الرواية العربية ..الارتقاء بالمحلية وأنْسَنَة العَالَمِية ( الجزء الثاني )

تواصلا مع الموضوع في العدد السابق الذي تناول “سؤال الرواية العربية: من يصنع العالمية؟” ، نواصل في هذا العدد تقديم رؤية حول “المحلية الهشة والضيقة” و “كيف صنع النصّ العَربي عالميتَه؟” ..

2 – المحلية الهشة والضيقة

سؤال كبير طرحته الرواية العربية على نفسها منذ زمن بعيد في بحثها الدائم، عن خصوصية فعلية، في فترات المد القومي. فراحت تجرب الأشكال القديمة بحثا عن حل لمعضلة حقيقية. أي أنها اختارت في النهاية القدامة لحل معضلة الحداثة الصعبة التي تقتضي وجود رؤى أخرى. يسبقنا السؤال التالي: هل المحلية، في الوطن العربي، فعل مرفوض لأنه يحيل إلى حالة من الضيق لا تستقيم مع الفن، أم هي حلم يستمر في النمو عميقا داخل كل فنان يريد أن يصل إلى شعبه ليتحول إلى ضمير حي وحالة رمزية تستمر في الحياة حتى بعد موت الفنان، أو عندما تنكسر اليقينيات الكبرى التي بنى عليها مجتمع ما من المجتمعات إرثه وتاريخه؟ أم المحلية لا هذا ولا ذاك، مجرد حالة من التشوق المدفون في عمق كل إنسان طموح، بحثا عن فضاء أكثر اتساعا يجعل من المحلية معبرا صغيرا إجباريا، تمر من خلاله القنوات الأولى للعالمية التي تقذف بالكاتب والفنان نحو فضاءات لا شيء يحدها إلا الرغبة في التوغل عميقا في تضاريس الأرض الكبرى. ويصبح الخروج من دائرة المحلية والضيق والانتماء إلى أفق إنساني مشترك والقدرة على الإسهام في قيم الحاضر المتداخلة بدون حدود ولا حواجز، هو المبتغى والحلم الأسمى؟ لكن هذا يفترض مسبقا القدرة على إنتاج هذه القيم العليا التي تتخطى المحلية في ظل عطالة الأنظمة وقهرها وتخلفها الحضاري وسيطرتها على القدرات الخلاقة لمجتمع من المجتمعات والسيطرة على ضميره الجمعي واستنزاف أحلامه بشكل دائم، لأن المحلية في هذا السياق ليست بالضرورة عتبة نحو العالمية ولكنها ضرورة تاريخية في الفعل الثقافي الجمعي وانتقاله من الحياة المادية إلى ترميز المرجعيات الكبرى، الدينية والاجتماعية. لكن المشكلة التي تعترض الثقافة العربية، في سياق المحلية تحديدا، كبيرة وغير محسومة. للمحلية معضلاتها التي تبدو وكأنها محققة ومنتهية بينما الواقع الحي يثبت عكس ذلك. تطرح المحلية أمامنا مجموعة من الأسئلة التي تبدو للوهلة الأولى في شكل مسلمات وهي ليست كذلك؟ مثلا، عن أية محلية نتحدث عندما نثير القضية في سياق الأدب العربي؟ المحلية المنغلقة في المكان والزمان والتي لا ترى الأدب ووظائفه خارج دائرة محكومة بمجموعة من اليقينيات والدوغما العمياء التي أثبت التاريخ ضحالتها واضمحلالها، أم المحلية التي ترتبط بالقيم الإنسانية الحية والمشتركة مع هموم بقية البشر، أكثر مما تضع نفسها داخل دائرة أو مجموعة من الدوائر المسدودة أمام التحولات الإنسانية والمعارف البشرية ومعضلاتها؟ أكثر من هذا كله، ما معنى المحلية في الوطن العربي الواسع الذي يموج ببشر يقارب عددهم 300 مليون نسمة، ومساحات واسعة كفيلة بأن تشكل إمبراطورية وتمايزا جغرافيا وثقافيا؟ هل المحلية إذن هي الارتباط بالقطرية وببلد معين في سياق جغرافي محدد؟ أم المحلية في سياق الوطن العربي، تعني المشترك اللغوي والثقافي والإحساس العميق بالتاريخ والحضارة؟ مَنْ مِنَ الكتاب العرب الذي استطاع أن يخترق اليوم كل الحدود الموضوعة في طريقه ليمس الحدود القومية لجماعات بشرية تمتلك نفس الهواجس ونفس لغة التعبير الأدبي ومعرضة لنفس الضغوطات الثقافية والسياسية وحتى العسكرية؟ ربما كان عدد الذين حققوا هذه المحلية العالية قلة قليلة ويعدون على رؤوس الأصابع من طه حسين إلى توفيق الحكيم مرورا بالشابي ونزار قباني وأدونيس ودرويش وانتهاء بنجيب محفوظ وعبد الرحمن منيف وغيرهم؟ ما يزال العجز في تحقيق المحلية موضوعة تستحق كل الاهتمام والبحث، قبل الانتقال إلى الحديث عن العالمية ولو أني مدرك سلفا أن ثنائية: محلية/عالمية، غير متلازمة دائما إذ يمكن أن نجد كاتبا تخطى حدود وطنه قبل أن يجمع عليه أهله وذووه لأسباب يتداخل فيها السياسي بالحسابات المختلفة التي لا علاقة لها بالأدب والفن، بل لأن المحلية كثيرا ما تتحول إلى أداة قهرية قامعة تنقل المعركة من فشلها الداخلي إلى الآخر الذي يشكل باستمرار المشجب الذي تعلق عليه كافة الإخفاقات لأنه؟ يناصر كتابا لا محلية لهم ولا حضور لهم في أوطانهم بهدف ضرب الإسلام والعروبة والخصوصية الحضارية التي تحول فجأة إخفاقا داخليا إلى حرب صليبية مدبرة. ولنا في الرواية العالمية أمثلة كثيرة، من الصيني- الفرنسي غاوو التي ثارت ضده الصين قبل غيرها عندما منح جائزة نوبل بحجة أنه من المنشقين؟ وكأن الكاتب لا وظيفة له إلا ترديد الخطابات المهيمنة، ويتم خلط الوطنية/النظام ؟ مرورا بالكاتب إسماعيل قدري من البانيا الذي هزت كتاباته العالم ولم يجد في وطنه إلا من يشتمه بانتمائه للغرب الغازي ولم تكلف الأوساط المحلية نفسها معرفة الحقيقة التالية: إن اسم ألبانيا في العالم صار مقرونا بكتابات هذا الرجل التي تشكل امتدادا للتراجيدية اليونانية، إذ أصبح الكاتب في صورة وطن. وانتهاء بالكاتب التركي أورهان باموك الذي كان عليه أن يدافع عن نفسه، في وطنه من سلطان المحلية الظالمة، من تهمة المس بمصالح تركيا الكبرى بسبب تصريحه لجريدة سويسرية بأنه بين سنوات 1915 و1917 قتل أكثر من مليون أرميني و30000 كردي على الأراضي التركية. المحلية إذن ليست أمرا محسوما؟

3- كيف صنع النصّ العَربي عالميتَه؟

ما معنى النص العالمي؟ بأي المقاييس الموضوعية تنتقل النصوص نحو هذا الحلم الذي يبتغيه كل محترف للكتابة؟ قد يكون في الإجابة بعض التعقيد ولكن يمكننا أن نبسط الأمر قليلا ونقول: النص العالمي هو النص الذي حقق شيئا من الاتساع وأصبح جزءا من الذاكرة الإنسانية. اخترق الحدود بوسائطه الفنية الخاصة، واستقر نهائيا في عمق التفكير الإنساني ليصبح جزءا من ثقافته اليومية. بهذا المنطق لن تجد كل النصوص الناجحة مكانها في هذه الدائرة. تتفرد أربعة نصوص في ثقافتنا العربية عن غيرها لأنها إلى اليوم ما تزال تشكل جزءا مضيئا من الذاكرة الجمعية الإنسانية: القرآن الكريم الذي اخترق كل الحدود الوضعية ليستقر داخل وخارج أرض نشأته، وفصل المقال لابن رشد الذي ساهم في النقاش الإنساني الدائر حول دور الأديان وموقعها في تسيير المدينة La Cité، وألف ليلة وليلة التي صبغت مخيال العالم بقصصها، وإلى حد ما رسالة الغفران للمعري لأنها تختبئ في أعماق أهم مرجع ثقافي أوروبي: الكوميديا الإلهية لدانتي آليقري الذي وضع الثقافة الغربية في أفق الحداثة. هذه أهم النصوص التي أنجزتها العبقرية العربية ودخلت في النسيج الثقافي العالمي وساهمت في تحويله في العمق، فتخطت الحدود وأصبحت جزءا من الذاكرة الجمعية الحية. الأسباب مختلفة: القرآن احتل هذه الذاكرة وانتقل عبر العالم لقداسته أولا ولقوله الجديد وسط إنسانية غالبيتها من الفقراء والمحرومين كانوا في حاجة إلى نص ينصفهم ويرفع من شأنهم ويدافع عنهم. فعبر من خلال حروب طاحنة وفتوحات متوالية بلاد الهند والسند وآسيا وإفريقيا وجزيرة أيبيريا وجزءا مهما من أوروبا، أما نص فصل المقال فقد منح أوروبا الغارقة في تقديس الحروب الدينية ومحاربة العقل وسيلة للفصل بين فعل العقل المتحرر والكنيسة المنغلقة على مقولاتها المتكررة. أما بالنسبة لألف ليلة وليلة فالعكس هو الذي حدث، فقد دخل بسلاسة كما تفعل النصوص الإنسانية العظيمة، فحرر الذاكرة الجمعية من ظلامها وذعرها ووضعها أمام حرياتها الجسدية واللغوية وأعاد لها ألق الشوق الإنساني. أما رسالة الغفران فقد كانت وراء نهضة شعرية أوروبية أعادت للشعر الإنساني والأوروبي تحديدا ألقه وأخرجته من دائرة التكرار إذ لم تكن الكوميديا الإلهية من حيث بنيتها الداخلية إلا عودة إلى رسالة الغفران التي بنيت بدورها على رحلة الإسراء والمعراج النبوية. حققت هذه النصوص العربية عالميتها من علاقتها المتشابكة مع الفعل الإنساني الذي سدت أمامه نقصا معرفيا وإبداعيا محسوسا. قد يكون العامل الزمني مهما جدا في تحقيق هذه الغاية أو هذه النقلة باتجاه رحابة لا حدود لها. من هنا يتبدى بوضوح أن العالمية في هذا السياق، لا تصنعها دائما اللحظة الراهنة والحاضر المتغير باستمرار ولكنها ديمومة في الزمان والمكان وتستجيب لحاجة إنسانية حساسة. شكسبير دالة واضحة على ذلك. لم يكن شيئا يذكر في الزمن الذي عاشه مهمشا. فقد أهمل على مدار القرنين اللذين أعقبا وفاته، ولم يكن أحد ينشغل بقوة مسرحه التراجيدي. وانتظرت البشرية قرنين من الزمن قبل أن تضعه على رأس صناع التراجيدية الخالدين. فقد عبرت نتاجاته عن رؤية عالمية واسعة أعادت تشكيل المسرح من أساسه. هذا وحده كاف لأن يجعلنا نتأمل ما يحدث أمامنا من حركة وتموجات ترفع نصوصا إلى مصاف النصوص العالية وتنزل نصوصا عالية القيمة إلى حضيض التغاضي والنسيان. يجب أن يدفعنا ذلك إلى الكثير من التأمل والتريث. كل شيء يحمل في عمقه صيغة المؤقت والهش. العالمية مدار تاريخي وليست إطارا زمنيا ولا إرادة للبشر فيه مهما حاولوا وإلا لكانوا خلدوا كتاب الحواشي الضعيفة التي لا شيء يفرضها إلا قوة السلطان. إن ألف ليلة صارت جزءا من الذاكرة العالمية بفعل تأثير سحرها في الذاكرة الجمعية بالمعنى الإنساني الواسع عبر امتداد التاريخ وعبر فعل تلاقحي شرقي غربي معقد، إذ لا أحد عاقل ومتبصر يهمل ملمس أنطوان غالان Antoine Galland على الليالي. يبدو أننا اليوم بصدد عالمية مبتورة تحتاج بالفعل إلى تأمل حقيقي. جانبها الظالم لا يمكن نكرانه أبدا ولكني متأكد أنه مؤقت وليس كل ما تقذف به هذه العالمية صالح لأن يكون تاريخيا مهما ولازمنيا. إن الذاكرة قاسية ويمكن أن تنساه بسرعة كبيرة لأنه في النهاية صناعة إعلامية وليس أدبية تعتمد على وسائلها الداخلية الخاصة. وإلا لماذا لم يلتفت نحو ساحة عربية شاسعة ثقافيا، كانت إلى وقت قريب منتجة للمعرفة وغنية بإسهاماتها، على الرغم من حالات الإحباط المتكرر، إلا بعد قرابة القرن من إنشاء جائزة نوبل مثلا؟ المتأمل للثمانين سنة السابقة لنجيب محفوظ يكتشف أن الإبداعية العربية لم تكن جافة ولا ميتة وأسهمت إلى حد بعيد في أنسنة مجتمعات حكمها مدة طويلة القهر العثماني، وقاتلت من أجل حداثة مستعصية وقاومت الاستعمارات المتتالية باستماتة من خلال نصوص إبداعية تشكل اليوم مراجع ثقافية متميزة وعظيمة. ورب ضارة نافعة. جيد أن لا تكون العالمية بهذا المعنى، في يد مجموعة بشرية بعينها ولكن في كف صيرورة تاريخية إنسانية في عمقها، أكثر تشابكا وتعقيدا وأكثر عدلا كذلك. 

إضافة تعليق

4 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.