الشعر العيش خارج سياق اللعبة الثقافية

الحديث عن النقد يستدعي بالضرورة الحديث عن الإبداع، فبروز النقد الروائي يحيل إلى واقع الإبداع الروائي؛ لذا كان من الطبيعي أن ينعكس بروز فن ما أو تراجعه على الدراسات المهتمة به، ومن هذا المنطلق كان التساؤل مشروعاً عن حقيقة تراجع الشعر وصعود الرواية، ومدى تأثير ذلك على النقد. فالشائع أن العقد الأخير من القرن العشرين يمثل بداية الطوفان الروائي، لذا أصبحنا نسمع بأن الرواية (ديوان العرب)، دلالة على انتشارها مقابل انحسار الشعر وضعف الإقبال عليه.

وفي ظني أن هذه المقولة مناسبة للحكم على المنجز الإبداعي دون المنتج النقدي؛ لأن القارئ العادي عازف عن قراءة المنتج النقدي الشعري بدرجة مساوية لعزوفه عن قراءة المنتج النقدي الروائي، أما القارئ المتخصص، فما زال يقرأ الشعر الجيد ويدرسه ويبحث عنه، بدليل إعادة نشر أعمال عدد كبير من الشعراء المبرزين. بالإضافة إلى أن الشعر أصبح يقرأ ويدرس من خلال الفنون الأخرى، حيث تميزت الأجناس الأدبية في العصر الحديث بانفتاحها على بعضها، ومن أكثر الفنون رحابة واحتواء للأجناس الأخرى الرواية؛ لذا نجد أن عدداً من الروائيين يوظفون النصوص الشعرية داخل متنهم الروائي، سواء أكان ذلك بحضور جزء من القصيدة في الرواية، أم كان باستعارة الرواية بعض أدوات القصيدة الفنية وتوظيفها في سرد الحكاية.

وهذا يعني أن الكثرة والقلة الشكلية ليست معياراً دقيقاً للحكم بتقدم الرواية على الشعر بشكل مطلق، وإن كانت مؤشراً كميًّا دالاً على وجود تحولات فنية وفكرية تعيشها الساحة الأدبية والاجتماعية على حد سواء. ومن أبرز هذه التحولات الفنية بروز ظاهرة (الغموض) في الشعر، مما نتج عنها صدود كل من القارئ والشاعر عن الآخر، فانحسار الشعر يعود إلى غموضه، وغموضه يعود إلى إدراك الشاعر بأنه غير مقروء إلا من النخبة الشاعرة أو الناقدة؛ لذا أوغل من جهته في الغموض واستعراض أدواته الفنية، وواصل المتذوق العادي صدوده وابتعاده عن متابعة الشعر والاهتمام به. ومن التحولات المهمة التي ساعدت على انتشار الرواية، قدرتها على مكاشفة التابو الثلاثي بسبب طبيعتها السردية، وهذا ما جعلها مادة مشوقة للمتذوق العادي، ومغرية لتفكيك تركيبة المجتمع الثقافية وتأويلها بالنسبة للقارئ المتخصص. وواكب وجود هذه التحولات استسهال كتابة الأعمال السردية عموماً، في ظل سهولة الاحتجاج بممارسة التجريب مما يساعد على التفلت من القيود الفنية المعتبرة في الفن الروائي. والحق أن استسهال الكتابة واقع حتى في الشعر، خاصة بعد أن أثبتت القصيدة النثرية شرعية وجودها في الساحة الأدبية.

ومن هنا كان وجود مثل هذه الأسباب المتقاربة نسبياً دافعاً إلى التنقيب في حفريات تشكيل ذائقة المجتمع التي أصبحت أكثر تعقيداً، فهي التي أعادت تشكيل أدوات التلقي وأثرت على انتشار فن على حساب آخر؛ فوجب التفتيش عن الأسباب المتعلقة بتركيبة التلقي العميقة داخل الواقع الاجتماعي ومدى انعكاسها على التلقي النخبوي البارز في أعمال المتخصصين. ويأتي في مقدمة هذه الأسباب: انتقال المجتمع من مرحلة التلقي الشفاهية المناسبة للشعر، إلى مرحلة التلقي البصري المناسبة لتوظيف تقانات الرواية وتلقيها، فقد أصبح جيل هذا العصر يتلقى ثقافته بشكل أكبر من السينما والدراما التلفزيونية، وغيرها من الوسائط التي تحاكي الواقع المعاش، ولا شك أن هذه الوسائل الفنية أقرب إلى العمل الروائي منها إلى الشعر؛ فلغة القصيدة لا تسمح بالغوص خلف تفاصيل القضايا الاجتماعية والفكرية التي تلامس الهم الاجتماعي كما تفعل الرواية، وهذه المضامين قرّبت الرواية –بدليل تحويل عدد منها لميدان السينما والدراما– من نفوس القراء، ومن ثم اضطر الناقد إلى متابعتها؛ لدراستها من جهة، والالتصاق بواقع الناس من جهة أخرى. فالمهتم بمتابعة الشأن الثقافي، كالناقد والمسؤول عن البرامج الثقافية، يريد أن يكون قريباً مما يهم كافة أطياف المجتمع، ولم يعد راغباً في دراسة النصوص الأدبية التي لا يتابعها باهتمام سوى الأكاديمي المعتكف في مكتبته بعيداً عما يدور في الساحة؛ لذا قل الاهتمام  عددياً بالشعر مقابل ازدياد المتابعات الروائية.

إضافة تعليق

2 + 9 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.