الطاو.. النص الكامل للكتاب الصيني المقدس

لم يكن في الأرشيف الحكومي التابع لبلاط مملكة 'تشو' من يتقن أصول المراسم والعلاقات العامة مثل 'لاوتان'، (أو لاوتسي أو لاوتسو.. حسبما يرد في مختلف الترجمات الصوتية لاسم هذا الفيلسوف) ذلك الذي ذكرت المدونات التاريخية أنه كان أحد مواطني مملكة تشو، وأنه عاش في القرن الرابع قبل الميلاد، ورغم أنه لم يكن كاهناً ولا وزيراً ولا أديباً لامعاً، بل مجرد موظف أرشيف بسيط، إلا أن الباحثين وطلاب العلم قصدوا إليه لتحصيل مستويات أرقى في المعرفة حول كل ما يتصل بموضوعات المراسم الإمبراطورية والشرائع والعلاقات العامة؛ وذلك لخبرته النظرية وعبقريته الفريدة في هذا المجال، حتى إن كونفوشيوس نفسه، وهو فيلسوف الأخلاق وراهب الكهنوت الإمبراطوري، ذهب إليه ليتعلم منه، ولم يكن اللقاء ودياً قط؛ فقد ثار لاوتسو وانتقد كونفوشيوس بعنف، وافترق الرجلان ولم يلتقيا بعدها، مثلما لم تلتق المدرستان الفكريتان الكبيرتان: الكونفوشية والطاوية؛ هذه ترى الأخلاق في العودة إلي النقاء الطبيعي الأول، وتلك ترى الفضيلة في إرساء قواعد المعاملات على أساس من الاحترام والود المتبادل.

وازدادت الهوة عمقاً بينهما، لكنهما بقيتا علي ساحة الفكر، كفرسي رهان، تتسابقان وتتنازعان (فترات التفاهم كانت قصيرة!) وتحتفظ كل منهما بمكانتها باستمرار.
عند تحليل الشخصية الثقافية للحضارة الصينية، لابد من الوعي بالكونفوشية (الفضائل، النظام الاجتماعي، السياسة، القانون...) جنباً إلى جنب الفهم الكامل للطاوية، (الفنون، الآداب، العلوم، الطب...)
والنص الطاوي، بطبيعته مشحون بالتجريد الهائل والإشارات الرمزية الغامضة، بوصفه كتابة صوفية قديمة، لدرجة أن فقرات مطولة منه كانت تتحول في المدونات الكهنوتية إلى تمائم وأحجبة وطلاسم سحرية ذات طاقات خارقة.
والحقيقة أن الطاوية ظهرت فكراً يتأمل أسرار الطبيعة بحثاً عن أجواء تعيد إلى الإنسان قيمته وحريته في زمن اضطراب وقلق كان يهز أعماق الروح الصينية بعنف. كانت الطاوية تتأمل الطبيعة شوقاً لبواكير بساطة الحياة الأولى، لتعود بالإنسانية إلى أحضان المجتمع الأمومي (من ثم انحيازها المطلق لدلالات الأمومة، الأنوثة) واقتربت من دائرة الاهتمام الفلسفي بمبحث الوجود، ولئن تحولت إلي ديانة رسمية فيما بعد (القرن الأول الميلادي تقريباً) فقد كان ذلك من منطلق الدفاع عن الروح الثقافية الصينية أمام التغلغل البوذي الوافد من الهند، ولم تكن الطاوية في واقع الأمر دينا يؤم جماعة المؤمنين، بقدر ما غدت لاهوتاً وطنياً يحمي الثقافة القومية المهددة بالاستلاب.
وكتاب الطاو يقع في جزأين رئيسيين، مجموعهما معاً يبلغ 81 فصلاً، ولم تكن الفصول، في النسخة القديمة، مرتبة على أي نحو؛ إنما أضيف إليها التسلسل الرقمي حديثاً جداً، وربما أن لاوتسو لم يجد الوقت ولا المزاج النفسي ليقوم بترتيب وتنسيق الفصول والفقرات؛ فقد كان مكتئباً حزيناً، وهو ابن أيام مضطربة وزمان متقلب، وكان قد ضاق ذرعاً بالقيم الكونفوشية والطقوس والمراسم، فآثر الرحيل قاصداً العزلة؛ فلما بلغ إحدى نقاط الحراسة على حدود المملكة، أوقفه قائد الحرس الذي سيصبح فيما بعد واحداً من أهم المفكرين الطاويين وطلب إليه أن يضع له كتاباً يحوي خلاصة أفكاره (... بما أنه ذاهب هذه المرة بلا عودة!) وهكذا، جلس لاوتسو، وتناول دواة وقلماً، وراح يسجل في خمسة آلاف كلمة أشهر مدونة تراثية في تاريخ الصين، ثم قام وذهب في طريقه إلى منتهى غايته!

نقلاً عن أخبار الأدب المصرية العدد615 24أبريل2005
ترجمها عن الصينية مباشرة: د. محسن فرجاني

إضافة تعليق

12 + 5 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.