الرحالة ابن فضلان أثرى تاريخ روسيا

ساهم الرحالة والأدباء العرب الذين عاشوا في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) عبر أعمالهم في تجسيد الانفتاح الثقافي والمعرفي على العالم الخارجي، وكان لهم فضل كبير على الباحثين من الجغرافيين والمؤرخين، وقد تركوا كنوزا من المصنفات تحولت إلى رصيد حضاري إنساني.
ويبقى الرحالة العربي البارز أحمد بن فضلان بن العباس بن الرشيد بن حماد من أشهر الرحالة الذين كان لهم السبق في الكتابة عن "الروس" وفي التعريف بهم لدى العرب، وقد أرسله الخليفة العباسي المقتدر بالله ضمن بعثة رسمية إلى ملك صقالبة حوض الفولغا "ألمش بن يلطوار" بطلب من هذا الأخير ليفقهه في الدين ويعرفه شرائع الإسلام، ويبني له مسجدا وينصب له منبرا ليقيم عليه الدعوة له في بلده وجميع مملكته، ويسأله بناء حصن يتحصن فيه من الملوك المخالفين له ولحماية البلغار من تهديدات الخزر الذين كانوا على دين موسى.
وضمت البعثة إلى جانب ابن فضلان كلا من سوسن الرسي مولي نذير الحرمي، وتكين التركي، وبارس الصقلبي، أما دليلهم فهو عبد الله بن باشتور الخزري رسول ملك الصقالبة إلى المقتدر، وانضم إلى البعثة فقيه ومعلم وغلمان.
وتعد رحلة ابن فضلان مصدرا هاما لتاريخ الروس والبلاد التي زارها في بداية القرن العاشر الميلادي، أي في فترة يفتقر فيها العالم الغربي اليوم إلى مصادر تخصها، لذلك استحقت عناية استثنائية من الباحثين والمحققين، لأنها دونت حقائق تاريخية نادرة، وشكلت نقلة نوعية في فن كتابة الرحلة العربية التي كانت غارقة في مفاهيم السرد، فنقلتها إلى مستوى التحليل الإثنوغرافي لشعوب وقبائل لم يكن العالم يعرف عنها شيئا.
ويرى الدكتور علي التومي أن رسالة ابن فضلان تتضمن معطيات ثمينة للغاية، لأنها استندت إلى المعاينة والملاحظة الدقيقة، وإلى شدة حب الاطلاع الذي ميز الرجل. وشملت هذه المعطيات بهرج السلطان ومراسمه في بلاط ملك البلغار وملك الروس، كما شملت نمط عيش السكان وظروفهم وعاداتهم الاجتماعية ومعتقداتهم الدينية.
ووصف ابن فضلان لباس الروس وزينة نسائهم وصفا واضحا ودقيقا، واسترعت انتباهه هيئة الروس وتركيبتهم الجسدية، إذ كتب "فلم أر أتم أبدانا منهم كأنهم النخل، شقر حمر لا يلبسون القراطق (قميص يصل إلى منتصف الجسم) ولا الخفاتين (الصدريات)، ولكن يلبس الرجل منهم كساء يشتمل به على أحد شقيه ويخرج إحدى يديه منه ومع كل واحد منهم فأس وسيف وسكين لا يفارقه وسيوفهم صفائح مشطبة أفرنجية".
وأضاف في وصف زينة المرأة "وفي أعناقهن أطواق من ذهب وفضة، لأن الرجل إذا ملك عشرة آلاف درهم صاغ لامرأته طوقا، وإن ملك عشرين ألفا صاغ لها طوقين، وكذلك كل عشرة آلاف يزداد طوقا لامرأته، فربما كان في عنق الواحدة منهن الأطواق الكثيرة، وأجل الحلي عندهم الخرز الأخضر من الخزف الذي يكون على السفن، يبالغون فيه ويشترون الخرزة بدرهم وينظمونه عقودا لنسائهم".
ومما يتصل بمظهرهم الخارجي كذلك يشير ابن فضلان إلى ما كان لاحظه عند الروس من قذارة مفرطة، كما تحدث عن بعض القيم الأخلاقية للمجتمع الروسي، ولم يخف استغرابه لما يتصف به من الخلاعة وانعدام الحياء أو الحرج في المضاجعة بحضور الآخرين، ويتقزز من عاداتهم البدائية ومن قذارتهم.
أما ما يتعلق بالحياة الاقتصادية فقد أشار إلى أن مورد رزقهم الرئيسي التجارة، ويرى أن تجارتهم كانت مربحة وموفقة، وكانت تقوم على بيع الرقيق الأبيض، خاصة النساء، وعلى الفراء الجيد الذي تعرف به حيوانات المناطق الباردة.
وذكر ابن فضلان بعض معاملاتهم الاجتماعية التي تتعلق بالمريض والسارق، "وإذا مرض منهم الواحد ضربوا له خيمة ناحية عنهم وطرحوه فيها وجعلوا معه شيئا من الخبز والماء ولا يقربونه ولا يكلمونه بل لا يتعاهدونه في كل أيام مرضه لا سيما إن كان ضعيفا أو مملوكا، فإن برئ وقام رجع إليهم وإن مات أحرقوه..".
قيمة علمية
وقد ثمن الباحثون القيمة الأدبية والعلمية لرحلة إبن فضلان لما تضمنته من أسلوب قصصي ولغة طلية ثرة، علاوة على دقة وصف مؤلفها وتسجيله الجوانب المؤثرة في ما يشاهده من مخلوقات وأشياء بأسلوب سلس دقيق الألفاظ، يتجنب القوالب ويسرد الحوار، وتعجبوا من توفر تلك الصفة في فقيه مبشر اعتاد الأسلوب القضائي الجاف.
ولفتوا كذلك إلى مصداقية الرجل العالية وحرصه باستمرار على ما كان ينقل إليه من طباع الروس. فكل ما ورد في كتابه بشأنهم، وصف لمشاهدة مباشرة حيث اختلط بالعامة، وعاين التجار ودقق النظر في الألبسة والزينة، وتمعن في العادات والطقوس، علاوة على خلو رسالته من التناقضات، وذلك خلافا لما تضمنته مصنفات كثير من الرحالة من أخبار متعارضة تعبر إما عن عدم التمحيص في المعلومة أو عن عدم استنادها إلى المعاينة الذاتية.
وإلى جانب أهمية الرحلة التاريخية والإتنولوجية والحضارية، تبقى رسالة ابن فضلان شاهدا على أن الحضارة الإسلامية وصلت إلى بلاد الصقالبة الروس منذ القرن التاسع الميلادي، ومثلت بعدا من الأبعاد التاريخية لشخصيتهم وثقافتهم في حوض الفولغا (تتارستان الحالية) وجنوب جبال الأورال (في بشكيريا) وفي سيبيريا في قلب الأراضي الصقلبية قبل القوقاز، وبلدان آسيا الوسطى، وقبل دخول وانتشار المسيحية الأرثوذكسية بثلاثة قرون على الأقل في روسيا وتأثيرها في تقاليدهم وعاداتهم.

إضافة تعليق