الدردشة الإلكترونيّة .. حوار الرغبات الدفينة

الإنترنت لغة العصر، ومتوفّرة في معظم الأمكنة: في المنازل، والمطاعم، والأماكن العامّة، فضلاً عن وجودها لدى غالبية مَن يملكون هواتف ذكيّة. وقد أظهرت إحدى الدراسات أنّ نسبة 61% من المستطلَعين صرّحوا بأنّهم لا يمكنهم العيش من دون إنترنت (تقرير ’’العالم العربي على الإنترنت‘‘، مركز نماء للبحوث والدراسات، كلّية محمد بن راشد للإدارة الحكومية في دبي، أيار/ مايو 2014).

للإنترنت استعمالات عديدة ثقافية – سياسية- اجتماعية- اقتصادية وترفيهية. ولعلّ أهمّ إنجازاتها في دول العالم الثالث هو خلق متنفّس ومنفذ للمهمَّشين والمكبوتين سياسياً أو دينياً أو اجتماعياً، للتعبير عن رأيهم وانتفاضتهم على واقعهم الضاغط. وبالإمكان رصد ذلك بسهولة، إذ إنّ غالبية الاستطلاعات التي أُجريت حول استعمالات الإنترنت في منطقة الشرق الأوسط (الموقع الرسمي لجريدة الشرق الاوسط، كانون الثاني/ يناير2004)، أثبتت أنّ نسبة 70% من الذين شملهم الاستطلاع يستخدمون الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي من أجل محادثة أصدقائهم أو للبحث عن أصدقاء جدد من الجنس المغاير لهم بهدف اكتشاف الجنس الآخر وتكوين علاقات اجتماعية مختلطة تتفلّت مؤقّتاً من القيود التي يفرضها المجتمع أو التقاليد.

في غُرف الدردشة يأخذ الطرفان المُتحادثان دور شخصيّات وَهميّة محبَّبة إليهما، ويتضمّن التعريف بالشخصية الافتراضية اسماً وهمياً (Anonymity)، مغايراً في العمر والمهنة والسكن، فضلاً عن صورة لشخصية أو لرمز معروف. هذه المعلومات الشخصية تكون عنواناً وإعلاناً للآخرين الذين يرغبون بالمحادثة. فعند اختيار عناوين جنسية على سبيل المثال، يكون الهدف من وراء هذا الاختيار الوصول إلى محادثة جنسية؛ وهكذا الحال بالنسبة إلى الموضوعات السياسية أو الاجتماعية التي تكون موضع اهتمام طرفَي المحادثة، والتي من الممكن أن تشمل خانة البحث عن زوج أو زوجة.

إنّ ما ينتج عن هذه المحادثات هو محور موضوعنا، فمن الناحية السوسيولوجية يعيش المتحادثون عند الدردشة حالة اغتراب وقطع مع واقعهم المعاش؛ فهم يتحرّرون من القيود الجنسية والسياسية، وكذلك من أصفاد العادات والتقاليد التي تكبّل أفكارهم وعيونهم وألسنتهم، وينفصلون عن بيئتهم المُتخمة بمفاهيم ’’العيب‘‘ و’’الحرام‘‘، ليتّصلوا بالواقع الافتراضي حيث يعيشون حياة متحرّرة تتمنّاها أنفسهم. وهكذا، فبين انفصال واتّصال، أصبح الفرد في العالم العربي الأكثر استخداماً لمواقع الدردشة. وهذا أمر طبيعي في دول تكثر فيها القيود في المُعاش وتفيض معها نزعات التمرّد في الافتراض، وفقاً للمعادلة الجدلية التالية: ’’كلّما ازدادت القيود والممنوعات والمحرّمات في مجتمع ما، زاد أو كثر اللجوء إلى وسائل ملتوية أو افتراضية لتنفيس هذا الاحتقان الناتج عن التصارع بين الممنوع أو المكبوت من جهة، والمسموح به من جهة أخرى‘‘. فما يقوم به العالم الافتراضي هنا هو تماماً كالدور الذي يقوم به الحلم في تنفيس المكبوت.

من الافتراضي إلى الواقعي

لكنّ السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هو صوابيّة أو خطأ هذه الوسيلة في محاربة المكبوت وتصفيته من أجل الوصول إلى شخصيّة أساسيّة سويّة، وخصوصاً أنّ كلّ عناصر المحادثة أو الدردشة غير صحيحة في الغالب، مع الإشارة إلى أنّه في بعض الحالات استطاع المتحادثون الانتقال من الافتراض إلى الواقع، إذ حصلت لقاءات وصداقات وحالات زواج في بعض الأحيان، نترك الحكم على نجاحها أو فشلها إلى الدراسات الميدانية. وهذا مع ضرورة الإشارة إلى أنّ أغلب تلك الدراسات تشير إلى أنّ أكثر العلاقات التي قامت عن طريق الدردشة الإلكترونية حين حاول أصحابها نقلها إلى عالم الواقع فشلت أو لم تكن على المستوى نفسه.

في المحصّلة، نرى أنّه من إيجابيات تلك الدردشات دورها في إزالة الاحتقان النفسي والتخفيف من تراكم الأثقال الاجتماعية والسياسية، وذلك بانقطاع الفرد عن مجتمعه الضاغط وتحرّره من القيود والممنوعات والمحرّمات، وربّما من استبداد الأنظمة الحاكمة أو الجماعة المسيطِرة لفترة من الزمن. إنّها لحظات وساعات تحتضن الحرّية والسعادة وإبراز الأنا الحقيقيّة من دون مراعاة للضوابط المملّة التي جعلت أكثر الناس يعيشون في الكذب والتصنّع والازدواجيّة بين ما تحدّثهم به أنفسهم وما يستطيعون إظهاره للخارج. أمّا ما يثير القلق، فهو إدمان قسم كبير من مستخدِمي شبكات التواصل على الدردشة اليومية ولفترات زمنية طويلة ممّا يؤشّر على حالة مرضية موصوفة أقلّها الانطوائية والعزلة. فمن غير المقبول أن يعيش الإنسان في عالمه الافتراضي والخيالي أكثر ممّا يعيش في واقعه الحقيقي كما يحصل عند قسم كبير من مراهقينا. وتشير الدراسات الميدانية إلى أنّ نسبة 28% من أفراد العيّنة يمضون من 3 إلى 4 ساعات يومياً على شبكة الإنترنت و12% يمضون أكثر من عشر ساعات يومياً (مركز نماء للبحوث والدراسات، المصدر المذكور سابقاً).

وللتخلّص من هذه الحالة غير السويّة، على المجتمع أن يبحث عن وسائل أخرى لتهدئة المكبوت الهائج ربما عن طريق السعي للانتقال إلى مجتمع مدنيّ تقلّ فيه الانتماءات الموروثة والمحرّمات واستبداد الطبقة الحاكمة. وفي حال تخلّف الدولة أو المجتمع عن القيام بمسؤوليّتهما، يجب عليهما، بالحدّ الأدنى، معالجة المشكلات الاجتماعية التي أفرزتها قيوده وأنظمته، ذلك أنّ أشكال النُّظم الاجتماعية كافة تتكامل في ضغطها على أفراد المجتمع، ما يُنتِج بنية اجتماعية صلبة ومقاوِمة لأيّ تغيير اجتماعي. أمّا إذا لم تُخفِّف النُّظم الاجتماعية من سطوتها، فلنتوقّع المزيد من الاندماج الإلكتروني الذي سيُنتِج انفصاماً مرَضياً بين مجتمع منشود يكون هو والمجتمع الراهن على طرفَيْ نقيض.

في الختام، تجدر الإشارة إلى أنّ ما تضمّنه عنوان الموضوع من عبارة ’’الرغبات الدفينة‘‘ لا يتمّ اختصارها برغبات محدَّدة بذاتها كالرغبات الجنسية، إذ بإمكان تلك الرغبات أن تكون نفسيّة، كالحاجة إلى تقدير الذات، أو اجتماعية، كالحاجة إلى المساعدة في حلّ مشكلة اجتماعية ما كالبحث عن فرص عمل على سبيل المثال لا الحصر، كما قد تكون رغبات سياسية تتجلّى في التوق إلى الحرّية والإصلاح والمساواة  والعدل والرغبة في التخلّص من نظام حكم ديكتاتوري. ما يحصل في شبكات التواصل يمكن أن يكون ’’فشّة خلق‘‘ كما يمكن أن يكون فضاءً ينتفض فيه الضعفاء من أجل كرامة داستها أقدام الطغاة، وتكون من مقدّمات الانتفاضة الحقيقية، وهذا ما تلمّسناه جميعاً من دور شبكات التواصل الاجتماعي في قيام ثورات ’’الربيع العربيّ‘‘.

إضافة تعليق

1 + 9 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.