الدورة السادسة للجائزة العربية مصطفى عزوز لأدب الطفل: ندوة علمية حول تحديات أدب الطفل في ظل التحولات الراهنة

في إطار الدورة 6 للجائزة العربية مصطفى عزوز لأدب الطفل انتظمت في أواخر الأسبوع المنقضي (24 أفريل 2015) ندوة علمية بإشراف الدكتور محمود الماجري حول تحديات أدب الطفل
في ظل التحولات الراهنة شارك فيها العديد من الكتاب المختصين وهم أحمد خواجة من تونس ود. مسعودة لعريط من الجزائر ود. نجلاء بشور من لبنان والعربي بن جلون من المغرب ود. العيد الجلولي من الجزائر وقد تناول كل مشارك مسألة التحديات من زاوية نظر معينة وطرح عديد الإشكاليات والأسئلة المهمة من ذلك:
• على ماذا يراهن الأدب الموجه للطفل اليوم؟
• كيف يكتب الكاتب في ضوء سيطرة الصورة والنت على عالم الطفل؟ وما هو مستقبل الكتاب الرقمي؟
• ما هي استراتيجيات تثمين المطالعة الحرة؟
• كيف يمكن للأدب الموجه للطفل أن يرسخ قيم المساواة والاختلاف؟
• ما هي الطرائق المثلى لاستلهام المخزون الأدبي والفكري وقراءته نقديا؟
• هل يمكن للأدب الموجه إلى الطفل أن يكرس مفهوم المواطنة؟قال الدكتور محمود الماجري في افتتاحه لهذه الندوة أن الأدب الموجه للطفل على حداثة عهده اكتسى من الأهمية «ما يجعله
مجالا جديا للبحث والتمعن وحتى وإن كانت نسبة القراءة متدنية في العالم العربي مقارنة بالعالم الغربي فإن تلك الأهمية ليست بصدد التراجع بل لعلها في حاجة أكيدة لمزيد الرعاية ذلك أن الخروج من وضع القراءة المتردي لن يتحقق إلا بالتعليم ونشر المعرفة عن طريق مختلف الوسائط ومن بينها الكتاب سواء كانت محامله ورقية أو رقمية».
كما أشار الدكتور محمود الماجري إلى عوائق أخرى في هذا المجال مبرزا أن «الأدب الموجه إلى الطفل علاوة على مكانته المعترف بها يعتبر معلما بذاته فهو يمهد الطريق لخلق مجتمع القراءة الذي طالما شكل هاجسا للفلاسفة وطموحا للمربين وحلما للمثقفين وإذ يبدو الوصول إلى هذا المجتمع صعب المنال في الوضع الراهن أكثر من أي وقت مضى بفعل التراجع الملحوظ لقيم المعرفة والتحصيل العلمي الجدي أمام قيم الربح السهل لتحقيق الثروة العاجلة مهما كانت مصادرها فإنه من الضروري عدم التراجع أمام كل العقبات التي تعيق إنتاجه وتمنع وصوله إلى أكبر عدد من القراء عبر طرائق مستحدثة في الوساطة والتواصل».
أما الدكتورة مسعودة لعريط من الجزائر فقد تناولت في مداخلتها مسألة «المساواة والاختلاف بين الجنسين في أدب الطفل مشيرة إلى أن المساواة والاختلاف مفهومان أساسيان في تنشئة الأطفال وتربيتهم في كل المجتمعات على اختلاف الأنظمة والثقافة وهما مفهومان يندرجان ضمن المنظومة التربوية التي يتعلمها الطفل من خلال عملية التنشئة الاجتماعية والتي تنبع من الدين والعرف وفلسفة المجتمع وتؤدي بالفرد إلى السلوك السوي في المواقف المختلفة تتجسد هذه المفاهيم في السلوك الموجه من قبل الأسرة والمدرسة والمجتمع ككل كما نجدها مبثوثة عبر الوسائط الثقافية والفنية والأدبية الموجهة للصغار وفي مقدمتها أدب الطفل».
وقد تولت تحديد مفاهيم المساواة والاختلاف والطفل ومراحل نموه مؤكدة أن الطفل من 3 إلى 5 سنوات يكون في مرحلة تتميز بالواقعية والخيال المحدود إلا أنه يصبح في مرحلة الخيال المطلق خلال المرحلة العمرية من 6 إلى 9 سنوات ففي المرحلة الأولى يعتمد حاسة اللمس للتعرف على المحيط الخارجي فيما يصبح في المرحلة الموالية قادرا على إدراك علاقات الأشياء ببعضها البعض وأن القراءة هي من أهم أنواع التحصيل اللغوي والخيالي لدى الطفل وميله إليها يزيد في هذه المرحلة التي يتميز فيها بالإقبال على قراءة القصص إلى جانب ميله إلى حكايات الجان والشخصيات الخرافية والمغامرات العجيبة والأبطال التاريخيين كما أن الطفل في هذه المرحلة لا يميل إلى الاختلاط بالجنس الآخر.
أما في المرحلة التالية من 9 إلى 12 سنة فتكتمل حسب الدكتورة لعريط ملكة الطفل اللغوية بفعل القراءة والاحتكاك بالمجتمع وفي هذه الفترة تبدو له الفروق في النمو الجسمي والحركي بين الذكور والإناث. «وفي هذه المرحلة من الطفولة ترغب الفتاة في الكتب التي تتحدث عن عواطف الأمومة، حيث نجدها تتعاطف مع البطلات الحالمات العطوفات على الفقراء والمسعفات للمرضى والحريصات على الاعتناء بالمهام المنزلية اليومية من أجل راحة وسعادة الأشخاص المحبوبين أما الذكور فتبرز إن الفروق أو الاختلافات بين الذكر والأنثى ما هي إلا مميزات خاصة ليست على درجة من الأهمية لكن المجتمعات الأبوية هي التي تكرس النظرة الدونية للمرأة حيث «ينشأ الأولاد والبنات طبقا لقواعد النمط الثقافي لدورهم الجنسي فلكي يصبحوا ما يفترض أن يكونوا عليه لا يجب أن يسلكوا أي مسلك لا يتوافق مع الفكرة الرئيسية للرجولة والأنوثة».
المغربي العربي ينجلون تناول في مداخلته أسس الكتابة للطفل في ظل التحولات الراهنة حيث أشار إلى أن مجتمعنا العربي مازال بكل مؤسساته «الثقافية والتعليمية والاجتماعية يغيب الطفل وإن كثر اللغط حوله في الوسائل الإعلامية المرئية منها والمسموعة والمقروءة على السواء ولا نقصد بالطفل أو الرجل طورا عمريا وكفى إنما نعني الإنسان الذي نبني شخصيته ليصبح عضوا فاعلا في محيطه والعالم.
إن قسطا كبيرا من المسؤولية يتحمله رجال الفكر والتربية والتعليم الذين يستسهلون التعامل والتواصل مع الطفل ويظنونه مجرد صفحة بيضاء يكتبون فيها ما يشاؤون ويقررون له ما يريدون وعجينة لينة مرنة يسوّون بها ما يحبون».
والطفل «في بداية حياته وان كانت شخصيته لم تتشكل بعد لكنه عندما يجتاز العقد الأول ينفلت من جاذبية الكبار لينشئ عالما آخر خاصا بشخصيته كما أن هؤلاء الكتاب لم يحاولوا أن يفهموا الطفل أولا قبل أن يكتبوا عنه وله ثانيا أي كيف يفكر ويحلل ويتخيل وينظر في كل طور من طفولته منذ أن يسقط من بطن أمه إلى سن النضج وما هي الجرعات المعرفية التي ينبغي أن تعطى له في هذه المرحلة وتلك بل بأية أدوات فنية وتربوية نتواصل معه تربية وتعليما وكتابة؟»
ويضيف بنجلون أن الطفل العربي يكاد يكون محروما أدبيا وثقافيا ذلك أن الدول العربية مجتمعة تنتج من الكتب والمجلات والجرائد أقل من أصغر دولة في أوروبا.
ويضيف الأستاذ العربي بن جلون «إن أدب الطفل تربة ندية وخصبة لبناء ذاتيتنا من جديد بتحويل الثقافة العربية إلى رأسمال رمزي وروحي يجذر الذات الجمعية بدل أن يتلفها ويتيهها الغزو الثقافي كما نشهد حاليا في عدد كبير من الدول التي تحاول أن تتدارك الأمر قبل أن يستفحل فضلا عن أن أدب الطفل تلقيح فعال ضد الأمراض الاجتماعية والانحرافات والسلوكات الغريبة التي تطفو راهنا على سطح المجتمع وتنذر بالخطر. لذلك ينبغي على الكاتب أن يدرك ما يلائم ناشئتنا مما يريد تلقينه لها» كي لا نخطئ في تهيئة أجيال المستقبل وقد تناول الدكتور العيد جنولي من الجزائر مسألة دور الوسائط الرقمية في تطوير وتفعيل أدب الطفل العربي مشيرا إلى أن الوسائط الرقمية المتعددة والمنشورات الالكترونية في حاجة ماسة إلى دراسة فاحصة
واستثمار فعال من أجل تفعيل أدب الطفل العربي والخروج به من دائرة الوسائل التقليدية التي «لم تعد محبوبة ولا مقبولة للطفل اليوم الذي تحاصره وسائط أخرى أجنبية حاملة لقيم أخرى قد تشكل تهديدا لهويته وفي ظل هذه الوسائط لم يعد للوالدين أو المؤسسات التربوية الرسمية وغير الرسمية وحدها إنتاج المعرفة ونشرها بل أصبح ينافسها صناعة المعرفة ونشرها ما يقدم على شبكة الانترنيت من علم ومعرفة».
وقد أكد الدكتور العيد جنولي أن الكتاب الالكتروني بتفوق على الكتاب الورقي لاحتوائه على تسجيلات صوتية ومواد تفاعلية وأفلام وكذلك للربط المباشر مع الانترنيت بالإضافة إلى عديد المزايا الأخرى التي أتى عليها المحاضر في مداخلته إلا أنه لم يغفّل الحديث عن إثارة المشكلات التي تواجه الكتاب الالكتروني مشيرا في النهاية إلى أنه:
«ومع ظهور الوسائط الالكترونية الحديثة حاولت دور النشر التقليدية إخراج الكتاب الموجه للطفل في شكل يستطيع به أن ينافس هذه الوسائط ولو إلى حين ومن هنا «استفادت كتب الأطفال في السنوات الأخيرة من التقدم الكبير الذي حدث في تكنولوجيات الطباعة والذي أسفر عن طباعة كتب الأطفال بكميات كبيرة وبمواصفات جيدة وبلغت مستويات عليا من الإخراج الفني الأنيق الذي يجذب الأطفال إلى القراءة ونادرا ما نجد الآن كتابا للأطفال يخلو من الصور أو الرسوم الملونة التي تلعب دورا كبيرا في إيضاح مادة الكتاب.

إضافة تعليق