‏
ـ لا تتعارض القيمة الجماليّة الصنعويّة في العمل الفني، إذا ما أُحسن توظيفها، وأُتقن إخراجها، من صلب العمل وطبيعته وخواصه.‏
ـ قد يكون للموضوع الاستعمالي النفعي صفة فنيّة وجماليّة عالية القيمة، لكنه لا يستطيع إن يرقى إلى خاصية العمل التعبيري الذي يتوجه إلى الإحساس والمشاعر والعواطف الإنسانيّة مباشرة، أي لا يستطيع أن يكون موضوعاً جمالياً خالصاً.‏
ـ قد تكون الصناعة حقاً هي مبدأ الجمال، وقد يتكافأ التعبير مع الصورة وغايتها، لكن من المؤكد أن ثمة فاصلاً بين الفن والصناعة، سيبقى قائماً مهما كان حجمه.‏
ـ التنافر الحقيقي بين الفن والصناعة «المتطورة خصوصاً» مهما كانت درجته واهية، هو ما يمنح الحيويّة الجدليّة لعلاقة الفن بالصناعة، وعلاقة الجمال بالتكنولوجيا، ذلك لأن الفن والصناعة في الأساس، وجهان لعملة واحدة هي «الحياة».‏
ـ سيبقى ثمة إشكال قائم بين الفن والصناعة، من غير السهل إلغاؤه كلياً، رغم الوحدة المنسجمة التي يتحاور من خلالها الاثنان، ورغم التكامل القائم بينهما، أو الذي يمكن أن يقوم، ولعل هذا الإشكال
بالذات، هو ما يمنح الجدلية القائمة بين الاثنين، سحرها وجمالها وحيويتها، علماً أن الأهداف العريضة

إضافة تعليق

1 + 18 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.