الرواية النسائية السعودية خطاب المرأة وتشكيل السرد

للكتابة النسائية إغراءاتها وللنقد غوايته، ولهذا الكتاب سيرته التي تحكي رحلته عن الرواية النسائية السعودية، ليخرج الكتاب من منهجية ذات التقاليد العريقة العالية الأسوار إلى عالم آخر يشبه ذلك العالم الذي تبحث عنه المرأة في روايتها، بحيث لا يضيق الهامش ولا يطغى المتن، ولا يغيّب المصدر، أو يلغي السطر السطر الذي تحته.
الرواية النسائية ليس بريئة من كيد النساء ومكرهن اللغوي والفني الذي تجلّى في التعاطي مع بعض الشخصيات، ومن خلال استخدام تقنيات معينة صح للمرأة معها أن تهز القناعات ليعيد المجتمع النظر في كثير من القضايا التي مضى حين من الزمن وهي لا تزال في أوضاع مقلوبة لا تتصالح مع حقائق الواقع الإنساني. ولهذا "فإن البحث عن الخصوصية في أساليب تعامل الكاتبات مع الشخصيات وتيار الوعي وكيفية بناء اللغة وتأثيث الأمكنة ومواجهة الأحداث والزمن، كل هذه الأمور جديرة بأن تكون ضمن مستويات أفق التوقع لتلقي الكتابة النسائية".
لقد كانت نشأة الرواية في المملكة العربية السعودية متأخرة تاريخياً عن نشأتها في عدد من البلدان العربية مثل لبنان والعراق ومصر، ولكنها مع ذلك وفي فترة قصيرة قد لحقت بها وتجاوزت بعضها وأصبحت روايات الكتّاب السعوديين والكاتبات السعوديات تنافس مثيلاتها في تلك البلدان، واستأثرت باهتمام القرّاء والنقّاد وعناية الناشرين الذين أصبحوا يتسابقون ويتنافسون على نشر الروايات السعودية، ومرحلة الثورة الروائية النسائية التي بدأت منذ العام 2000 حتى الآن، هي مرحلة الثورة الروائية لدى المرأة السعودية للأسباب الآتية: تميّزت بالحرية في التعبير والجرأة في الطرح والموضوعات. استثمار بعض التقنيات الجديدة في الكتابة مثل "الإيميلات والمسج والكتابة على الجدران وبعض التكنيكات المتماشية مع الصدمة الحضارية التقنية والتكنولوجية والمعرفية". وهذه تجدها في روايات عدة كرواية (بنت الرياض) لرجاء الصانع، فهي رواية قائمة كلها على رسائل الانترنت الإيميل. وفي رواية (غير..وغير) لهاجر مكي، تجد توظيف الأغاني الشبابية والفيديو كليب ورسائل الجوّال ولوحات السيارات وبرامج القنوات الفضائية.
ويرى المؤلف أنه مما تميزت به الروائيات السعوديات في هذه المرحلة غلبة صوت المرأة على صوت الرجل الروائي بدرجة كبيرة جعلته يقف في الظل مقابل إنتاجها المتعدد، بل أصبح بعض الروائيين الذكور يقلدونها كما في رواية (شباب الرياض) لطارق العتيبي، وابراهيم بادي في روايته (حب في السعودية) ورواية (سورة الرياض) لأحمد الواصل. وذلك كله تقليداً لرواية (بنت الرياض) لرجاء الصانع، من حيث العنوان والبحث عن الإثارة. "ظهور استخدام الرمز الأسطوري كبنية رئيسة للتعبير عند (مها الفيصل) في روايتها (توبة سلمى) لهاجر مكي عن مقبرة حواء كأسطورة مكانية لمدينة جدة. ومن سمات هذه المرحلة أيضاً: ظهور مجموعة من الروائيات أمثال: زينب حفني في روايتها (لم أعد أبكي) وملامح، والرواية ناقشت قضايا اجتماعية متعددة تعتبر من القضايا المسكوت عنها في المجتمع السعودي، رغم ضعف لغة الروائية وظهور الخلل في طريقة المعالجة السردية لعرض الفكرة".
المكان في الرواية النسائية السعودية
تعتبر الكتابة النسائية من أهم المشاريع التي تسعى من خلالها المرأة لإثبات وجودها ثقافياً وذاتياً في المجتمع، لأن الكتابة تمثل لها تفجيراً للمكبوت والمخفي الذي تراكم عبر الزمن لتعلنه في حوارها مع الرجل، ويرى البعض أن اختيار المرأة للسرد الروائي في التعبير ليس إلا مستوى من مستويات تفوقها في المجال الحكائي. ولأن طبيعة الأنثى حكائية فقد استطاعت أن تتغلب على الرجل بلغتها السردية والموجودة منذ زمن في عقلها الباطن. حيث يرى بعض الدارسين أن حضور الأنثى في الحكاية هو حضورها في نصها، مما يدل على أن للمرأة شخصيتها ووجودها السردي المختلف عن سرد الرجل، الأمر الذي يقود إلى أن للكتابة النسائية خطاباً سردياً يكمن في طريقة عرض الروائية للهمّ الاجتماعي والثقافي الذي تعيشه من خلال وجودها في المكان.
لذا يقول المؤلف: "لم يكن المكان في الرواية النسائية شبيهاً في طبيعته برواية الرجل، بل إن ثمة اختلافاً وتمايزاً على الحد الذي صورته مشاعر الشخصيات تجاه حيّزها المكاني". ولذلك جاء إحساس المرأة بالمكان مختلفاً عن الرجل ومتجاوزاً له في الحين الآخر وفق طبيعة التجربة الروائية. كما استطاعت المرأة من خلال المكان أن تؤسس لها خصوصية معينة، وهو تأسيس ضروري لإثبات هويتها الداخلية ولعرض قضاياها وشؤونها الهامة في صورها المختلفة. ولعل عدم التصريح بالمكان يدل على حقيقة بحثها عن الحرية والتمرد على المعتاد لتعبّر عن دواخلها التي تعرضت لمصادرة وإقصاء من قبل المجتمع والرجل بالذات.
ولهذا يقول المؤلف: "جاءت بعض روايات المرأة عبر تشكيل المكان مصورة أزمتها الاجتماعية والثقافية والنفسية التي لم تكن إلا صورة أخرى للواقع الذي عانته وما زالت تفكر في سلبيته لتخرجه عن إطاره هذا إلى أمكنة سعيدة بعيدة عن واقعها السلبي، والمحاصر بقانون ذكوري". وهذا ما يؤكد أن هاجس الرواية النسائية هو تحرر المرأة الاجتماعي والسياسي والجسدي، والذكر بالطبع هو بالنسبة إليها رأس القوى المعوقة التي تحول بين المرأة وحريتها.
ويشير المؤلف إلى أن الروائية السعودية استطاعت أن تعطي المكان تكنيكاً يعزز بناءها له، ويبرز خصوصيتها من خلال أفكارها المتضمنة للنص الروائي. حيث حفرت في داخل وباطن النفس البشرية وفي ثنايا الذاكرة سردها غير الموجود سابقاً، ولأن العالم الخارجي أصبح، أو كاد، حكراً على الرجل بحكم طول تجربته في هذا الميدان، أي اختارت تفكيك العوالم الداخلية، واتجهت بكتاباتها السردية من الخارج الاجتماعي بل الأيديولوجي أساساً، إلى الداخل المجهول والغائب، فأسست كتابة سردية ذاتية.
كان المكان في الرواية النسائية السعودية، بطلاً حقيقياً لا يمكن تجاهله بدءاً من العنوان وانتهاء بتشكيله الداخلي ضمن مفاصل الأحداث. "فليس وجود عناوين على سبيل المثال لا الحصر، "الفردوس اليباب" و"بنات الرياض" و"طريق الحرير" إلا دليلاً قوياً على مدى وعي الروائية السعودية بأهمية المكان وضرورته كخطاب سردي". فقد ظهر المكان في بعض تلك الروايات معبّراً عن رؤى وأفكار تجمع ما بين النفسي والاجتماعي، كما اتضحت مظاهر المرأة في التأثيث المكاني للأحداث، وهي صور وملامح اتصفت بانغلاق المكان في بعض الروايات على الشخصية الأنثوية لتعيد من خلاله حوارها الداخلي ومناجاتها الأنثوية، وكأن "إنغلاق المكان في كثير من المواقف والأحداث إنغلاقاً آخر للذات الشخصية الروائية وبخاصة الأنثوية، أي أن ثمة تعاطفاً كبيراً من الروائية مع الشخصية بحيث خلعت عليها إحساسها العميق بمتغيرات المكان وتحولاته"، ويمثل المكان في روايات تيار الوعي النسائية السعودية عنصراً مهماً للتعبير عما يدور في دواخل الشخصيات من قضايا وآراء تختص بحياتها الاجتماعية والثقافية.
الرواية النسائية السعودية وتيار الوعي
لقد اتجهت الروائية السعودية إلى إظهار عوالمها الذاتية والاجتماعية عبر أسلوب تيار الوعي. فقد استطاعت أن تشحن شخصياتها بطاقات لغوية ونفسية ودلالية راسمة بذلك تفاصيل معاناتها ومشاكلها التي ولدتها تعقيدات الحياة وتغييرات المجتمع. لذلك يقول المؤلف: "لم تستطع الروائية السعودية أن تتجاهل دور شخصياتها وبخاصة شخصياتها الأنثوية، ذلك الرمز والقناع الذي تختفي خلفه، فمن خلاله تؤدي رسالتها الخاصة والمتعلقة بطبيعتها المحتضنة سمات سلوكية لا يستطيع الرجل أن يعبّر عنها... من هنا كان لعاطفة المرأة وإبرازها للمشاعر الداخلية وإحساسها بالوحدة والقلق كل ذلك كان سبباً إلى عودتها إلى ذاتها والمناجاة والتذكر وعرض الأحداث ومجرياتها في أسلوب يمس في أغلبها خصائص وتكنيكات تيار الوعي". إن المرأة أكثر اهتماماً وتفوقاً في كتابتها للنصوص الإبداعية بالخاطرة والقصة العاطفية، ربما لأن فيها نوعاً من الحرية للتعبير بلغة شعرية بعيدة عن التكلف والتقيد، وكأنها بذلك تبحث عن حريتها الداخلية.
ترى إحدى الكاتبات أن القصة تتيح أمام المرأة مجالاً واسعاً من التفاصيل تنثرها كيفما شاءت، فهي متعتها، تستوعبها وتتفهمها لأن القصة تحقق للمرأة هذا الإكتفاء والشعور بأنها قالت كل ما تريد قوله، وربما النساء بشكل عام ما زلن شهرزاديات الإيقاع، يتعلقن بأهداب الحكاية والقصة ليبقين على قيد الحياة.
وتيار الوعي من منظار المؤلف في الرواية النسائية السعودية يتميز بمجموعة من الخصائص التي تدل على مدى إدراك الكاتبة لهذا التيار، وأهميته في إيصال هدفها. فقد أظهرت الروايات النسائية السعودية "عبر تكنيك تيار الوعي خطاباً خاصاً بالكاتبة السعودية التي ظهر صوتها عالياً وعبر صراخ يمثل في حقيقته إدانة لبعض العناصر السردية الأخرى كالمكان والزمن والشخصية وبخاصة شخصية الرجل".
إن فيضان الشعور وسؤال الذات والخوف من المستقبل هي بمثابة مستويات نفسية هيمنت على الروائية السعودية بصورة لا تقلل من وظيفتها السردية التي أعلنت فيها مسبقاً انتصارها للحقيقة في ظل هزيمتها السابقة من كونها لم تأخذ شيئاً من حقوقها. كما أن ولوج الروائية إلى عوالم الشخصيات الأنثوية بالذات أعطى مجالاً أوسع لسيطرة الراوي على سرد الأحداث وسيرها بطريقة أجبرت بعض الشخصيات على التوقف زمنياً أو الانتهاء على النحو الذي وجدناه في رواية (وجهة البوصلة) لنورة الغامدي.
كذلك الأمر في رواية (الفردوس اليباب) من خلال علو صوت الشخصية الأنثوية وهيمنته بدرجة "جاءت مظهرة مضامينها الداخلية التي أظهرت فشلها في العلاقة مع الرجل، الأمر الذي سبب لها فشلاً مستديماً مع معظم المكونات الأخرى والتي من أهمها المكان". ولهذا استطاعت الروائية السعودية أن تقدم خطاباً أنثوياً لها تأسس معظمه من خلال تكنيك تيار الوعي.
اللغة الشعرية
هي تلك اللغة الشعرية التي تنساب في النص الروائي معتمدة على الإيقاع الموسيقي للكلمات والجمل والألفاظ التي تتداعى على النفس في حالات المناجاة النفسية أو التداعي الحر للمعاني أو التأمل أو الاستيطان. يذكر روبرت همفري أن من ألوان تكنيك تيار الوعي والقالب الشعري، لأن من خلال اللغة الشعرية تستطيع الشخصيات أن تعبّر عن ذلك الجزء الناقص فيها والذي ظهر في تكنيك شعري، ويقول: "إن الجانب الناقص من العاطفة غير المعبّر عنه هو الشيء الوحيد الذي يوصله هذا الشعر إلينا". كما أن السبب في ذلك، حسب رأي المؤلف، يعود الى كون الشعر فيضاناً شعورياً ينقل ما بداخل النفس من خفايا وأمور. وهو أمر جعل البعض يعتبر مناجاة النفس قريبة من الشعر وذلك من خلال خصائصه المكثفة. وهذا الكلام يكشف عن أسباب استخدام كتاب تيار الوعي للشعر، وكأنه تعبير فيما عجزت عن نقله دواخلهم الذاتية، وذلك عبر تكنيك يدل على مدى التداخل والاندماج بين السردي والشعري في كونهما يمثلان لشخصية تيار الوعي، لغة واحدة لا يجوز فصلهما عن بعض.
ويقول المؤلف: "إن وجود اللغة الشعرية في الكتابة يُعد نوعاً من تداخل الأجناس الأدبية التي تفرض الحس الشعري على النثري، حتى إن القارئ يشك في بداية أمره بأن ما هو مكتوب هو في الغالب ليس نثرياً بقدر ما هو شعري، وهو ما نستطيع أن نجده عند بعض الكاتبات السعوديات في جعل الموسيقى الشعرية تكثف المعنى". لكن حقيقة هذه الكاتبات دلّت على الخواطر الرومانسية المجنحة التي لا تخلو من عذوبة ومن جمال.
ويذهب حميد لحمداني الى القول: "إنه لا تخلو الكتابة المونولوجية إلا في القليل من البعد الشعري". وهذا من خلال حديثه عن رواية نسائية. والمرأة كما يبدو أكثر تميّزاً من الرجل في كتابة الخواطر الشعرية القصصية وكأنها بذلك مترددة ومصابة بالحيرة في اختيارها الجنس الأدبي الذي يعبّر عن الشحنات العاطفية لها، حيث إن الكتابة النسائية أشد احتفاء بالتيمة الشعرية والطقس الرومانسي، وأكثر مرونة وإثارة للمشاعر المتدفقة من الكتابة الذكورية، وتتمثل هذه اللغة في بعض الروايات النسائية السعودية، وعلى سبيل المثال لا الحصر منها: رواية (الفردوس اليباب) لليل الجهني، ورواية (وجهة البوصلة) لنورة الغامدي، ورواية (عندما ينطق الصمت) لحنان كتوعة، ورواية (مزامير من ورق) لنداء أبو علي، ورواية (غير.. وغير) لهاجر مكي. ويشير المؤلف الى أن هذا الأمر نلمسه في رواية الفردوس اليباب، والتي كانت لغتها المكثفة تقترب من الشعر، وبخاصة حينما تحاور الشخصية ذاتها لتبرز عاطفتها من خلال تشكيلها للمكان (جدّة). هذا بالنسبة لرواية كانت اللغة الشعرية حاضرة على مستوى البناء الكلي لها. أما بعض الروايات فقد جعلت من لغتها الشعرية مقاطع بسيطة، وشذرات مختلفة، ترتبط بالتشكيل المكاني أكثر من أي شيء آخر. وتعتبر اللغة الحلمية أيضاً، من أهم السمات التي تميّز بها كتّاب تيار الوعي، فمن خلال الحلم يعبّر بعض الروائيين عن الحقيقة التي كانت سبباً في وجود واقعها المغيّب.
ليست أساليب وطرق التداخل الزمني، والدمج بين الأشياء، وقلبها وتكثيفها، وغموضها، وتشتيتها الذهني، وتفتيتها للحدث، وتقطيعها اللغوي، إلا أموراً تدل على طبيعة الواقع الذي تعيشه الرواية. فالقضايا الاجتماعية والسياسية والثقافية حسب اعتقاد المؤلف، لا يمكنها أن تنفصل عن تشكيلها للغة الحلم الموجودة عبر تيار وعي الشخصيات، بل إنها سبب في تشكيل ذلك، لأن الحلم يستمد محتواه من الأحداث والخبرات التي وقعت في الخارج عبر تراكمات زمنية. ولقد جعلت الروائية السعودية تشكيلها للمكان عبر لغة الحلم مرآة حقيقية للتعبير عن الواقع المليء بالمتغيرات والهزائم، وليس ظهور المكان الضائع أو المكان القبر، في بعض تلك الروايات إلا تعبيراً عن ذلك. وينقسم الحلم في الرواية النسائية السعودية الى مستويين: "المستوى المباشر للحلم، والمستوى غير المباشر "مستوى حلم الوعي".
جدلية الذات والزمن
يعنى بهذه الجدلية، الصراع بين الذات التي ما تزال قادرة على المقاومة والزمن الذي يحاول سحقها نتيجة اختلال المعايير الحياتية، وتتمثل في صراع الذات والزمن، وفي الديمومة الزمنية وعدمية الذات وفي ظاهرة الانتظار، والتي يرجع معظمها الى مجموعة من العوامل السياسية والاجتماعية والثقافية والنفسية المتعلقة بطبيعة رسم الروائية لشخصياتها المأزومة، والتي أعلنت ومنذ البداية صراعها مع الزمن.
ويقول المؤلف: "جدلية الزمن والذات في الرواية النسائية السعودية مساحة كبيرة للكشف عن دواخل الشخصيات ونفسياتها. كما تعتبر مساحة أخرى لمعرفة التشكيل المكاني المرتبط بتغيراته وتحولاته وبقائه في الذاكرة". فقد شكّل الزمن في رواية تيار الوعي بعداً إيحائياً ورمزياً، ولم يعد يقف عند الوظيفة البنائية للرواية، بل تجاوز ذلك الى وظيفة دلالية تتوافق مع الواقع الحياتي من ناحية، ومع الحالات الشعورية للذات من ناحية ثانية. ويظهر مفهوم الزمن في بعض الروايات النسائية السعودية أشد ارتباطاً بالزمن النفسي، وذلك من خلال ارتباطها الشديد بالحالات الشعورية للذات وبين واقعها الحياتي المعاش. "وهذا الزمن النفسي نستطيع أن نجده في بعض الروايات النسائية السعودية معبّراً عن الدلالة الزمنية والتي يمكن النظر إليها من نواح عدة". والرواية النسائية السعودية ومن خلال المكوّنات الزمنية استطاعت أن تعطينا بعداً قوياً لما تحتضنه من أنماط فلسفية ونفسية في غالبها، فقد رسمت لنا تشكيلاً مكانياً لا يدل إلا على ملامح وصفات شخصيات تيار الوعي من ضياع وقلق وتشتت، وفي صورة تدل على مدى ضآلة الشخصية أمام الزمن. ولقد استطاعت الديمومة الزمنية أن تشكل بعداً جوهرياً في الرواية العربية، ولا سيما رواية تيار الوعي منذ أواخر الستينات من القرن الماضي.
أما الرواية النسائية السعودية فقد ظهرت الديمومة الزمنية فيها متداخلة الى حد كبير مع عدمية الزمن في الغالب، الأمر الذي أوجد صعوبة في فك هذا التلاحم الوثيق بينهما وبخاصة أنها تصور نوعاً من الأزمة والوجودية بين الأنا والآخر حيناً وبين الأنا والزمن حيناً آخر، الذي ألغى استقلالهما في كثير من الأحوال.
يقول المؤلف: "يعني بالديمومة الزمنية أو الصيرورة، إنسياب الزمن وسيلانه من دون توقف، فلا يتقيّد الزمن بالأحداث والمتغيرات والتتابعات المتعدّدة، لكنه يتجاوز لينطلق عبر هذا التتابع الى ما لا نهاية".
ومفهوم الدينونة الزمنية يقصد به أيضاً إحساس الشخصية بأن الزمن ممتد الى ما لا نهاية، أي لا يمكن محاصرته أو إيقافه أو تقييده بأرقام محددة، فهو زمن مطلق.
الدلالة الأسطورية والتاريخية
إذا كانت الأسطورة هي وقائع يزعم أنها حدثت منذ زمن بعيد فإن دلالتها السرمدية تكمن في كونها خطاباً تاريخياً لا يكاد ينفصل عن كونها منعطفاً للمخيلة الإنسانية. ويشير المؤلف الى أن "الروائية السعودية وبخاصة رجاء العالم استطاعت أن تستثمر التوظيف الأسطوري المرتبط بالمرجعية العربية بطريقة تدل على تفجير المكان الآخر المختلف عن بعده السابق ليصبح المكان الأسطوري بعداً ثالثاً تختفي بداخله غايات الشخصيات المنتمية الى الواقع.
وباختصار، إن تيار الوعي، أي وعي الشخصية، لا يكمن فقط في أسلوب التذكر والاستدعاء، ولكن في طريقة توظيف السياق الأسطوري ضمن الحدث الروائي الذي تطلب من الشخصية شيئاً من إثبات حضورها أنثوياً حتى ولو كان ذلك في غياهب الزمن.
[ الرواية النسائية السعودية
[ سامي جريدي
[ الانتشار العربي ـ بيروت ـ

إضافة تعليق