الرؤية المعرفية بين العلمانية والإمبريالية من خلال كتابات عبد الوهاب المسيري

يندرج التفكير في أبعاد الرؤية المعرفية الغربية عند المفكر عبد الوهاب المسيري رحمه الله، بوصفها رؤية تفسر موقف الغرب من الإنسان والمقدس والطبيعة والعالم، إذ يرى أنها ذات طبيعة إمبريالية كامنة في نظرتها للإنسان والطبيعة والمقدس، فهي تميل إلى نزع القداسة عن الإنسان، وتدعو إلى غزوه وتسخيره وإخضاعه دون اعتبار لأي معايير أخلاقية، باستثناء القوة.
تتبنى هذه الرؤية المعرفية علمانية لا تفصل المؤسسة الدينية عن الدولة فقط، بل تعزل القيم المطلقة (المعرفية والأخلاقية والإنسانية والدينية) عن الحياة؛ وفي هذا السياق، تتماهى الرؤية المعرفية العلمانية مع الرؤية المعرفية الإمبريالية، بحيث تصبح الإمبريالية تعميما وتنميطا للمنظومة المعرفية والأخلاقية العلمانية من الغرب إلى العالم. وبسـبب هـذا الترابط والـتلازم بين الرؤية المعرفية العـلمانية والرؤية المعــرفية الإمبريالية، فقد أشار إليهما المسيري بمصطلح «الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية» على أساس أن الاختلاف بين العلمانية والإمبريالية هو اختلاف في مجال التطبيق وليس في الرؤية نفسها.
تهدف الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية إذن، إلى فرض الواحدية المادية وحوسلة الطبيعة والإنسان في كلٍّ من الداخل الأوربي وفي الخارج العالمي حيث تتجلى آلية التنفيذ ومجالها في مؤسسات الدولة المطلقة في الداخل الأوربي وجيوش الدولة المطلقة في الخارج العالمي فثمة اتفاق في الرؤية وفي الأهداف النهائية، واختلاف في آليات التنفيذ فقط.
علاقة الرؤية المعرفية بالصهيونية
هناك حسب المسيري علاقة بنيوية بين الرؤيــة المعرفـية العلمانية الإمـبريالية والتشكيل الاستعـماري الغربـي من جهـة والصهيونية من جهة أخرى، تتجلى النقطة الأولى في رؤيتها للحياة في إطار الواحدية المادية التي تعتبر أن غاية الإنسان في الكون هزيمة الطبيعة والإنسان وحوسلتهما وتسخيرهما، وهي تقوم بترشيد الإنسان والمجتمع على هدي هذه المنظومة وهذا ما فعلته الصهيونية بفلسطين، فقد فرضت الواحدية المادية على فلسطين ورشَّدتها وحولتها من أرض مقدَّسة (صهيون) إلى مكان غير مقدَّس للاستيطان كما رشَّدت اليهود والعرب وحولتهم إلى مادة بشرية تُنقَل من مكان إلى آخر، فاليهود مادة استيطانية نافعة تُنقَل من أوربا إلى فلسطين، أما العرب فهم مادة بشرية لا نفع لها، ولذا فهي تُطرَد من فلسطين.
أما المستوى الثاني تتمثل في كون الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية تستبعد أي إيمان بأية حدود ويأخذ هذا شكل النزعة المشيحانية في الصهيونية وما يُسمَّى «دحيكات هاكتس»، أي «التعجيل بالنهاية».
وفي المستوى الثالث تتأسس الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية على أن الإنسان الغربي مركز الكون وتُسبغ عليه محورية وقداسة ومطلقية فهو صاحب رسالة حضارية تُسمَّى عبء الرجل الأبيض، وهذا ما فعلته الصهيونية مع اليهود الذين تحولوا إلى شعب مختار بالمعنى المادي العلماني.
وترتكز هذه الرؤية في المستوى الرابع، على تصدير المشاكل للخارج، بحيث يدفع بقية العالم فواتير التقدم الأوربي. والحل الصهيوني بهذا المعنى هو حل إمبريالي مبني على تصدير المسألة اليهودية إلى فلسطين لحل مشاكل أوربا وتوظيف العنصر البشري لصالحها. أما على المستوى السياسي فقد قامت الإمبريالية الغربية بتأسيس الدولة الصهيونية بحيث أصبحت قاعدة للاستعمار الغربي تدين له ببقائها وتقوم على خدمته فهي دولة وظيفية تابعة للإمبريالية الغربية. كما أن المنظومة العلمانية الإمبريالية تنكر الآخر وأية منظومات قيمية أخلاقية إلا أخلاق القوة وهذا يتضح أيضا في النزعة النيتشوية القوية في الفكر الصهيوني[1][1].
الرؤية المعرفية العلمانية وأسئلة الهويات والتحيزات
إن هناك توجه يعتبر التشـكيل الإمبريالي الغربي يشكل انحرافاً عن الحضارة الغربية الحديثة وعن رؤيتها للكون، وأن تَبنِّي الحضارة الغربية للحل الإمبريالي (أي تصدير مشاكلها للخارج والهيمنة على شعوب الأرض وعلى مصادرها الطبيعية) هو حالة من غياب الاتسـاق مع الذات في حضارة ليبرالية إنسـانية مستنيرة ارتضت الديموقراطية فلسفة للحكم، وارتضـت التنافس الحر نسقاً اقتصادياً، كما تبنت العقلانية والإنسانية فلسفة للكون.
لكن العكس هو الحاصل فالرؤية المعرفية الإمبريالية ليست انحرافًا عن التوجه العام للحضارة الغربية، بل هي محصلة تركيب وتراكم الفلسفات الغربية منذ عصر النهضة، ثم عصر الأنوار، فالفلسفة الرومانتيكية، فالفكر الدارويني، ثم النيتشوي، وهي ليست حالة عرضية أو استثنائية، بل هي جزء من تدويل عملية الترشيد والعلمنة وتعظيم الإنتاج وتوظيف المادة البشرية وتجريدها من أي مركزية أو تكريم إلهي، فتكون الإمبريالية هي إحدى تجليات المنظومة المعرفية العلمانية؛ وإذا كانت العلمانية هي الرؤية والنظرية، فالإمبريالية هي بامتياز الممارسة والتطبيق الأهم[2][2]، فهما وجهان لعملة واحدة. وقد أخذت العلمانية الشاملة في الداخل الغربي شكل الترشيد في الإطار المادي، فتم تنميط الإنسان الغربي وتدجينه وأصبح من السهل تحويله إلى مادة استعمالية أي طاقة إنتاجية وقتالية، وتم تجييش الجيوش وهذه هي الإمبريالية النفسية[3][3].
وقد وصف هربرت ماركوز هذه الإمبريالية النفسية التي هيمنت على الداخل الغربي وصفًا دقيقًا حين قال إن المجتمع الأميركي هو مجتمع التسامح القامع (oppressive tolerance) أي أن هذه المجتمعات الغربية هي مجتمعات شمولية بدون قهر خارجي، بدون ضرورة وجود شرطة، بدون قهر مفروض مرئي. أما فيبر فقد قال إن عمليات الترشيد ستؤدي إلى القفص الحديدي، ويتحدث زيميل عن السجن الحديدي، أما هابرماس فكان أكثر وضوحا فقد قال: إن ما يحدث في المجتمع الغربي الحديث هو "استعمار عالم الحياة"[4][4].
يعتبر المسيري العلمانية (وحدة الوجود المادية والمرجعية المادية الكامنة) هي الإطار المعرفي النهائي للحضارة الغربية الحديثة، ويرى الرؤية العلمانية هي في واقع الأمر رؤية حلولية كمونية مادية لا تفصل الدين عن الدولة وحسب وإنما تعزل القيم المطلقة (المعرفية والأخلاقية والإنسانية والدينية) عن الدنيا، بحيث يصبح مركز الكون كامناً فيه ويُردُّ الواقع بأسره (الإنسان والطبيعة) إلى مستوى واحد، ويصبح كله مجرد مادة محضة نافعة نسبية لا قداسة لها تُوظَّف وتُسخَّر، فالعلمانية هنا شاملة، بمعنى أنها ليست فصلا للدين عن الدولة بل فصل لكل القيم عن مجمل حياة الإنسان ونزع للقداسة عنه بحيث يتحول العالم إلى مادة استعمالية يوظفها القوي لحسابه، وهو ما يؤدي إلى الحداثة الداروينية وتحويل العالم إلى حلبة صراع، فهي علمانية تنكر إنسانية الإنسان فيتمرد عليها كل من يهتم بمصير الإنسان في هذه الأرض[5][5]؛ ليصير الهدف من وجود الإنسان في الأرض هو زيادة معرفة قوانين الحركة والطبيعة البشرية والهيمنة عليها من خلال التقدم المستمر الذي لا ينتهي، ومن خلال تَراكُم المعرفة وسد كل الثغرات وقمع الآخر إلى أن يخضع كل شيء (الإنسان والطبيعة) لحكم العقل وقانون الأرقام (وهو قانون يستمد مشروعيته من المعارف العلمية المادية)، بحيث تَحوَّل الواقع بأسره (طبيعة وبشراً) إلى جزء متكامل عضوي تنتظمه شبكة المصالح الاقتصادية والعلاقات المادية، فيخضع الواقع للواحدية المادية ويصبح أشبه ما يكون بالسوق والمصنع[6][6].
يُختَزل الإنسان في إطار المرجعية الكامنة ويرد إلى الطبيعة/المادة، ويصبح إنساناً طبيعياً (مادياً) غير قادر على تجاوز ذاته الطبيعية المادية، ولا يتجاوز الطبيعة/المادة بحيث يسري عليه ما يسري على الظواهر الطبيعية من قوانين وحتميات، وهذا ما يعني أن الإنسان يفقد إنسانيته المركبة وتُنزَع عنه القداسة تماماً. فبدلاً من مركزية الإنسان في الكون، تظهر مركزية الإنسان الأبيض في الكون وبدلاً من الدفاع عن مصالح الجنس البشري بأسره يتم الدفاع عن مصالح الجنس الأبيض، وبدلاً من ثنائية الإنسان والطبيعة وأسبقية الأول على الثاني تظهر ثنائية الإنسان الأبيض من جهة، مقابل الطبيعة/المادة وبقية البشر الآخرين من جهة؛ ويصبح همّ الإنسان الأبيض هو غزو الطبيعة المادية والبشرية وحوسلتها وتوظيفها لحسابه واستغلالها بكل ما أوتي من إرادة وقوة، وهكذا تحوَّلت الإنسانية الهيومانية الغربية إلى إمبريالية[7][7].
وبدلًا من إرسال الجيوش الإمبريالية لآسيا وأفريقيا لفتح الأسواق، تطلق أدوات الترويض المختلفة مثل البرامج التلفزيونية، والأفلام، والموضة (أو جماليات الصيرورة) لفتح الإنسان ولغزوه وقهره، وبدلا من النظرية العنصرية والتفاوت بين الأجناس التي استخدمتها الإمبريالية العسكرية لفتح الأراضي والقارات، تستند الاستهلاكية (أو الإمبريالية النفسية) إلى نظريتها في الطبيعة البشرية. فهي تنكر عليها أي ثبات وترى أنها في حالة صيرورة دائمة وتغير دائم، غارقة في النسبية الشاملة، وأن الإنسان ليس بوسعه أن يفرق بين الأبيض والأسود أو الأصفر. فكلهم مجرد مادة نزعت عنها القداسة تصلح للطاحونة التي تدور والتي لا تبقي ولا تذر، كلهم مادة خام محايدة صالحة: التمدد الدائم والانتشار الذي لا نهاية له، أو الانتشار كنقطة ثبات وحيدة، تماما كما أن النسبية هي المطلق الوحيد[8][8].
وتقوم الإمبريالية النفسية بتحديد الهدف من الحياة للمواطن أو المشاهد، فهو ليس السعادة أو التوازن وإنما هو الاستهلاك ومزيد من الاستهلاك، وكما يقولون في الخطاب الشعبي الأميركي "Shop till you drop فلتتبضع حتى تسقط ميتا من الإنهاك". وهناك اصطلاح "مدمن التبضع shopaholic" أي الإنسان الذي يذهب للتبضع لا لأنه يريد شراء شيء ما وإنما لأنه أدمن هذه العملية[9][9].
يستمر المسيري بدون كلل في طرح أسئلته المقلقة: هل هناك علاقة بين الإباحية (نزع القداسة عن جسد الإنسان وتبديده)، وتلوث البيئة وتخزين القداسة عن الكون وتبديده)؟ هل هناك علاقة بين العقلانية المادية والهولوكوست (الإبادة النازية)؟ أليست الإبادة هي تطبيق نهائي لمبدأ المنفعة على البشر فيباد من لا نفع لهم (مثل العجزة والسلاف واليهود) ويمنح البقاء لمن له نفع أو فائدة؟ هل هناك سبيل لتحاشي الأزمة أم أنها حتمية تاريخية تخضع لها الحضارة الغربية وكل من يسير سيرها؟[10][10]
إن تحطيم الثقافات والتعدديات والخصوصيات جزء أساسي من محاولة تحويل العالم إلى سوق عالمية، وإن تحول العالم إلى سوق عالمية، يمكن للغرب أن يغزو العالم ببساطة بدون اللجوء للجيوش، وما حدث في المرحلة الاستعمارية هو تحطيم البنية الثقافية، ثم تغريب أعضاء النخب الحاكمة، واستيعابهم في النموذج المادي للحضارة الغربية[11][11] الاستهلاكية المعادية للإنسان/السر.
وهم الانفتاح على الغرب وحتمية التحيز
لقد أصبح الانفتاح في معجمنا الحضاري يعني الانغلاق على الغرب، وذلك كله إفراز الاستعمار الغربي والمستعمَر عادة ما ينظر بانبهار وإعجاب شديد إلى المستعمِر، وهو ما يعرف في علم النفس بالتوحد بالمعتدي، ويمكن القول إنه نوع من التحيز ضد الذات لصالح الآخر. هذا ليس انفتاحًا، إنما هو شكل من أشكال الانغلاق المستتر برداء الانفتاح، يقول المسيري في إحدى حواراته الفكرية. والدليل معرفتنا المحدودة والمتواضعة عن التشكيلات الحضارية المختلفة داخل الغرب ذاته، مثل روسية بولندة وأوكرانية، وعدد الذين يعرفون تاريخ اليابان أو الهند أو الصين وحضارتها وفنونها ومعمارها ولغاتها قلة بيننا..لم نسمع أحدا يطالب بالانفتاح على الصين أو اليابان أو الدول الإسلامية كأندونيسيا وماليزيا...ذلك أن الانفتاح في المعجم الثقافي العربي يعني الانفتاح على فرنسا وانكلترا وأمريكا وربما إسبانيا وليس على بقية العالم، فالحضارة في تصور الكثيرين تبدأ وتنتهي هناك، وطبعا هذا يعود سببه إلى أن تكويننا الثقافي يحدد لنا مجال الرؤية[12][12]، وطبيعة التكوين المتغرب لكثير من نخبنا السياسية والجامعية والثقافية.
إن ثمة علاقة حيوية بين الهوية والإبداع، فالإنسان الذي لا هوية له لا يمكنه أن يبدع، لأن الإنسان لا يبدع إلا إذا نظر إلى العالم بمنظاره هو وليس بمنظار الآخرين، لأنه لو نظر بمنظار الآخرين، أي لو فقد هويته وأصبح عقله في أذنيه، فإنه سيكرر ما يقولونه ويصبح تابعا لهم، كل همه أن يقلدهم أو أن يلحق بهم، ويبدع داخل إطارهم، بحيث يتحقق إبداعه من داخل تشكيلهم الحضاري[13][13]؛ وفي هذا السياق يتساءل المسيري من جديد:
- هل يمكن أن نطور مدنا لا تسير فيها سيارات خاصة، على أن نطور نظام نقل عام جيد، السيارات فيه تسير بالغاز الطبيعي، ومن ثم نقضي على التلوث بكل سلبياته، الذي يكلفنا الكثير من الناحية الصحية والاقتصادية؟
- لماذا لا نطور تقنية الطاقة الشمسية ومساقط المياه في منطقة معروف أنها ستواجه شحا في المياه، حتى أنهم يقولون إن حروب هذا القرن ستكون حروب المياه؟ لماذا لا نركز على تقنية تحلية المياه ونخلصها من مشاكلها؟
- لماذا لا نطور مفاهيم جديدة في الإدارة، رجل متقدم في السن يحيط به مجموعة من الشباب الأذكياء، ولا يكون المدير هو الآمر الناهي، وإنما يستمع لمستشاريه، بحيث تصل المجموعة إلى شكل من أشكال الإجماع الذي لا يولد التوترات؟ المدير هنا لا يدير وإنما ينسق، والأطراف قوية مثل المركز[14][14].
لا تمل كتابات المسيري الكثيفة والمتعددة سواء في نقده للحداثة أو لمسارات العلمنة أو في مشروعه عن الصهيونية والنازية أو في مشروعه عن التحيزات الكامنة، من التأكيد على أنه إذا كان الغرب قد تحول إلى مطلق، فإنه يجب أن يستعيد نسبيته، وإذا كان يشغل المركز فإنه يجب أن يصبح مرة أخرى عنصرا واحدا ضن عناصر أخرى تكون عالم الإنسان، وإن كان يعتبر نفسه عالميًا. وهذا لا يمكن أن يتم باستعادة تبيان خصوصيته ومحليته، أي أن الغرب يجب أن يصبح غربيا مرة أخرى لا عالميًا. وهذا لا يمكن أن يتم إلا باستعادة المنظور العالمي والتاريخي المقارن بحيث يصبح التشكيل الحضاري الغربي تشكيلا حضاريا واحدا له خصوصيته وسماته وتاريخه، تماما كما أن لكل التشكيلات الأخرى خصوصياتها وسماتها وتاريخها. والمنظور المقارن لا يعني علاقة التأثير والتأثر الشائعة في الدراسات الجامعية، وإنما يعني محاولة الوصول إلى رؤية عالمية حقة من خلال مقارنة البنى الحضارية والتجارب التاريخية المختلفة والنماذج المتعددة التي تعامل الإنسان من خلالها مع العالم فأبدع أشكالا حضارية خاصة متنوعة لها قوانيتها الداخلية وتنبع إنسانيتها من خصوصيتها لا من خلال اتساقها مع قانون عالمي عام وهمي هو في نهاية الأمر "قانون غربي"[15][15].

إضافة تعليق