الشعر في جهاته الخمس

إذا كانت اللغة بحسب ما أشار تشومسكي الذي قال “إن الطفل يولد من غير لغة محددة”، وسمى هذه “الحالة الصفرية الأولى” عنده، فإن ذلك مؤشر على تنامي هذه اللغة حيث يمر الطفل بمراحل تطوره العقلي والجسماني، وتصبح اللغة بذلك وسيطا يساعده على النهل من بحور العلم والمعرفة .
واللغة بحسب النقد الحديث هي وعاء الشعر وصنعته وهي مقياس فن القول حتى يكون منسجماً مع مفهومي الوظيفة والجمال حين يتبادلان الأدوار وينسجمان مع الاحتياجات الطبيعية للإنسان، وهو ما يتفق مع فلسفة الفن الذي يرتقي بالحس الإنساني ويكون قادرا على تنمية ذوقه وما يدور في أعماقه .

لقد ترافق الشعر العربي في النصف الثاني من القرن العشرين أي بعد دخوله مرحلة الحداثة الثانية بكثير من اللغط النقدي، ولعل تفسير الشعر من قبل كثير ممن يكتبون الشكل العمودي انطلاقا من مفهوم ثابت يقيس نجاح هذا الشعر تبعا لموسيقاه الخارجية، قد وقعوا في مطب بالغ الخطورة، نسوا معه أن الأصل في القول الشعري ليس رهنا بموسيقاه الخارجية فقط، بل إن هناك في عمق الشعر موسيقا أخرى إيقاعية، ذات علاقة ببنية اللغة، التي تحتمل تعدد المعنى والدلالة، وهذه البنية الإيقاعية تتناسب طرديا مع تطور اللغة في عبورها حواجز الزمان والمكان، حيث يصبح الشعر لغة خطاب ثقافي، لا تتوقف عند مرحلة معينة فتتشبث بها، أو تتمسك بضوابطها ومفهوماتها، وهذا بطبيعة الحال ضد المنطق، ويتعارض مع التطور الطبيعي للإنسان، الذي يعيش تغيرات اجتماعية وسياسية ومنعطفات ربما تكون خطيرة، قد تضطرنا إلى إعادة النظر في المسلمات الثابتة، حتى تلك التي تتعلق بعلم الاجتماع والفلسفة وغيرها .

اللغة هي الأصل في إنتاج الصورة الشعرية، وهي بهذا المعنى تحتاج إلى قوة تخييلية تصلح لرصد عذابات الفرد وأشواقه الرفيعة، هي هنا تحتاج إلى قوة وإيحاء المبدع، حيث الشعر هو “الجسر والباب والعالم، وأية قيود ستكون ضد هذا الشعر” كما قال الشاعر والفيلسوف والرسام الفرنسي (فابريس ميدال) .

نسوق هذه المقدمة انسجاما مع التحقيق الذي يحفل به هذا العدد من الخليج الثقافي الذي يتحدث عن موضوع مهم حول توجه كثير من الشعراء الذين يكتبون قصيدة التفعيلة أو حسبوا عليها، نحو تجاوزها إلى كتابة قصيدة النثر، والتحقيق الذي يتضمن أسماء بعض المداخلات النقدية المهمة، ليس جديدا قياسا على تتبع مثل هذه التجربة في سياقها العربي وربما العالمي، فهناك أسماء شعرية مهمة حسبت على التفعيلة اتجهت إلى قصيدة النثر، وهناك من يكتبون حتى اللحظة في أكثر من شكل شعري مخلصين لوهج الشعر، وهم مؤمنون بجدواه من دون وهم ينحاز سوى لهذا الشعر الذي قال عنه “بول سينان” “هو اليد الممدودة نحو كل شيء” .

لقد لعب النقد العربي فترة طويلة من الزمن على اعتبار أن موسيقا الشعر هي شيء ثابت لا يتغير والمقصود هنا، هو الأوزان أو البحور التي جمعها الخليل بن أحمد، من دون التنبه لإمكانية أن تتبدل هذه الأوزان الموسيقية أو تتطور، كما هو شأن العناصر الجمالية الأخرى التي تدخل في بنية الشعر، وتشكل قواعده الخاصة ولذا، كانت السجالات والمعارك التي تحدث عند ظهور أشكال الكتابة الشعرية الجديدة تتركز في جانب واحد لا غيره تتركز حول مفهوم الموسيقا، والموقف من موسيقا الشعر الجديدة، ذلك الذي كان بحسب النقاد يعبر عن تحول واضح في التجربة والموقف والحساسية والإيقاع الذي كان يعكس ذلك في النص الشعري الجديد .

اعتبر كتاب الشعر لأرسطو أن الشعر يقوم على غريزتين هما: غريزة المحاكاة، وغريزة الموسيقا، أما النقاد الغربيون فتناولوا ارتباطه بطقس العمل، وتلك الأغاني التي كانت تلهج بها ألسنة العمال، وإذا غصنا في التاريخ البشري، فسنجد أشكالاً لا حصر لها من التعبيرات الصوتية، التي حين دراستها سنكتشف أنها خليط من النشيج والأمل والدعاء والفرح والغناء وربما الأهازيج التي تشبه تلك الألحان البسيطة كالأناشيد الحماسية والحداء والنواح عند الإنسان العربي في مرحلة ما قبل الإسلام في إشارة إلى جهد الخليل بن أحمد في تحديد التفعيلات واختصاص الموضوعات وغيرها .

في العصر الذي نعيش الآن، تطورت أشكال جديدة من الموسيقا، ودخل الشعر تجربة التفعيلة، ومن بعدها تجربة قصيدة النثر، التي باتت معروفة عند الشعراء والدارسين على حد سواء، فكانت محاولات الخروج من فلك القصيدة العمودية على يدي رواد الحداثة الأولى، مثل: بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وصلاح عبد الصبور وغيرهم، مرورا بالحداثة الثانية التي مثلها أدونيس وأنسي الحاج وشوقي أبي شقرا، ولعل هذه الحداثة مثلت نقلة يعتبرها الشعراء الحداثيون ممن يكتبون قصيدة النثر على وجه الخصوص، من أخصب ما حصل لشكل القصيدة، التي اتسمت بطابع المغايرة والاختلاف، ومثلت منعطفا مهماً تجلّى في الكتابات النوعية في قصيدة النثر العربية، التي فجرت مكامن اللغة وأعادت اكتشاف جمالياتها، وكانت بحق بمثابة ثورة على صعيدي الشكل والمضمون، ولعل الحوارات التي أجريت وتجرى في الصحافة العربية مع كتاب قصيدة النثر تؤكد على بروز تحول تدريجي في فهم وتلقي هذه القصيدة، التي وجدت تعاطفاً من نقاد كبار مثل الراحل إحسان عباس، كما استمرت في نقد حداثي عربي واع مارسه كمال بو ديب وحاتم الصكر وغيرهما .

مثل هذا التعاطف نجده لدى كتابها الذين يصرون على ضرورة مغادرة الصورة النقدية التي تغرق في النمطية والتسطيح من دون الانتباه لذلك الفضاء الذي يعيد للكلمة وهجها وينبش في الجمال والفكر ويقدم صورة عن حلم الراهن برؤى جديدة تضاف إلى رصيد جماليات الحداثة الشعرية العربية، التي تمثل قصيدة النثر أفقها الاستراتيجي الذي يباغت ويدهش وربما أنه لا يقف عند حد .

إن الكلام عن الحداثة الشعرية، هو كلام في العمق الذي أفرزته ذائقة جديدة، استفادت من المنجز العالمي، ولا ضير حين نتحدث عن قصيدة النثر التي تعتبر نتاجا خاصا بحاضنة ثقافية وبيئية متقدمة، أن نستفيد من هذا المنجز، سيما وأن الشعر العربي هو الآخر يحتكم لثقافة راسخة الجذور، وقد مر عبر تاريخ تطوره بمراحل عدة، وربما يكون نموذجاً تمثل بكسر العروضي في الشعر الأندلسي، ناهيك عن رباعيات وخماسيات الشعر المعروفة، من المراحل الجريئة التي يمكن الوقوف عندها، وفي السياق ذاته، فهناك تداخل بين النثر الفني الموجود بكثافة في النماذج والأدبيات العربية القديمة، وبين الشعر من حيث اشتراكهما في الأثر الفني والجمالي، والصيغ والتعبيرات المجازية والبلاغية، التي هي من سمات الشعر .

لعل من المهم في هذه المداخلة، ونحن نرى عدة شعراء عرب يتقبلون فكرة قصيدة النثر، أن نشير إلى بعض اللبس الذي يتعلق بشكل كتابة القصيدة في المحاولات العربية بوجه عام، وكتابة القصيدة من حيث الشكل هو موضوع مهم، خاصة وأن نسبة غالبة ممن كتب قصيدة النثر، كان مأخوذا بفكرة الشطر القادم من ذهنية القصيدة العمودية في الشعر العربي، مع أن كتابتها تبدو أكثر إقناعا بالنسبة لتجربة الحداثة الشعرية الأنجلوسكسونية، وخصوصاً الأمريكية الذي يُعد الناقد والشاعر الأمريكي تشارلز سيميك من أبرز روادها ومناصريها، وهو ما ينسجم مع فكرة أن القصيدة الحديثة ذات بنية أو وحدة سردية وتخييلية، وكتابتها تكون أكثر إقناعا لو كتبت على هيئة كتابة النثر الفني أو النص المفتوح، كالرواية أو القصة، وذلك بالالتزام أو الابتداء من أول السطر على بياض الصفحة حتى الهامش، وهو ما أصبح متبعا في أساليب تدريس الشعر في الأكاديميات الغربية، ويعتبر أكثر صدقا وانسجاما مع بنية القصيدة الحديثة التي هي بنية إيقاعية، وليست وزنية على غرار القصيدة العمودية في الشعر العربي القديم .

وبهذا المعنى فإن قصيدة النثر ليست منبرية، وتحتاج إلى الإصغاء الشديد حال قراءتها، هي قصيدة مغايرة لأنها تنبش في المعنى، وربما هي لا تقتنع بمعنى واحد وصارم، كما جاءت به القصيدة العربية الكلاسيكية، بحسب إيقاعها الدلالي الواحد، في حين تتوخى قصيدة النثر تعدد الدلالة، وهو ما يضاف إلى رصيد تجربتها المعيشة، وبمثل ما تكتب هذه القصيدة وفق تركيب مفرط في الصور والدلالات، فهي تكتب أيضاً بتركيب بسيط، قد تتضاءل فيه هذه الصور والدلالات، لكنها قطعا ليست بدلالة واحدة، إنما هي قصيدة تتوخى فكرة العمق، والغوص في التجربة حتى نهاياتها، وهي هنا رغم بساطتها أيضا تحتمل أكثر من تأويل، أو تظل حريصة على فكرة التأويل، لأنها تؤمن بنسبية قابلة للتعاطي مع أكثر من قيمة جمالية وفلسفية، وهي قصيدة ثقافية بالمعنى الصرف للكلمة، وقصيدة مناكفة تتعامل مع البعيد والمضمر وذات شعرية عالية لا تقف عند جهة واحدة، بل هي محلقة في مختلف الاتجاهات .

إضافة تعليق

5 + 5 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.