السردية

الإنسان بطبعه كائن قاص، ولدت معه القصة منذ فجر التاريخ، ولم تكن حياته سوى قصة طويلة هو بطلها الأوحد، وإن لم يكن كاتبها الوحيد . ويرى “رولان بارت”أن “السرد (يوجد) في كل الأزمنة وكل الأمكنة وفي كل المجتمعات .

وثمة تعريفات عدة للسرد، منها على سبيل المثال لا الحصر، ما ذهب إليه “جيرار جينيت” من أن السرد هو “العملية التي يقوم بها السارد أو الحاكي “أو الراوي”، وينتج عنها النص القصصي المشتمل على اللفظ “أي الخطاب” القصصي والحكاية “أي الملفوظ” القصصي” . والسرد أيضاً هو “الفعل السردي المنتج”، وهو “الطريقة التي تحكى بها القصة”، وهو “كل ما يخضع لمنطق الحكي والقص الأدبي”، وهو “نقل الحادثة من صورتها الواقعية إلى صورة لغوية”، كما أنه “فعل إنتاج للخطاب وتحول للقصة بما هي مادة تأليف إلى خطاب ملموس” . إن فن السرد هو فن الاغواء والاغراء بامتياز، وإنه ينطوي على الكثير من شروط ومقومات التكلم الواقعي . ينطوي على أحداث ووقائع وشخصيات، تتلبس ثوب الواقعية، فتتبدى لنا للوهلة الأولى كما لو كانت أحداثاً وشخصيات واقعية فعلاً، غير أننا وبمجرد أن نحدق فيها ونصغي لكلامها نكتشف أن الأمر ليس كذلك . . نجد الواقع والخيال متلازمين، وهذا يقتضي أن كلام القصة في الأغلب الأعم، وبخاصة القصة الحديثة، كلام مركب، متعدد، لا نهائي، مراوغ، يسمي، ولا يسمي في آن معاً، أو يسمي ويراوغ في التسمية في آن معاً .

يمكن تقسيم القصة القصيرة من خلال المقاربة البنيوية لتقنيات السرد، وليس كما كانت القصة (وكذا بقية الفنون الإبداعية) تنقسم (مثلاً) إلى رومانسية أو واقعية أو رمزية . أطروحتها الجديدة تنطلق من أبرز التقنيات السردية في النقد القصصي أو (الروائي) وعلى وجه الخصوص تقنيتي الرؤية أو وجهة النظر Point of View المنطلقة من تقنية السارد (الراوي)، وتقنية الصورة، أو الوصف بحسب ما يتضح عند المقاربة البنيوية للنماذج القصصية التي قسمتها الدكتورة آمنة يوسف إلى الاتجاهات الأدبية الآتية: القصة التقليدية ذات الحساسية القديمة، القصة الحديثة ذات الحساسية الجديدة، القصة الأجد، مشيرة إلى الصورة الوصفية، وهي التقنية التي يعرّفها النقاد البنيويون بمصطلح الوقفة الوصفية وسبب تسميتها بهذا المصطلح الذائع الصيت لأنها - بحسب النقاد - توقف سيرورة الزمان السردي عن المضي في سرد الحدث أو الأحداث واستمرار ديناميته، ذلك أن السارد يتوقف أسطراً طويلة أو قصيرة كي يصف المظهر الخارجي للشخصية القصصية وكذا (الروائية) أو يصف المكان وهندسته وتفاصيله وأشياءه ثم يتابع بعد ذلك ما كان قد توقف عنه من أحداث السرد . عدا (جيرار جينيت) الذي لا يعتبر الوصف أبداً وقفة للحكاية أو تعليقاً للقصة، بل ذا وظيفة بنيوية تأملية وما دامت كذلك فهي لا تفلت أبداً من زمنية القصة .

إن القصة التقليدية ذات الحساسية القديمة هي القصة التي تستعين في تكوين بنيتها الفنية بأبرز تقنيات هذا الاتجاه الأول، وهي تقنية السارد كلي العلم أو مطلق العلم، ولذلك تكون رؤيته أو (وجهة نظره) تقليدية أو قديمة الحساسية، ولذلك يستعين هذا السارد التقليدي - أكثر ما يستعين - بضمير الغائب (هو) وهو في علاقته بفضائه القصصي سارد خارجي، لكن يحق له أن يتدخل بالتعليق والتفسير وكذا الانحياز إلى أحد شخصياته القصصية والتبرير لما يصدر عنها من المواقف والحدث أو الأحداث، كما أنه يحق له أن يستشرف آفاق ما سوف يحدث استشرافاً أكيداً لا توقعاً ممكن الحدوث أو التحقق .

أما الصورة السردية، فهي التقنية التي تكون في القسم الثاني الموسوم بالقصة الحديثة ذات الحساسية الجديدة . وهي القصة التي تستعين بتقنيات تيار الوعي الحديثة كالحلم (الفانتازيا) والخيال الفني والتذكر والمونولوج وشتى أنواع تداعي المعاني .

أما القصة الأجدّ: كما أشارت الدكتورة آمنة فهي من الاتجاهات القصصية الأدبية الأجد المستعينة من جهة بتقنية السارد الموضوعي والرؤية الخارجية، التي تبرز فيها القصة أشبه بمشهد أو مشاهد سينمائية، ولذلك يتسم السارد بصفة المحايدة التامة، كأنما هو مخرج سينمائي، وكأنما عيناه عدسة كاميرا متحركة تكتفي بالتقاط ما يبدو لها من الصور والأصوات، التقاطاً يجعل من هذا السارد المحايد مجرد شاهد، ولذلك يطلق النقاد عليه أحياناً بالسارد الشاهد وأحياناً بالسارد أو (الراوي) غير الظاهر، فهو سارد خارجي لكنه يختلف عن السارد في القصة التقليدية بأنه لا يتدخل بالتعليق أو التفسير أو الانحياز، هو سارد محايد يلتقط الحدث القصصي كما يبدو لعينيه بالصوت والصورة ولا يزعم العلم المطلق، بل يظل متخذاً موقف المحايدة تماماً، ويمكن أن يستعين بتقنية ضمير الغائب “هو”، وكذا ضمير المتكلم أنا.

إضافة تعليق

5 + 6 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.