الدائرة المفرغة في صناعة الكتاب

لم يكن المشتغلون بصناعة الكتاب تأليفاً ونشراً وتوزيعاً بحاجة إلى النتائج التي تضمنها تقرير التنمية الثقافية الأول حول الوضع المحزن للكتاب العربي مقارنة بحال الكتاب في كثير من دول العالم شرقاً وغرباً. فالنتائج المذكورة يعرفها كل من اشتغل بهذه الصناعة

، وإن كان التقرير قدمها بصورة علمية استقصائية مدعمة بالأرقام والإحصاءات الدقيقة أحياناً، والتقديرية أحياناً أخرى، لتعذر الحصول على أرقام دقيقة، إما لصعوبة إجراءات الوصول إليها أو لعدم وجودها أصلاً.

ويعد الكاتب أو المؤلف هو الحلقة الأضعف في هذه المنظومة، ثم يلقي بعد ذلك كل طرف باللائمة على الأطراف الأخرى. فالناشر يرى أن المشكلة تكمن في التوزيع لعدم وجود موزعين محترفين، وإنما هناك دكاكين كتب تبحث عن الأكثر رواجاً وليس الأفضل قيمة.

وقنوات التوزيع تلقي باللائمة على القارئ بأنه ليس هناك قراء للكتاب في العالم العربي. والقراء يشكون من أمرين عسيرين، أولهما غلاء ثمن الكتاب حيث يحتاج اقتناء مجموعة من الكتب أو تكوين مكتبة منزلية إلى ثروة، والأمر الآخر هو أن كثيراً من الكتب ليست مما يستهوي القراء أو يرضي شغفهم المعرفي أو الإمتاعي، ولذلك يهربون إلى المترجمات. والناشر يرى أن ارتفاع سعر الكتاب بسبب كلفة الطباعة ونسبة التوزيع الفاحشة وقلة الإقبال على الكتاب، فضلاً عن المكافأة المدفوعة للمؤلف.

والمفكرون والمربون يرون أن هذه المشكلة هي مشكلة ثقافة ومجتمع وليست مشكلة موزع وناشر وقارئ ومؤلف، وأن المخططين لم يضعوا في إستراتيجياتهم وخططهم تكوين جيل قارئ، والمخططون يرون أنها مشكلة الحكومات التي اهتمت بالرياضة وكرة القدم تحديداً على حساب الثقافة وبالترفيه على حساب الفكر.

المؤلف في العام العربي يدفع من قوته وقوت عياله لطباعة كتاب يهدي جزءاً منه والباقي يتوزع بين أرفف المكتبات ولا يباع منه إلا القليل، هذا في الأعم الأغلب باستثناء عناوين قليلة جادة لمؤلفين محدودين، بصرف النظر عن أرقام التوزيع الكبيرة لكتب التنجيم والطبخ والإثارة والفضائح، بينما نجد أن المؤلفين الذين يتعاملون مع دور نشر غربية حتى من المؤلفين العرب يجنون مبالغ جيدة نتيجة حقوق النشر من واقع نسبة المبيعات، وهي مبالغ تتم محاسبتها بدقة كبيرة نظراً لكمية النسخ المطبوعة والمباعة والأهم من ذلك حفظ حقوق المؤلف.

ستظل دائرة الاتهامات المتبادلة كالحلقة المفرغة؛ ما لم تنهض مشاريع قومية وقطرية تدعم صناعة الكتاب بجوانبها الأربع، ليس عن طريق ضخ أموال لشراء كتب المجاملات ثم تبقى حبيسة المخازن، ولا عن طريق مشروعات هدفها الظهور الإعلامي أكثر من التأسيس الثقافي؛ وإنما عن طريق تأسيس شركات غير ربحية، تدعمها الحكومات، ويديرها القطاع الخاص لفترة من الزمن دون أن تخضع للروتين الحكومي حتى تستوي على سوقها وتنهض بنفسها. وقبل ذلك كله تنشئة جيل شغوف بالمعرفة محب للعلم عاشق للقراءة بكل أنواعها الورقي منها والإلكتروني البصري والسمعي.

المصدر: المجلة العربية

إضافة تعليق

11 + 4 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.