الشخصية الروائية

بعدما ازدادت الدعاوى القضائية التي تنظر فيها المحاكم حول اتهام شخصيات، ولاسيما المشهورة منها من روائيين، باستخدامهم حياتهم الخاصة مادة لروايتهم وتحويل شخصيتهم إلى شخصيات روائية،
كثر الجدل حول الحدود التي لا ينبغي على الكاتب تجاوزها في هذا الخصوص، إضافة إلى أن كل النصوص الأدبية أصبحت عرضة لمحاكمات قضائية، وليس ثمة استثناء في القانون فيما يتعلق بموضوع الخيال الأدبي.
وعلى الرغم من المبادئ التي تصون حرية التعبير في جميع دساتير الدول، إلا أن العشرات في تلك النصوص الأدبية عرّضت كاتبها إلى المساءلة أمام المحاكم، وبالتالي وبسبب الافتقاد (لحقوق الرواية) لجأت المحاكم إلى تطبيق العديد من المواد المنصوص عنها في القانون على الكاتب ومنها ما يتعلق بالتشهير وادعاء البراءة، التعرض للحياة الخاصة أو رسالة ذات طابع إباحي، ومنذ أن يتم التعرف على الشخصيات والأماكن والعلامات دون ضرورة الإشارة إليها بالتحديد والتصريح، لم يعد يجدي نفعاً إلا قليلاً التنويه الذي يشير إليه الكاتب منبهاً القارئ إلى أن أي تشابه موجود بين شخصيات الرواية وشخصيات حقيقية في الحياة هو محض مصادفة، أو الإشارة إلى اسم «رواية» على الغلاف، حيث من الضروري لشخصية معروفة أو غير معروفة اعتقدت أنها المقصودة ضمن سياق الرواية الكشف عن عدم وجود أي التباس محتمل بينها وبين تلك الشخصية وأنه يمكن التعرف عليها من عدد من القراء المحتملين، ولا يكفي بالنسبة لها أن تكون هدفاً لكاتب ما، وإنما تقديم الدليل في أن القراء الذين يعرفونها لا يعوزهم فك الشيفرة وإدراك الشخصية المستهدفة.
وتلك الصرامة ليست حديثة العهد في الأدب، حيث شهدت الساحات الأدبية القضية التي رفعها المهندس توربين ضد الشاعر بول فيرن، حينما اعتقد أنه المقصود بشخصية توماس روش التي وردت في قصته (مقابل الراية) وثمة قضية مشهورة تفجرت بعيد وفاة أناتولي فرانس بسبب روايته ) تمرد الملائكة) ومن جهتها أدانت محكمة بلجيكية الكاتب الشهير جورج سيمينون وحكمت عليه بشطب اسم شخصية من روايته (النسب) أبرز فيها جانباً موارباً يدعو للسخرية.
وينتشر في الأوساط الأدبية بكثرة في تلك الأوان كتب تحمل صبغة السير الذاتية تأتي على شكل) سير ذاتية متخيلة، مذكرات، يوميات ومراسلات) والذي يجعلها أكثر عرضة للنزاعات أنها تبرز حقائق تعتبر حميمة وخاصة جداً ولذلك تعتبر السير الذاتية الخيالية أكثر الأنواع الأدبية موضعاً للنزاعات القضائية، وفي هذا الصدد، تقع في أغلب الأحيان، تلك الأنواع ضحية ظاهرة تأتي تحت شكل الرقابة الذاتية، ولهذا السبب صارت مخطوطة هذا العمل الأدبي تمر قبل عملية نشرها على القسم القضائي أو يطلع عليها محامي دار النشر، وخلال تلك العملية الرقابية يطرح الناشر والمستشارون القانونيون على الكاتب بعض التعديلات وحتى بعض الحذوفات.
ومن هذا القبيل، وعقب إدانات قوية لحفنة من الكتاب، خلال الأعوام الأخيرة انفتحت آفاق عديدة لمرافعات قضائية ضد الأدباء، ويجدر الإشارة إلى أن العنصر (الأدبي) كان في بعض الأحيان يلقى تعاطفاً من جانب القضاة من حيث انتحاله لعناصر استمدها من الواقع، وقد استفاد الكثير من الكتاب من هذا التعاطف، ولكن ما يثير الدهشة أكثر في تلك الرقابة الحديثة هو تثمين وتقدير سلوكية الشخصيات، إذ ليس الفجور بوصفه فجوراً هو الذي يخضع للمحاكمة، كما وليس المفهوم العنصري للخطاب الأدبي للكاتب الذي يشار إليه بالمشين، بل هي الشخصيات تحديداً المدانة وهي الجانية الحقيقية.
ولابد في حال كان البطل شاذاً جنسياً أو سفاحاً أو من النازيين الجدد، أن يضفي عليه رداء التوبة في آخر فصل من الرواية، وإلا فسوف تتم محاكمته وتماهي الكاتب فيه، فالشخصيات مطلوب منها حتى ولو كانت من لب خيال الكاتب، الحفاظ على كرامة وأخلاق الشخصيات واحترام القانون ولذلك فإن تلك الفترة تعتبر عصيبة لشخصيات على غرار بارب بلو ودراكولا ورابيتو وكذلك أرسين لوبين

إضافة تعليق