الدلالة المصطلحية للتداخلية وموقعها في قراءة التراث عند الدكتور طه عبد الرحمن (الجزء الأول)

يعد الدكتور طه عبد الرحمن من أبرز الفلاسفة المعاصرين اشتغالاً على العلوم الإسلامية في مستوى المضامين، وفي مستوى الآليات المنتجة لتلك المضامين. وبحكم العلاقة الجامعة بين المضامين، والآليات المنتجة لتلك المضامين، فقد سعى الدكتور طه عبد الرحمن إلى العمل على تحرير المفاهيم، والمصطلحات المركبة لتلك المفاهيم، تحريرا يقتضيه المجال التداولي، وينسجم مع طبيعة تلك المفاهيم من حيث التداول، والاستعمال، والمرجعية. واقتناعا منه بهذا الخيار العلمي فقد أراد الاشتغال على مفهوم التداخلية من حيث هو مفهوم له حضور متميز وبارز في النسق الجامع للعلوم التي نشأت، وتطورت في أحضان التراث العربي الإسلامي. وله موقع في الدراسات التراثية التي أنجزها اتجاه التراث، والتي أنتجت عددا من المصطلحات والمفاهيم التي لها أسماؤها ونعوتها الخاصة، والتي تنتمي إلى معجم الدكتور طه عبد الرحمن. فلقد سعى الدكتور طه عبد الرحمن بهذا الاشتغال والممارسة، أن يعيد لقراءة النص التراثي موقفه وحضوره ومكانته وتميزه. وهو ما اقتضى منه إعادة القراءة للمشاريع التي اشتغلت على قراءة التراث العربي الإسلامي بمنهجيات موصلة ووافدة من الغرب.

  • إشكالات وأسئلة أولية

 من الظواهر الثقافية والفكرية التي تستوقف الدارس والباحث والمتابع لمسار التراث العربي الإسلامي في تطوره التاريخي هو ذلك التداخل القائم بين العلوم التي نشأت في أحضان هذا التراث، حيث إن العلاقة التداخلية والتكاملية كانت هي السمة البارزة، والوصف الغالب، والعنصر المهيمن على جميع العلوم التي نشأت في هذا التراث، وتطورت في أحضان  الثقافة العربية الإسلامية .

وهذا التداخل القائم بين العلوم استوقف كثيرا من الدارسين وأثار عددا من الباحثين، وهو ما جعلهم يتوجهون نحو البحث عن الأسباب، وينقبون عن الدواعي، ويرصدون النتائج، والآثار التي كانت من وراء هذا التداخل والتكامل القائم بين العلوم التي نشأت في التراث العربي الإسلامي. والذي كان حاضرا بقوة، وقائما بشكل ملفت للانتباه بين عدد من العلوم، خاصة العلوم التي توجهت نحو خدمة القرآن الكريم، وهي العلوم المسماة بعلوم الفهم، وعلوم البيان، والاستمداد، وهي العلوم المنعوتة والمسماة بالعلوم المقصودة لغيرها، أو علوم المقاصد.  فقد توجه المناصرون لأطروحة التداخل بين العلوم إلى تنظيم عدة لقاءات، وإعداد عدة ندوات، و انجاز عدة بحوث ودراسات، قصد استحضار وتمثل واستكشاف أهم القضايا والإشكالات ذات الصلة بموضوع تداخل العلوم، أو من أجل استجلاء المعالم الكبرى والعناصر الأساسية المشكلة لهذا التداخل، والتوجه لتمثل هذا الإشكال، واستحضار الدواعي الأساسية والبواعث الرئيسية التي ساهمت من قريب أو من بعيد في تشكل هذا التداخل. ورصد ألهم الأسباب، ومتابعة النتائج التي ساهمت في هذا التداخل المساهم في عبور وانتقال ورحلة كثير من المفاهيم من حقولها الأصلية إلى حقول أخرى، ومن العلم الذي نشأت فيه من علم إلى أخر . فلا احد يشك أو يماري في هذا المعطى المتعلق برحلة المفاهيم وانتقالها بين العلوم ، واكتسابها في هذا الانتقال لمعان جديدة مستحدثة غير التي كانت عليه في حقولها الأصلية التي نشأت فيها. من هنا أصبحت فكرة التداخل بين المعارف والعلوم من أكثر المواضيع اهتماما، ومن أهم القضايا استحضارا في الأوساط التعليمية والأكاديمية في الآونة الأخيرة. وهو الموضوع الذي يجعلنا ندرك أن فكرة التداخل والتكامل بين العلوم، شكلت أحد الأفكار الأساسية والمحاور الكبرى التي لقيت رواجا واسعا ومناقشة مستفيضة بين الدارسين، والباحثين، والمنشغلين بالدراسات التراثية عامة، والدراسات القرآنية خاصة في الآونة الأخيرة، وهو ما أفضى بهؤلاء المشتغلين إلى جعل فكرة التداخل بين العلوم موضع عناية ومحور اشتغال. ومن أبرز الأسباب التي ساهمت في هذه التداخلية هي محورية النص القرآني في الثقافة الإسلامية، إضافة إلى خدمة العلوم بعضها للبعض، وتبعية العلوم بعضها للبعض بشكل مباشر، في هذه الخدمة للنص القرآني خاصة في تجلياته المؤسسة، وعناصره المركبة له. فقد اتجهت جميع العلوم الإسلامية إلى النص لبيانه واستمداد المعنى منه، وهو المعطى الذي يسميه الدكتور طه عبد الرحمن بالمحدد اللغوي في المجال التداولي العربي الإسلامي ، وهو المحدد الكاشف لموقع اللغة في التراث العربي الإسلامي.

فالنص في الثقافة العربية الإسلامية كان المحور والمركز والمرجع، ولا أدل على ذلك ما قاله وصرح به الإمام ابن جزي الكلبي عندما قال في مقدمة تفسيره التسهيل بأن النص" هو المقصود بذاته – يعني القرآن - وسائر العلوم أدوات خادمة له، ومعينة عليه" .  ومما يدل على مبدأ التداخلية القائمة بين العلوم، في التراث العربي الإسلامي، هو ظهور علم تصنيف العلوم، وهو علم عرف تطورا كبيرا في الثقافة العربية الإسلامية، وحقق تراكما في الكتابات والتأليف، وهو علم اتجه إلى الفصل والتمييز بين علوم الوسائل، وعلوم المقاصد ، أو العلوم الأصلية المقصودة لذاتها، والعلوم التابعة والمقصودة لغيرها.  ولو لم تكن تلك العلوم متكاملة فيما بينها، ومتحققة في المهام والوظائف، ومتداخلة في أغلب العلوم التراثية كما صرح بذلك الدكتور طه عبد الرحمن؛ لما أمكن تصنيفها، ولما تيسر ترتيبها حسب مرجعياتها الكبرى، أو حسب اشتغالها في حقولها المعرفية التي تنتمي إليها، أو حسب وظيفتها والمهام التي تؤديها، ولما أمكن تمثلها من حيث وظائفها، أو من حيث فوائدها، ومقاصدها التي تريد الوصول إليها، وتسعى إلى تحقيقها. فرغم اختلاف معايير التصنيف، ومراتب التأليف، ومسميات الترتيب، المتسمة، والمتصفة بالتنوع، والتعدد، والاختلاف، والتفرق؛ فإن ذلك يدل بوضوح وبشكل صريح عن تحقق "النزعة التكاملية المتجسدة في العلوم التي نشأت في أحضان التراث العربي الإسلامي " . وهذه التكاملية التي كان من ورائها بشكل مباشر النص المؤسس لهذه العلوم والموجه لها. و أعني نص القرآن من حيث كان هذا النص هو المنطلق الأسمى للشمولية، والتكاملية العلمية في العلوم التراثية، والتي ظلت الوصف الحاضر والمشترك بين جميع العلوم الإسلامية باختلاف مرجعياتها وأنواعها. هذا المعطى التداولي هو الذي جعل العلوم في التراث العربي الإسلامي تتجه مباشرة إلى تأسيس علوم البيان المفضية إلى فهم القرآن الكريم، ووضع الضوابط، ورسم الأصول الهادية و المؤدية إلى الفهم السديد. فلقد كان طبيعيا والعربية هي لسان الشريعة الإسلامية، أن توضع قواعد البيان والتفسير انطلاقا من قواعد اللغة العربية، وهكذا وضعت تلك القواعد بعد الاستقراء والتتبع لأساليب اللغة العربية، وهذا الإشكال ينعته الدكتور طه عبد الرحمن بالمحدد اللغوي.

هذه المعطيات والإشكالات هي التي جعلت الانفصال والاستقلال غير وارد، أو مطروح بين جميع العلوم التي نشأت في أحضان الثقافة العربية الإسلامية بفعل وحدة المرجع المشترك، الذي كان يجمع هذه العلوم، ويعمل على تأطيرها، علما أن النص القرآني ظل هو النص الذي يستجمعها، ويؤلف بينها، ويوجهها.

. ب- مرجعيات التداخلية: السياق والدلالة والمعنى

 إن مصطلح التداخلية بين العلوم، من ابرز، ومن أكثر، المصطلحات حضورا، وتداولا في كتابات الدكتور طه عبد الرحمن، بحيث تردد هذا المصطلح بشكل كثير، ومثير في مؤلفات الدكتور طه عبد الرحمن، وفي كتبه، وفي أبحاثه، وفي محاوراته المنجزة، والمنشورة في الدوريات، المجالات. بل إن كتاب "تجديد ا لمنهج في تقويم التراث، جاء حافلا بالتقول، وغنيا بالشواهد، وحاملا لعدد كبير من النصوص، والبحوث التي تشتغل على تحقيق المفاهيم، بإبراز الفوارق القائمة بينها، خاصة مفهوم التداخلية من حيث هو مفهوم أصيل ومحوري في كتابات الدكتور طه عبد الرحمن . فلقد سعى الدكتور طه عبد الرحمن في مشروعه الفلسفي إلى أن يشيد ويؤسس الفعل الفلسفي منطلقا من طريق أولي، وهو تحرير مفاهيمه، المتداولة في هذا الخطاب، وتوصيف المصطلحات المشتغلة فيه؛ تحريرا يقتضيه المجال التداولي الذي فيه استعملت، وتداولت فيه تلك المصطلحات، سواء في بداية تشكلها، أو في المرحلة التي تلي وتعقب هذا التشكل بفعل الاستعمال، والتداول والاستخدام. ومن ثم فهو يسعى إلى تأسيس نظرة جديدة حول التراث العربي الإسلامي، نظرة تعيد القراءة حضورها، والفعل للقول الفلسفي تواجده، بمقاربات جديدة، تستجيب للحظة الحضارية الراهنة.وتقوم باحترام السياق الذي أنتج فيه هذا الخطاب، والفصل بينه وبين غيره من الخطابات الفلسفية . وفي هذا السعي كان الدكتور طه عبد الرحمن يراهن على أن تحصيل المعرفة باختلاف أنواعها، يبدأ بتحقيق المفاهيم، وهو الأمر الذي يحتاج إلى ضرورة إعادة النظر في كثير من المفاهيم التي نستعملها، ونتداولها، ونستخدمها، خاصة في تحصيل معارفنا، وأفكارنا، لاسيما المفاهيم التي أخذت من أصولها الأجنبية، وانسقنا في استخدامها دون إن نتمكن من استيعابها، أو إرجاعها إلى أصولها الأصلية، من هنا وجب لزوما إعادة النظر في هذه الاستعمالات . وفي هذا المسعى، كان القصد الاسمي من مناصرة منهج التداخلية في القراءة، هو السعي إلى جعل القراءة التي تتأسس على منطلق المنهج التداخلي، من شانها أن تسلك بالقارئ العربي، وتنتهي به إلى نتيجة الاعتزاز بالتراث الذي صنعه أجداده، وأمته، بدل التعلق بالتراث من صنع أمة سواه : واقتناعا منه بهذا الخيار العلمي الصعب فقد اختار الاشتغال على التداخلية من حيث هي مفهوم معرفي، ومكون أساسي، من مكونات الجهاز المفاهيمي المتداول والحاضر في متنه، وكتاباته، وهو المسعى المرجعي، الذي جعله يسعى إلى مقاربة، ومتابعة لهذه العلوم التراثية، سواء في مرجعياتها، أو في سيرورتها، وتحولاتها، وفي سياقاتها، سواء في بعدها الداخلي، عن طريق إبراز الأنساق التداخلية المشيدة للعلوم، من حيث رصده لهذه العلوم، في تطورها، ومن حيث تتبعه لمسارها، ومن حيث وقوفه على تفاعلها مع باقي العلوم التي كانت محتضنة، ومحمولة في التراث العربي الإسلامي. أو سواء في بعدها الخارجي بإبراز، ورصد، ومتابعته للمؤثرات الخارجية، التي ساهمت من قريب، أو من بعيد في تشكيل هذه العلوم من حيث التطور والمسار الذي قطعته.  ولتحقيق هذا المشروع، وهذا المبتغى كان من الضروري النظر في الآليات التي أنتجت مضامين، ونصوص التراث العربي  الإسلامي ، وهذا التوجه والاختيار هو منفذ التخلص من النظرة القطاعية في مدارسة التراث العربي الإسلامي.

  ج- التداخلية: المشروع و المسار

 إن هذا المشروع الحامل لمنهج التداخلية من حيث هي آلية في القراءة، والذي تجسد في مجمله في مجموعة من كتبه، وأبحاثه، ومداخلاته، خاصة في كتابه " تجديد المنهج في تقويم التراث". فقد اتجه إلى الاشتغال على مرجعية التداخلية بين العلوم.، فقد صرح الدكتور طه عبد الرحمن في أكثر من مناسبة، وفي أكثر من موضع، بأن التداخلية بين العلوم، كانت من أبرز الآليات التي اتخذها، ومارسها، واستند عليها، واستعان بها في مدارسته، ورصده لتاريخ العلوم، في مسارها التاريخي الذي قطعته، ومرت منه، وهو الخيار الذي التزم به في مدارساته للتراث العربي الإسلامي ، أو في انجاز بحوثه التي انصبت عن الآليات، والأنساق المنتجة لهذا التراث، وللمفاهيم المحمولة فيه، والتي بها سميت تلك الآليات، وكان يعتبر الدكتور طه عبد الرحمن مفهوم التداخلية من أبرز المفاهيم التي يجب الاستعانة بها في قراءة التراث العربي الإسلامي ، أو في فهم الآليات المنتجة لهذا التراث، أو في التحقق من المفاهيم المتداولة، أو في مقاربات الحوار المضامين، والمحتويات، لأن النص التراثي في بنائه الداخلي مؤسس، ومشيد على هذه الآلية المنتجة له، والتي كانت قائمة بين العلوم، وحاضرة فيه بشكل جلي، خاصة في نسقية العلوم المشيدة للتراث.

إن التداخلية ستكون بدون شك المنطلق هي بداية عهد جديد في تأسيس، النظرة الجديدة للتراث العربي الإسلامي، وهو الأمر الذي لا يتأتى، ولا يتسير إلا بفهم، وتقويم اعوجاج القراءات التي أنجزت، حول التراث من لدن الدارسين العرب. وهي القراءات التي عملت على إسقاط مفاهيم، ومناهج الغرب بالقوة على هذا التراث، وبدون وعي بمرجعياتها الثقافية، وبأصولها الحضارية.

2)) البدايات، المنطلقات المعرفية لتأصيل منهج التداخلية

  تقويم اعوجاج الخطابات الفلسفية

إن البدايات الأولى، في تأصيل هذا المفهوم، كان هو الانطلاق، والشروع، والبدء في تقويم اعوجاج الخطابات الفلسفية، والفكرية التي قاربت التراث العربي الإسلامي،  بآليات، ومناهج منقولة، غير مأصولة، ومنها المنهج التجزيئي الذي ناصره بعض الباحثين، والدارسين العرب. فقد عمل الدكتور طه عبد الرحمن على نقد النظرة التجزيئية للتراث، من حيث أن هذا النقد هو الخطوة الأولية والأساسية من أجل دعم، وتأسيس، وبناء النظرة التكاملية التداخلية للعلوم. تلك النظرة التي تقوم على التسليم المبدئي بتكامل المعارف، والعلوم، من حيث خدمة بعضها لبعض الأخر حيث الهدف التي تؤديه. هذه العلوم، ومن حيث الوظيفة التي تؤديها، وهو ما أدى إلى مصادرة الدعاوي المتجهة إلى التوجه نحو التجزيئية، و للقول بالتفاضلية بين الحقول المعرفية في الحضارة العربية الإسلامية.  

في هذا السياق، فهو يدعو إلى قراءة التقول الفلسفية، انطلاقا من اللغة التي كتبت بها هذه النقول، وليس باللغة التي نقلت إليها هذه النصوص.  قال الدكتور طه عبد الرحمن: "إذ كان نفوري شديدا من التقول العربية للنصوص الفلسفية قديمها، وحديثها، لانتهاج هذه النقول، واعتمادها على الترجمة الحرفية، فاستقر في صدري أن اختلاف الآليات اللغوية، بين الأصول، والنقول، من شانه أن يؤدي بصاحبه إلى اختلاف في وجوه التفكير"

  تبعا لهذا التحذير، من ضرورة التحقق من النصوص الفلسفية انطلاق من أصولها، والياتها، وليس عن طريق البحث عن مفاهيم موجودة في الأصل في ثقافة الغرب، والعمل على استنساخا من غير نقد، أو مراجعة، أو تمحيص لها، إن هذا العمل يتعارض كليا مع مقتضيات البحث العلمي.خاصة وان من عواقب هذا الفعل هو عدم التمثل، والتمكن من كثير من المفاهيم التي أنتجها الغرب بلغته الخاصة.

 ومن شان هذا العمل المتعلق بالقصور في عدم التمكن من المفاهيم المنقولة أن أدى إلى كثير من النتائج الفاسدة عن الحاضرة في الحقول المعرفية في هذا التراث. بل أدى إلى تحوير، وتحريف كثير من الحقائق، والمفاهيم الحاضرة في الحقول المعرفية في هذا  التراث. وهو ما كان داعيا إلى مراهنة الدكتور طه على إعادة تجديد المفاهيم المنقولة وصلا، مسانرا.

*  احترام المجال التداولي العربي

 وللوصول إلى الغرض كان من الضروري الانطلاق من فحص الآليات المستخدمة، والمستعملة في قراءة هذا التراث. والانطلاق في هذا الفحص من عرض تلك المفاهيم على محك النقد، والنظر، حتى يتم معرفة مناسبتها أو معارضتها للمجال التداولي الذي فيه تم إنتاج هذا التراص

ومن تبعات هذا الاحترام، هو للانطلاق من البناء من الذات "فلقد غلب على الباحثين العرب، وضع مصطلحاتهم، العلمية، وبناء أجهزتهم الوصفية والتفسيرية، بقوالب ومعايير اللغة الأجنبية، الفرنسية، والانجليزية، فلا تكاد تجد معظمهم من الكفاءة العلمية إلا ما كان نقلا حرفيا لمصطلحات أجنبية من غير وعي بأصلها التي منها استمدت وأخذت تلك المفاهيم.

إن المفاهيم المشكلة للمجال التداولي، لها مجموعة من المرجعيات، والمحددات أبرزها المحدد اللغوي الذي به يتميز المجال العربي الإسلامي. فهذا المجال كما قال الدكتور طه عبد الرحمن في أكثر من مناسبة يعتمد أساسا على المحدد اللغوي باعتباره وسيلة للتخاطب، والتفاهم، والتبليغ عن المقاصد والأغراض، بهدف تحقيق الإفادة والإقناع. 

الاعتزاز بالتراث والنقول الفلسفية الإسلامية

 إن الدكتور طه عبد الرحمن يعتز بالتراث، الذي صنعته الأمة الإسلامية، لأنه يحمل مجموعة من القيم التي كانت من وراء إنتاج هذا التراث، ويعارض الدعوات الساعية إلى التكرر، أو المصادرة، أو التنقيص من قيمة هذا التراث، ويعرف التراث  بأنه :"هو عبارة عن جملة المضامين، والوسائل الخطابية، والسلوكية التي تحدد الوجود الإنساني بصفة عامة  ". ويرى أن قوة التراث العربي الإسلامي تتجلى في العلوم والمعارف العملية والشرعية والأخلاقية التي تبدعها علماء الإسلام على  مر العصور الإسلامية، في حين أن منتوجهم الفلسفي غلب عليه النقل والتقليد، وغاب عنه الإبداع .   بناء على هذا التعريف للتراث، فقد انتقد دعاة الانقطاع على التراث بسبب آن هذا الانقطاع غير ممكن، ولا متسير، وليس بالسهل الوصول إليه.لان التراث العربي الإسلامي متجذر في الذات، وحاضر في الذاكرة، وليس بالسهل التقاطع والتباعد معه، فهو حاضر في الذاكرة بقوة، وملازم للوجود الإسلامي، وبالتالي فليس من السهل الانسلاخ عنه، ، أو الابتعاد عنه بأي وجه من الوجوه.

من هنا فقد عمل الدكتور طه على نقد القراءات التي سعت إلى قراءة التراث بمقتضيات منهجية، هي من خارج  الممارسة التراثية.

 كما عارض العمل على البحث في مفاهيم موجودة عند الغرب، وفي ثقافته، وفي تراثه، وتسليطها، وتنزيلها بالقوة على التراث الإسلامي من غير نقد، أو تمحيص، أو مراجعة لهذه المفاهيم، الدخيلة، والمنقولة من ثقافات أخرى. بل من غير التمسك، أو التأكد، بالياتها، وبمكوناتها، وبمرجعياتها التي فيها تأصلت، وفيها نشأت، ومنها تطورت.

  وهذا الاختيار في النقل من دون مراجعة، من الأمور التي تتعارض كليا مع البحث العلمي، في سياقاته وتطوراته. وهو ما يعارضه الدكتور طه عبد الرحمن صراحة، وفي جميع نصوصه.

على هذا الأساس فان الدكتور طه عبد الرحمن يصرح بان كل منقول إلينا معترض عليه، بل منتقد حتى يدل الدليل على صحته، وكل مفهوم ماصول مقبول حتى يقوم الدليل على بطلانه. وبناء على هذا "أن المفهوم المنقول إلينا أصلا مفصول عنا، إذ ورد علينا من تراث غيرنا، فيتعين علينا أن نخضعه لإجراء النقد لا تنقيصا منه كما يظن، وإنما من اجل اختبار  مطابقته للواقع، ومتطلبات عصرنا.

إن الوصول إلى الكونية لا يتحقق بالانطلاق من استنساخ تجارب الأخر، ونقلها، وإنزالها بالقوة على المجال التداولي العربي الإسلامي، وإنما بالانطلاق من الذات، والاغترار بهذه الذات، وبناء هذه الذات من الداخل، من خلال التفاعل هذه الذات، سواء مع المورث الذاتي، ومع الموروث الكوني الإنساني. وبناء على هذا فان من اكبر أخطاء المعاصرين أنهم ذهبوا إلى تحقير هذا التراث الذاتي من غير تحسب، وما كان يجوز تحقيره من وسائل مقتبسة، وذهبوا إلى تعظيمه من غير تفكر، وكأنهم يتنافسون في تثبيط العزائم " . إن من شان القراءة التراث الإسلامية باليات، ومناهج منقولة أن يؤدي إلى تبخيس هذا التراث من جهة، والتنقيص من قيمته، وحمولته الثقافية، والحضارية من جهة أخرى ، بل الوصول إلى التقاطع معه من جهة أخرى. لقد اتبع هؤلاء النقاد مناهج، ووظفوا فيها مفاهيم جلها مفاهيم منقولة من ثقافات مخالفة لجنس الثقافة العربية الإسلامية التي ينتمي إليها التراث. وهذه الطرائق والأساليب المستمدة من ثقافة الغرب باليات الاستهلاكية، وقد بين خطورتها في الاستخدام ، والاستعمال":إن تسليط آليات العقلانية النظرية المجردة كان لابد أن يفضي إلى قطع الصلات بين أقسام هذا  التراث . فهذا الاعتزاز بالتراث أملى عليه احترام المجال المتداول في أية مدارسة للتراث العربي الإسلامية، فقد صرح" لقد اتجهت في أن لا انزل على النص التراثي أدوات انقلها من تراث أخرى قديمة كانت أم جديدة. بل اطلب هده الأدوات من أصله، حرصا على استيفاء المقتضى المنطقي الذي يوجب آن يكون المنهج مستمدا من الموضوع ذاته، لا من خارجه. ولقد سميت هده الأدوات بالآليات الماصولة في مقابل الآليات المنقولة.

  إن التراث ينبغي أن يحاكم بأدوات إنتاجه، فلا يمكن آن يحاكم بأدوات هي من خارج من التراث، إلا على سبيل المقارنة، كما لا يمكن أن يقوم التراث بأدوات واليات أنتجها غيره، تتناسب مع المضامين التي ترجع إليها تلك الآليات.  

من هنا فإن الوصل بين التراث والمعاصرة، يتميز باستكشاف الروح التي تحكمت في هذا التراث، سواء أكان هذا التحكم في المضامين، أم في الآليات. وبدون السقوط في الإعجاب بالتراث الذي صنعه الغير.

إضافة تعليق

4 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.