الشخصية العربية وأزمة النهضة 1/2

يعيش العالم الإسلامي منذ قرون طويلة في حالة من التخلف والتراجع على كافة الأصعدة، رافق ذلك حالة من الجمود الفكري، جعلته غير قادر على تجاوز هذا الواقع، وقد بدأ منذ القرن السادس عشر في الشعور بالضعف أمام التقدم العسكري للغرب، ومن ثم كانت هناك بعض محاولات للإصلاح في العديد من الدول الإسلامية، سواء الواقعة تحت الخلافة العثمانية أم الخارجة عن سلطتها كالمغرب العربي، لكنها لم تسفر عن نتيجة جوهرية، ويركز هذا البحث على واقع المجتمع العربي ممثلًا في المشرق العربي، والذي بدأ في الانتباه إلى وجود فجوة حضارية بينه، وبين الغرب كما أدرك أهمية العامل الثقافي في إنتاج هذه الفجوة، وكان ذلك منذ دخول الحملة الفرنسية إلى مصر نهاية القرن الثامن عشر، ثم ما تبعها من بعثات علمية ساهمت في التعرف أكثر على الحضارة الغربية، وقد أثار هذا الاتصال عدة استجابات متباينة داخل المجتمع العربي تحمل كل منها محاولات لتشخيص أسباب أزمة الواقع العربي وتصورات لكيفية إصلاحه، وقد تمثلت هذه الاستجابات في مجموعة من التيارات الفكرية، لكن الواقع العربي ظل منذ ذلك الحين، وحتى الآن مأزومًا، ولم يستطع المجتمع الخروج من كبوته رغم تلك المحاولات؛ الأمر الذي جعلنا نتساءل عن أسباب ذلك، وهل من الممكن أن تكون طبيعة التكوين النفسي والفكري للفرد العربي، وهو ما أسميناه الشخصية العربية، تعد سببًا في تعثر النهضة والإصلاح في المجتمع العربي؟
من هنا بدأنا محاولة الإجابة عن هذا السؤال من خلال عدة مراحل، وهي أولًا متى بدأ العقل العربي في اليقظة لواقعه المأزوم، ثم هل توجد شخصية عربية لها سمات مشتركة، ثم ما هي سمات هذه الشخصية، وأخيرًا وضحنا العلاقة بين طبيعة الشخصية العربية طبقًا للسمات المذكورة، وبين تعثر النهضة في المجتمع العربي.
مقدمة:
لا يحتاج الناظر إلى واقع المجتمع العربي لكثير من التفكير والتمحيص والأدوات، لكي يدرك من خلالها طبيعة هذا الواقع المأزوم في كل الجوانب وعلى جميع المستويات؛ فعلى مستوى الاقتصاد لازال الكثير من أبنائه يعيشون تحت خط الفقر، ولازالت موارده مهدرة وطاقاته معطلة، ولازالت العديد من دوله تعجز عن الإنتاج وتعيش على ما ينتجه الغرب من منتجات، وعلى مستوى السياسة لازالت الديمقراطية لم تترسخ بعد في ثقافته ونظمه ومؤسساته بشكل كامل، وعلى مستوى الاجتماع لازالت مجتمعاتنا تموج بالصراعات والخلافات التي تشق صفوفه، وتحدث الكثير من التصدعات في جسده، ما بين صراعات طائفية ومذهبية وسياسية، وعلى مستوى الفكر لازالت مجتمعاتنا غير قادرة على إنتاج الأفكار، ولازالت العقول تحمل الكثير من القناعات وأنماط التفكير التي تقف عائقًا أمام تقدمها. ورغم سهولة الاتفاق حول طبيعة الواقع المأزوم، إلا أن هناك صعوبة في الاتفاق حول أسباب هذا الواقع، إذ تختلف الآراء حول تلك الأسباب نظرًا لطبيعة الأزمة المركبة، ولوجود الكثير من العوامل والأسباب المتباينة والمتداخلة، لكننا نود هنا أن نبحث عن العلاقة بين متغيرين؛ بين طبيعة الشخصية العربية، وبين واقعها المأزوم، حيث يتبلور سؤالنا البحثي بشكل واضح في الآتي:
هل تعدّ طبيعة الشخصية العربية سببًا في تعثر نهضتها؟
ويتفرع عن هذا السؤال الرئيس، عدد من الأسئلة الفرعية تمثل محاور البحث، وهي:
- متى تنبّه العقل العربي إلى واقعه المأزوم، وبدأ في البحث عن أسباب النهضة؟
- هل هناك شخصية عربية لها سمات مشتركة؟
- ما هي سمات الشخصية العربية؟
- ما العلاقة بين تلك السمات، وبين الواقع المأزوم والنهضة المتعثرة؟
وعلى ذلك، سوف نتناول موضوعنا من خلال المحاور الرئيسة التالية:
أولًا: يقظة العقل العربي وسؤال النهضة
مرّت الدولة الإسلامية منذ نشأتها بمراحل عديدة، اتسم بعضها بالقوة وبعضها بالضعف، وشهد بعضها حالة انتشار وشهد البعض الآخر حالة انحسار، وكما شهدت وقتًا من الوحدة لم يدم طويلًا شهدت أوقاتًا وأزمنة من الفرقة كانت هي السمة الغالبة منذ نهايات القرن الأول الهجري. ورغم وجود حلقات من الاتصال بين العالم الإسلامي، وبين الغرب في فترات طويلة من التاريخ، سواء عن طريق الحروب والمواجهات العسكرية، أو عن طريق التعرف على ثقافة الغرب وفلسفته في بعض الفترات، إلا أن اللحظة الضاغطة التي مثلت تحدّيًا أمام العقل الإسلامي، وجعلته ينتبه إلى الفجوة الكبيرة بينه وبين الغرب، وجعلته يدرك أهمية البعد الثقافي في إحداث هذه الفجوة، لم تأت إلا منذ القرن الثامن عشر وما بعدها، والذي كان قد سبقته عدة قرون من الشعور بالطمأنينة وعدم الحاجة إلى الإصلاح، سواء في بعض مراحل الضعف أو التقدم العسكري للدولة الإسلامية، والذي لم يدم بسبب حالة الجمود الفكري الذي كان يعيشها المجتمع، مما جعله عرضة للحركة الاستعمارية الأوروبية في العصر الحديث.
وكانت محاولات أوروبا الاستعمارية بدأت منذ القرن السادس عشر، وحتى القرن العشرين على العديد من البلاد الواقعة تحت سلطة الخلافة العثمانية والبلاد الإسلامية الأخرى التي تخرج عن سيطرتها مثل بلاد المغرب العربي؛ لكننا هنا سوف نركز على بدايات الاتصال بين الغرب ودول المشرق العربي، والذي بدأ مع الحملة الفرنسية على مصر في العام 1798، إذ بدأ منذ ذلك الحين إدراك الفجوة الحضارية الكبيرة بين الشرق والغرب، مما أثار السؤال الذي أرق المجتمع العربي من وقتها وحتى الآن وهو، لماذا تخلفنا وتقدم غيرنا؟ منذ ذلك الحين بدأ المجتمع العربي في الاقتراب من الحضارة الغربية والسعي في التعرف على مكوناتها ومنطلقاتها الفكرية، وقد ساهمت في هذا الاقتراب البعثات العلمية التي بدأت تزداد لهذا الغرض من بدايات القرن التاسع عشر.
لكن ولأن هذا الاقتراب تم في سياق حملة استعمارية، فقد تسلّل شعور بالخطر والخوف على الهوية من جانب شريحة كبيرة من هذا المجتمع، الأمر الذي تسبب في أن يكون هذا التعرف على الحضارة الغربية مشوبًا بالحذر، ومن ثم الرفض لكل المنتج الحضاري الغربي من جانب تيار كبير من المجتمع، وبجانب هذه الاستجابة من هذا التيار كانت هناك استجابات أخرى تمثلت في تيارين فكريين رئيسين؛ فقد كان هناك تيار مرحب بالحضارة الغربية وداعِ إلى الاقتداء بها بشكل مطلق، وتيار آخر تمثل في اتجاه توفيقي إصلاحي يرى ضرورة الاستفادة من الحضارة الغربية، لكن مع محاولة تكييفها مع واقع المجتمع، وضرورة القيام بحركة إصلاح ديني تجعل النصوص الدينية متوافقة مع العصر.
وعلى الرغم من تعدد الاتجاهات ومحاولات الإصلاح المتباينة والمختلفة، إلا أن الحقيقة المؤكدة هو أن المجتمع العربي لم يستطع حتى الآن الخروج من كبوته منذ أن تنبّه إليها قبل أكثر من قرنين من الزمان، الأمر الذي يجعل من السؤال المطروح منذ بدايات القرن التاسع عشر، وهو: لماذا تخلفنا وتقدم غيرنا، قائمًا يبحث عن إجابة حتى اللحظة!
ثانيًا: الشخصية العربية ومحدداتها
في وقت سابق خلال القرن التاسع عشر، كان هناك اهتمام حول معرفة سبب التنوع والاختلاف بين البشر أو بين مجتمع وآخر في جوانب عديدة بيولوجية واجتماعية وثقافية، رغم انحدار البشر جميعًا من أصل واحد، ومن أجل الإجابة عن هذا السؤال تأسس علم الأنثروبولوجيا الذي يسعى إلى دراسة الإنسان دراسة شمولية، ليتعرف على السبب في تلك الاختلافات، وقد ردّ السبب إلى اختلاف البيئة الذي تنتج عنه استجابات متنوعة من جانب الأفراد، تختلف حسب طبيعة البيئة التي يعيشون بها، ويرجع ذلك إلى قدرة الإنسان على التكيف بناءً على ما يمتلكه من لغة ومن قدرات ذهنية وبدنية تمنحه هذه الإمكانية، ومن هنا نتج عن اختلاف طبيعة وظروف كل بيئة أن اختلف البشر من مجتمع لآخر في جوانب عديدة بداية من التكوين الجسماني إلى ثقافة المجتمع السائدة، وطبيعة التنظيم الاجتماعي، وطبيعة العلاقات الاجتماعية القائمة داخل كل مجتمع.
وعلى الرغم من الاختلاف حول فكرة الشخصية القومية ورفض البعض لفكرة وجود سمات مشتركة تجمع بين أفراد كل مجتمع، إلا أنه على الجانب الآخر توجد الكثير من الآراء التي ترى وجود ذلك الخط المشترك الذي يميز الأفراد المنتمين إلى كل مجتمع عن الآخر بسبب بعض العوامل منها اللغة والدين والتحديات المشتركة والواقع المشترك الذي يعيشون فيه والظروف والتأثيرات المتشابهة التي يتعرضون إليها.
ومما يؤكد عليه علم الاجتماع، أن هناك سمات وثقافة مشتركة تميّز كل مجتمع عن الآخر، وحتى داخل المجتمع الواحد توجد ثقافات فرعية مشتركة تميز كل بيئة عن الأخرى، حيث تختلف بعض القيم وأشكال التنظيم الاجتماعي في البيئة الحضرية عنها في البيئة الريفية عنها في البيئة البدوية، وينتج ذلك عن اختلاف طبيعة وظروف وتحدّيات كل بيئة مما ينتج قيمًا وثقافة معينة تتطلبها تلك البيئة، ولا يعني ذلك أن هناك تماثلا تامًّا في السمات المميزة لكل مجتمع، ولكن هناك خط رئيس وخطوط فرعية، أو كما أطلق عليها الدكتور السيد ياسين أستاذ علم الاجتماع "النسق الرئيسي والأنساق الفرعية" في إطار حديثه عن الشخصية العربية.
وقد أصبح الاتجاه نحو دراسة الشخصية القومية متزايدًا خلال النصف الأول من القرن العشرين، وتحديدًا بعد الحرب العالمية الثانية من جانب بعض الدول، والتي كانت تنطلق من "التسليم بوجود حد أدنى من التشابه في الاتجاهات وأنماط التفكير والقيم والاستجابات لدى أبناء المجتمع الواحد أو القومية الواحدة، بحكم وجودهم معًا في ظل ظروف متشابهة"[1]، كما تزايدت خلال النصف الثاني من القرن العشرين وأثناء الحرب الباردة بهدف دراسة الطابع القومي لكل شعب والسمات المميزة له بهدف الاستعداد في حالة قيام الحرب، كما أنه قد أُجريت العديد من الدراسات الميدانية من قبل بعض المراكز البحثية في المجتمع العربي لدراسة الشخصية القومية، ومنها دراسة بعنوان (المصري المعاصر) للدكتور أحمد زايد أستاذ علم الاجتماع، وأيضًا دراسة للدكتور جابر عبد الحميد أستاذ علم الاجتماع الذي قام بعمل دراسة مقارنة بين الشخصية المصرية والشخصية العراقية من خلال عينة من المجتمعين، ليصل في النهاية إلى وجود ثلاث عشرة صفة مشتركة بين أفراد العينتين.[2]
من هنا يمكننا القول بوجود خط رئيس يميز الشخصية العربية يتمثل في بعض السمات الفكرية والنفسية نظرًا لوجود العديد من العوامل المشتركة من أهمها اللغة والدين والموروث الثقافي والحضاري والتجربة التاريخية المشتركة والتحديات المشتركة، بالإضافة إلى العديد من الخطوط الأخرى الفرعية التي تميز كل مجتمع قطري عن الآخر، وتميز كل طبقة وبيئة عن الأخرى داخل المجتمع القطري الواحد، ونود أن نؤكد هنا على أهمية عامل الدين كمحدد رئيس للشخصية العربية؛ فالدين الإسلامي يحتلّ مكانة كبيرة في المجتمع العربي، ويتمتع بدور مركزي في تحديد المنطلقات التي ينطلق منها العقل، وفي تحديد تصوراته وثقافته وقيمه وسلوكياته، وقد أصبح الدين بما له من دور مركزي في المجتمع العربي من أسباب الأزمة الرئيسة التي يحياها المجتمع؛ ليس لكونه غير صالح للحياة اليوم، أو لأنه يحمل بداخله عوامل الأزمة، ولكن لأن قراءته من قبل المؤسسات ورجال الدين المعبرين عنه لم يكن على الوجه الذي يجعل منه رافعة للتقدم والنهوض، فلم تحدث جهود تجديدية تسعى إلى الولوج إلى روح النصوص لا إلى ظاهرها، حيث تجعل الدين متوافقًا مع العصر دافعًا ومعينًا نحو التقدم لا عائقًا أمامه، وهكذا وقفت الأمة موقف الجمود بين نقطتين؛ فهي لم تستطع تجاوز الدين والبحث عن مرجعية أخرى من الأفكار تصلح لأن تكون أساسًا للنهوض، ولا هي استطاعت قراءة الدين بشكل يمكّنها من ذلك.
وعلى ذلك، نستطيع أن نرسم بعض ملامح الشخصية العربية، ونصف بعض سماتها التي لها علاقة بتعثر نهضتها، من خلال المحور التالي...

إضافة تعليق