الطفل وثقافة الفعالية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن تبعه وولاه...

وقبل الدخول إلى الموضوع لابدَّ من أن نعرج على مدلول الفعالية ومعنى الثقافة.

ما هي الفعالية؟ هي أن تحقق أفضل النتائج من كل ما تملك من قدرات ووسائل متاحة ضمن الظروف التي تحياها. والعطالة: هي عكسها. وتتمثل في الإنسان الكل الذي وصفه القرآن بأنه: ((أينما توجهه لا يأت بخير)) فهو عاجز ولا يحسن التصرف فيما يملك من قدرة ووقت ووسائل متاحة.

ونتذكر هنا تحليل المفكر مالك بن نبي للحضارة إلى عناصرها الأساسية: الإنسان والتراب والوقت. وكيف أن الإنسان في العالم الثالث يسترخي خاملاً ويهدر سنوات عمره دون أن يحدث تطويراً على حياته وعلى ما يملك من تراب بور مهمل.

وحتى الذين تعلموا وحصلوا على شهادات علينا في اختصاصات هامة... توقفوا عند هذه الشهادات ولم يفيدوا بلدهم بها... حتى أن مالك بن نبي يطلق عليهم لقب (حاملي اللافتات العلمية) الذين ظهروا خلال النصف الأخير من القرن العشرين إلى جانب (حاملي المرقعات والثياب البالية) في عالمنا المتخلف كمظهرين من مظاهر عجزه.

أما الثقافة فهي شيء آخر غير العلم: ((إنها نظرية في السلوك أكثر من أن تكون نظرية في المعرفة))، إنها مجموعة من الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية التي يتلقاها الفرد منذ ولادته... وهي المحيط الذي يشكل فيه الفرد طباعه وشخصيته(1) ويشبهها مالك بالدم في جسم المجتمع لأنها تنقل إلى كل مولود أساليب النظر والتفكير والسلوك فكما يتعلم الطفل كيف يمشي وكيف يتكلم ممن حوله... يتعلم أيضاً كيف يفكر أو كيف يضع الحواجز على تفكيره... وكيف يتصرف مع الناس وكيف يهدر وقته، ويتلف مملتكاته ووسائله... يمكننا أن نتأمل مثلاً كيف يلعب أطفالنا في الحدائق... يرمون الأوراق والأوساخ في أي مكان رغم وجود حاويات القمامة في أماكن من الحديقة، وكيف يعبثون بالمقاعد ويتلفون بعض الألعاب...

كنت أراقب - في الروضة التي افتتحتها منذ أكثر من عشر سنوات - الأطفال في أول العام الدراسي حين يدخلون إلى غرفة الألعاب.. أحدهم يبعثر قطع التركيب بعشوائية..وآخر يتعامل مع كل لعبة على أنها كرة قدم يركلها، وثالث يستعمل أدوات المطبخ في ضرب رفيقه، وعند حنفيات الماء ترى العجب جيث ننرك الحنفيات مفتوحة وترمى المناديل والشطائر داخل الحوض...

وفي الساحة بعض الحقائب مرمية.. وبقايا الشطائر وأكياس التسالي الفارغة وغير الفارغة... مبعثرة.

لكن المشهد يختلف قرب نهاية العامة.. فالطفل يغلق صنبور الماء، ويحرص على رمي الأكياس والمناديل في سلل القمامة، ويعيد ترتيب غرفة الألعاب عند الانتهاء من اللعب. لقد عاش شهوراً ضمن وسط ثقافي تشرب الطفل منه سلوكيات وأساليب جديدة... إن أثر البيئة الثقافية في الإنسان هام إلى درجة أنه أثمر تياراً خاصاً في علم النفس انتهجه السلوكيون حتى أن أحدهم - سكينر - ألف كتاباً في صناعة الإنسان واسمه (تكنولوجيا السلوك الإنساني) يؤكد فيه أن ثقافة المجتمع هي التي تصنع الإنسان وأن علينا أن نستثمر ذلك.

ومع إيماني بأهمية ذلك فإنني على يقين بأن الإنسان يملك مساحة من الحرية الفكرية تسمح له بالاختيار وتعديل المسار في أي وقت ومع الإنسان وتربيته لا توجد حتميات لا فكاك منها. لكن لماذا لا نعينه بتقديم أرضية جيدة للانطلاق؟ لقد أشار رسول الله ( إلى ذلك بقوله: ((كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه)).. وقد أمر الدين بحسن الاختيار عند الزواج للزوجين كي يؤمن بيئة ثقافية جيدة في الأسرة التي تمثل أول أرضية تمد المولود بأساليب الفكر والسلوك.

إن المجتمع يصب أفكار الإنسان وسلوكياته في قوالب محددة تزداد ترسخاً كلما تقدم به العمر... ولهذا نجد أثر المحاضرات وحملات التوعية ضعيفاً في إنساننا لأنه يفكر ويتصرف بلا شعور مصنع من قبل ثقافة رديئة تسود المجتمع وتحول بين الإنسان وبين التطور الفعال.

فلماذا لا نتوجه إلى الإنسان حين يكون غصناً طرياً في طفولته لم تتمكن من ثقافة العطالة بعد؟ أعتقد أن من الفعالية أن نفحص مواد البناء ونشكل اللبنات بالمواصفات الممتازة قبل أن نقوم برصها لإقامة صرح المجتمع. ولهذا لابدَّ من تركيز الجهود على تطوير الأسرة بإعداد الشباب للزواج ولأداء دور الوالدية بالعلم الكافي والتدريب المناسب..

ومن المؤسف أن المناهج الدراسية لا تهتم بذلك. فلا يوجد مثلاً مادة تُدرَّس في فن العلاقة الزوجية أو إدارة الاختلافات الأسرية.. أو تربية الأبناء. كما أنه لا توجد لدينا المراكز الاجتماعية المتخصصة بالشكل الكافي لتقديم المساعدات.

ومن بعد الأسرة تأتي رياض الأطفال ثم المدارس لتتابع المسيرة في بناء شخصية الطفل. ولكن هل نالت رياض الأطفال ما تستحق من عناية باعتبارها الأداة المثلى للتغيير الإيجابي وذلك بصناعة إنسان النهضة؟!.

إنني أرى مشاريع تجارية تتوجه إلى هذا المجال فتعطي الأهمية والمال لإنشاء الروضات والمدارس... بينما يزهد المصلحون بهذا الأمر ويفننون بالمال والجهد أن يهدر عبثاً مع الصغار معتقدين أن التغيير الحقيقي ينبغي أن يبدأ من رأس الهرم.

والحقيقة هي أن رياض الأطفال هي التي تؤسس القواعد في الأمة، لكن كيف ينبغي أن تكون حتى تنتج إنساناً سوياً فعالاً؟

لاشك أن الأمر بحاجة إلى عناية وإعداد على مستوى عال من حيث البناء الذي يمثل المكانية ومن حيث تهيئة الكادر التربوي الذي سيقوم بدور بناء الشخصية... ومن حيث اختيار المنهج الأمثل والوسائل الأفضل، لن أتحدث هنا عن النباء لأن شروطه تكاد تكون معروفة ولأنه أقل من الجانبين الآخرين من حيث الأهمية، وإنما أسلط الضوء على ما وجدته أساسياً في كيان الروضة.

1- الكادر التربوي: إن شخصية المعلم هي العنصر الأساسي في هذا المشروع... بل إن الكادر العامل في الروضة كله ينبغي أن يتمتع بالتناسق كفريق عمل يتكامل في سعيه للوصول إلى الأهداف ولهذا لابد من توفير مواصفات عليا في كل من سيعمل في هذا المجال. منها:

1ً- لابدَّ للمعلم أن يحمل رسالة التغيير ويدرك قيمة جهده في نهضة الأمة ويبتغي بعمله رضى الله وعندها تصبح لديه رقابة ذاتية على أدائه ويستمتع بمهنته ويتحمل ما يعترضه من صعوبات ومتاعب.

2ً- وهذا يستتبع تزويده بعلم متنامي وتدريب مستمر... وإن فهم المعلم للدين ولمبادئه المرتبطة بتفعيل الحياة ضروري جداً لأن فاقد الشيء لا يعطيه، وإن اختزال الدين إلى مجرد عبادات وطقوس قد عطل الدور الإيجابي الفعال له في تطوير الحياة، وحَجَبه عن عمارة الأرض والخلافة الإيجابية فيها، مما أوحى لكثيرين بالزهد فيه والتشكك في أهمية دوره في البناء الحضاري. ولابدَّ للمعلم من أن يستفيد من دورات تطوير الذات التي أصبحت متوفرة في كثير من المراكز... ولابدَّ من دراسة ما يستجد من كتب في فهم نفسية الطفل وحاجاته وكيفية التأثير به. مثلاً أحد الخبراء النفسيين قال: لابدَّ للمعلم أن يشترك في تحصيل ثلاث دورات على الأقل:

1- دورة في العادات السبع للناس الأكثر فعالية (كوفي).

2- دورة في الذكاء العاطفي ليمتلك السواء مع نفس والاقتدار على فهم الآخرين والتفاعل الإيجابي معهم.

3- دورة في البرمجة اللغوية العصبية يتعلم فيها التواصل الفعال المؤثر.

ويضيف الدكتور عبد الله دنان: دورة لتعليم المعلم المحادثة مع الطفل بالفصحة مما يختزل على الطفل صعوبات التعليم وطول سنواته في المراحل التالية، ويهذب لسانه ويعطيه القدرة على الدخول إلى مفاهيم القرآن وأجوائه.

3- لابدَّ من تدريبه عملياً حتى يفعل أفكاره ويعيشها مع الأطفال في الروضة... ويحسن استخدام الوقت المتاح له للتواصل وتوصيل المعلومة.. فلا يبدو الحصة الدرسية ولا يهمل حاجة الطفل إلى اللعب بل يستخدم اللعب لتعليمه.

4- من أعظم صفات المعلم: المرونة، فهو قادر على التقويم والتصحيح ويتقبل النقد البناء ليصل إلى أفضل النتائج فهو يؤمن بالتطوير المستمر.

5- وفوق كل ذلك لابدَّ أن يتمتع المعلم بروح مرحة وحركية تتناسب مع حيويية الأطفال وأهم من كل ذلك حبه للأطفال واستمتاعه بالعمل معهم.

ولا ننسى أن الروضة مؤسسة صغيرة تحتاج إلى إدارة متخصصة تدرك خطورة دورها في تغيير الإنسان وتوجيهه للأفضل وتتابع سير العمل.. وعليها أن تدير دفة هذه المؤسسة بكل حكمة فتحدد رسالة المؤسسة بورقة (إعلان) معلقة على لوحة الإعلان كي يتذكرها المعلم في أثناء ذهابه وإيابه. كما أنها تجري اللقاءات الدورية مع الكادر العامل لبحث ما يجد من مشاكل ودراسة سبل التطوير والمشاركة في اتخاذ القرارات الهامة.

2- المنهج المتكامل لهذه المرحلة والذي يتناسب مع قدرات الطفل وحاجاتعه فيها.. مع مراعاة تقديم المعلومة بشلك تجريبي محسوس لنقل الطفل من النظري إلى العملي ولتتحول المعرفة عند الطفل إلى عمل. وهنا أشير إلى المنهج الذي طورته وزارة التربية في بلدنا لرياض الأطفال فهو جيد ومدروس في معظمه لكنه بحاجة إلى المعلم الذي يفعِّله ويتقن توصيله إلى الطفل بالشكل الأمثل. كما أن فيه ثغرات ومساحات معرفية فارغة تحاول كل روضة أن تسدها وفقاً لرؤيتها ورسالتها.

ومن أهم هذه الثغرات عدم وجود منهج للتربية الدينية في هذه المرحلة.. ولهذا نجد رياض الأطفال قد نهجت خطين متباعدين في ذلك... فمنها من أهمل الأمر كلياً... ومنها من ركز على تحفيظ جزء من القرىن وعدد من الأحاديث والأدعية المختارة.. مما أدى إلى تكريس تعطيل الدين عن أداء دروه الهام في توجيه الإنسان وإبقائه في نطاق المعلومات المكدسة في الذهن دون أن تؤدي أثرها في سلوك الفرد وبالتالي في أسلوب حياة الأمة. إن مشكلة التوجيه الديني في عالمنا عامة تمثل مأزقاً لابدَّ من التفكير في كيفية اجتيازه بأحسن ما يمكن. وهي بالنسبة لتوجيه الطفل تمثل ركناً أساسياً في بناء الشخصية الفعالة... ومن أسوأ عيوبنا أننا اعتبرنا الدين مادة ثانوية في مناهجنا... ونسينا أنه الشرارة الكهربائية المحركة للإنسان كي يتفاعل مع التراب والوقت ويبني حضارة. والعقل التطبيقي يتطلب الإرادة والانتباه... فأما الإرادة فهي من صنع الدين وهي التي تنشط الانتباه كما يقول الله: ((ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة)).

وتحديد المنهج الديني للطفل يقتضي منا أولاً أن نفكر: ما الذي نريده من ثمار لهذا التوجيه؟ ولابدَّ لي أن أجتهد في تقديم الجواب فأقول نريد:

1ً- أن يحب الطفل الله ويؤمن بعلمه وكرمه في العطاء.

2ً- أن يحب الناس ويتعامل معهم بالخلق الطيب.

3- أن يفعِّل عقله ويدرك حلاوة العلم وضرورته للحياة السعيدة.

4- أن يفعل الأوامر الدينية الأساسية فيقود على السلوك الأخلاقي الديني.

إذن لابدَّ أن نختار من السور لهذه المرحلة ما ينص على: محبة الله للإنسان وكثرة نعمه عليه - ما ينص على محبة الناس وحسن الخلق معهم - والسور التي تحض على العلم والقراءة. وألا نتحدث في هذه المرحلة عن النار وعذاب الله للمذنبين.. وإنما نجعله يدرك عواقب العمل السيء في الحياة من خسارة لمحبة الناس وخسارة مادية أحياناً..

وأضرب مثلاً على خلل ثقافتنا الدينية حول النظافة والمساهمة في رفع الأقذار... نحن نقول للطفل الذي يهمل دروسه: ((بدك تطلع زبال؟)) فما الذي ينطبع في لاشعوره؟ أذكر أن إحدى الأمهات اتصلت بي تحتج على تعويد ابنها أن يساهم في لملمة الأوساخ من الساحة!! إن سلوكنا وكلامنا يعاكس الثقافة الإسلامية الأصلية التي جعلت من إماطة الأذى من الطريق صدقة.. وعامل النظافة يؤدي دوراً حضارياً هاماً يحمينا من القذارة والمرض.

ويمكن أن نقف على مثل آخر في سلوك أطفالنا ويتمثل في الإتلاف والتبديد الذي يجعل الطفل يرمي شطيرته ويترك صنبور الماء مفتوحاً ويحزب الألعاب ويسرف في شراء التسالي وكثيراً ما يرميها.. إنها ثقافة الاستهلاك التي يتشربها الطفل من سلوك من حوله.. ولابدَّ من جعل الروضة بيئة ثقافية مختلفة ينضبط كل العاملين فيها على ترك الإسراف والتبديد... ويفرض نظاماً على الأطفال يمنعهم من الشراء قبل أن يكملوا شطائرهم ويمنعهم من شراء أكثر من قطعة واحدة من التسالي. ويفرض التعويض على الطفل من مصروفه عن كل تلف تسبب به في الألعاب أو الأدوات أو الفرش. ولابدَّ من التواصل مع الأهالي لتوضيح كل هذه الأهداف والإجراءات حتى لا يقوموا هم بالتعويض بدلاً عن الطفل.

ولابدَّ للمنهج أن يتضمن برنامجاً لتدريب الطفل على التفكير ومهاراته ويخصص لهذا الأمر حصصاً أسبوعية تستخدم فيها القصة والتمثيل والتجربة العلمية... أقول هذا وأنا أتأسف لما نراه في مدارس الطلاب الكبار حيث نجد المخابر المجهزة للتجارب العلمية قد أقفلت ومنع استعمالها.. ربما حرصاً على حمايتها من التلف.. ولو أدى هذا إلى إتلاف عقول الناشئين.

ولو تيسر للمدارس أن تتابع جهود رياض الأطفال المخططة هذه لتدريب الطفل على الفعالية في الفكر والسلوك لتمكنا من تجذير الفعالية في قواعد الأمة كي يرتفع البناء راسخاً متمكناً بدلاً من النحر والخرق الذي يتغلغل في القواعد ويهدد بسقوط السقف بل والبناء كله.

أخيراً أقول إننا نقف على منعطف خطير في حياة الأمة وأمامنا كيد مخطط لاجتياح كل مقوماتها.. ولا نجاة لنا إن لم نكرس الجهود في ترسيخ القواعد التي تتمثل في الأسرة ورياض الأطفال والمدارس. فإن قلتم إن هذا يحتاج إلى أموال طائلة وعلوم عالية.. ألا يحق لنا أن نسأل: فأين تصرف أموال أغنيائنا؟ وماذا نفعل بشهادات المتخصصين في عالمنا؟! إن المواد الأساسية متوفرة... ولم يبق إلا أن يقتنع إنساننا بضرورة المسارعة للإقلاع قبل أن تفوت الفرصة.. فإن الأطفال هم مشروع النهضة بإذن الله.

وقبل أن أختم أذكر بمختصر بحثي: فقد بدأت بتحديد معنى الفعالية ومعنى الثقافة، ومقدار أثر الثقافة في صناعة الإنسان. ثم نوهت إلى ضرورة الاهتمام بتطوير الدوائر الثلاث التي لها أكبر الأثر في تشكيل الثقافة وهي: الأسرة، ورياض الأطفال، والمدارس، وتحدثت عن أهم مقومات الروض وهي الكادر التربوي والإداري وما يجب أن يتحلى به من إخلاص وعلم ومرونة، والمنهج التعليمي للروضة، وذكرت خلوه من برنامج للتوجيه الديني مع أنه أساسي في تشكيل الشخصية. وتمنيت تحويل التعليم من التلقين إلى التجريب لتفعيل العقل..

ختاماً: أشكر المركز الثقافي في يبرود متمثلاً بالسيدة لينة حسون، وأشكر مؤسسة دار الفكر على جهودها الكثيرة في التوعية، وشكراً لحسن سماعكم والسلام عليكم.

حنان لحام

إضافة تعليق

4 + 7 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.