العالمية الأولى .. الحرب من الداخل

يدرس هذا الكتاب "الحرب العالمية الأولى" لأستاذ التاريخ في جامعة سان دييغو البروفيسور نيل م. هايمان، كيف كانت الحياة خلال 52 شهرا ـ أغسطس 1914 / نوفمبر 1918 ـ من الحرب العالمية الأولى، التي خاضتها النمسا، المجر، روسيا، فرنسا، ألمانيا، بريطانيا، وأخيرا أميركا، محاولا التركيز على الجبهة الغربية وعلى القوى الرئيسية التي تحاربت هناك، فقد أصبح هذا الشريط من الأراضي الممتد لأكثر من أربعمائة ميل بدءا من ساحل القنال الإنجليزي، وحتى الحدود السويسرية المسرح المركزي للصراع بأكمله، وقد شهدت الجبهة الغربية المجزرة العسكرية الأكثر فداحة في الحرب، وأثارت الأحداث هناك تغيرا ضخما في بريطانيا وفرنسا وألمانيا وفي العام الثالث من الحرب دخلت الولايات المتحدة إلى حلبة الصراع وتركزت جهودها على الجبهة الغربية أيضا.

ولأن الحرب كانت أولا وقبل كل شيء حدثا عسكريا تركز الفصول الثمانية الأولى من هذا الكتاب على التجربة العسكرية لمختلف المتحاربين، فتدرس كيف تم تجنيد وتدريب الجيوش والتجهيزات التي استخدموها، وأنواع وأشكال الأسلحة التي تم استخدامها، والطعام الذي كان الجنود يتناولونه، كانت حرب الخنادق حياة، وأيضا سلسلة من المواجهات العسكرية الضخمة والدامية، كما تنظر هذه الرواية هنا أولا إلى الروتين اليومي للخدمة في الخنادق، ومن ثم تتفحص ظاهرة القتال.

 في حين مثّل الجندي في الخندق الشخصية الأكثر اعتيادا على الجبهة الغربية، فقد كان عمل البحارة في أساطيل الدول المتحاربة وثيق الصلة بالقتال الدائرة رحاه على اليابسة، وقد أدت محاولة إغلاق الطرق المؤدية إلى العالم الخارجي في وجه العدو بالحلفاء لمحاصرة ألمانيا، ودفعت الغواصات الألمانية إلى مهاجمة سفن الحلفاء التجارية، وبالإضافة إلى شكل الحرب بالنسبة إلى البحارة تشير رواية الجبهة الغربية إلى تجربة الطيارين الجديدة، ومع استمرار الحرب ازدادت أهمية الطائرات والرجال الذين قادوها أكثر من أي عامل آخر في الحرب.

 وبعيدا عن تفاصيل التجهيز والإعداد والقتال من البنادق وقذائف الهاون والقنابل وقواذف اللهب والطائرات والقناصة وحرب وحياة الخنادق، كيف كانت ساحة المعركة يقول هايمان "منذ بداية 1915 كشفت معظم المعارك الكبرى التي شهدتها الجبهة الغربية عن مجموعة من العناصر التي شكلت تجربة المقاتلين، وشملت هذه العناصر القوة المدمرة للمدفع الرشاش والتأثير الساحق للقصف بالمدفعية الثقيلة طويلة المدى، والصعوبات الناجمة عن القتال في الوحل والمطر، وفي كثير من الأحيان كان ميدان المعركة مسرحا لهجمات الغاز، وأحيانا أخرى كان تفجير الخنادق والهجوم بالدبابات جزءا من الجهود الدموية لإنهاء حالة الجمود وكسب المعركة، وفي مناسبات نادرة كانت القوات قادرة على اختراق خطوط العدو وضعضعة وسائله الدفاعية، وكثيرا ما وجدت الوحدات المقاتلة نفسها تشارك في قتال مرير لأسابيع متواصلة، ففي معركة فردان ـ مثلا ـ تعرضت سرية الملازم هنري ديسانيو للقصف المتواصل طوال ما يربو على أسبوعين، وعلى حد تعبيره "لم نغتسل أو ننم منذ ستة عشر يوما، وقضينا أوقاتنا بين القتلى والجرحى المحتضرين، وواجهنا شتى الصعوبات والآلام المتواصلة".

 وفي السياق نفسه يقول هايمان "كما صادفت القوات الأميركية أثناء تحركها في غابة آرجون في خريف 1918 خندقا جمعت فيه زهاء مائتي جثة، ونتيجة لتيبس أجساد الجنود القتلى، فقد التوت أطرافهم وتشوهت بطريقة فظيعة، فأبقى الجنود على القتلى في مكانهم وحرفوا مسارهم إلى الجانب الآخر من الطريق لكي ينأوا بأنفسهم عن رؤية ذلك المنظر البشع، وذكر جندي من الفرقة السادسة والعشرين في غابة آرجون كيف أنه فقد السيطرة على جسده: انتاب معظمنا فزع شديد، لدرجة أن بعض الجنود أصيبوا بالإسهال، وسرعان ما بدأنا نشم رائحة الغائط تفوح من بعضنا بعضا، ولم يكن في تلك التجربة ما يخجل لأنها حدثت لنا جميعا وسيان إذا كنت ضابطا أو جنديا لكننا ترددنا جميعا على الإتيان على ذكر الأمر".

 ويتجاوز هايمان النظرة العسكرية في زمن الحرب والجيوش المتعددة وميادين قتالها المختلفة إلى النظرة للنظام الطبي الذي اعتني بالأعداد الهائلة من ضحايا الصراع، ونظاما آخر أصغر ولكنه ذو أهمية يتمثل فيما أعدته كل دولة للتعامل مع الأعداد غير المتوقعة من أسرى الحرب لديها، والدور الذي لعبته النساء في الشؤون العسكرية حيث كان عمل الممرضات العسكريات أكبر مساهمة متوقعة تمكنت المرأة من تقديمها، بيد أن نساء أخريات قدمن أدوارا مساندة للخدمات العسكرية ففي بريطانيا ومن ثم الولايات المتحدة الأميركية التحقت المرأة فعلا بالقوات المسلحة وأظهر منظر النساء غير المسبوق في الزي العسكري المزعج لبعضهم كم كان شكل الصراع مختلفا مقارنة بالحروب السابقة.

 تتناول فصول الكتاب التالية حياة المدنيين، فقد تغيرت الحياة داخل الأوطان بطرق لا حصر لها حتى بالنسبة إلى أولئك الذين كانوا بعيدين تماما عن القتال الفعلي، تسربت أجواء الحرب وتأثيراتها إلى كل مجال من مجالات الحياة اليومية من دروس تلاميذ المدارس إلى الازدهار المحموم لاقتصاد الحرب، إلى أوضاع المرأة وحقوقها، كما شكلت الحرب بالنسبة إلى بعض المدنيين تهديدا مباشرا، وهددت آلات بشكل رئيسي الغواصات والطائرات وحتى المدفعية الثقيلة حياة المدنيين على نحو غير مسبوق. حيث عاش ملايين الفرنسيين وكذلك البلجيكيين تجربة حرب هيمن عليها حكم أجنبي غاشم، فقد أعدم الجيش الألماني أكثر من 5000 بلجيكي ودمر زهاء 16 ألف مبنى في مقاطعات لوكسمبورج ونامور وبرايانت وهاينولت، فبهدف قمع المقاومة والحد من الحاجة إلى حاميات عسكرية كبيرة، اعتمد القادة الألمان السياسة الوحشية النموذجية تجاه المدنيين في منطقة الحرب سواء في فرنسا أو بريطانيا أو بلجيكا.

 وبالنسبة إلى جميع من كانت لهم صلة بالحرب غدت الإمدادات الغذائية والتي كانت مسلما بها بالنسبة إلى بعض الدول في زمن السلم مدعاة للقلق، على الأقل إن لم تكن هاجسا، أما بالنسبة إلى ألمانيا المحاصرة فقد غدت هاجسا فعليا، فقد بات المواطن الألماني العادي مرتبطا ذلك الارتباط الأشد مباشرة والأكثر إيلاما بحكومات الحرب الممتدة عندما سعت تلك الحكومات للتحكم فيما يحصل عليه من غذاء كل يوم.

 وقد تأثر الدور الاجتماعي التقليدي للمرأة علي الجبهة الداخلية بتأثيرات الصراع، إذ أصبحت المرأة تشكل مصدرا مهما للعمالة في الاقتصاد الحربي، فبحلول منتصف 1915 جذبت وتيرة تقدم الإنتاج العسكري المقرونة بالعمر القصير لرجال القوات المسلحة في البلدان المتحاربة المزيد والمزيد من النساء إلى المصانع الحربية، وبحلول 1916 ازداد الضغط على أرباب العمل لقبول ـ وحتى البحث ـ عن النساء العاملات بشكل كبير، فقد خلق بدء التجنيد في بريطانيا والخسائر الفادحة في القوة البشرية لكل من فرنسا وألمانيا في معركة فردان في 1916 حاجة واضحة لتشغيل المزيد من النساء في المصانع.

 كما لعبت النساء في فرنسا وألمانيا في فترة ما قبل الحرب دورا رئيسيا في العمل في فلاحة الأرض، وتولت الفلاحات الفرنسيات والألمانيات مسئوليات كبيرة منذ الأيام الأولى للحرب، إذ تركت تعبئة الرجال للحرب في صيف 1914 الأرض للنساء والأطفال ليقوموا بالحصاد، وخلال السنوات التي تلت استمرت العاملات الإناث في الهيمنة على القوى العاملة الريفية.

 من جانب آخر حولت الحرب ذلك القلق المتفاقم، في الفترة التي سبقتها بشأن معدل المواليد المنخفض إلى جهود مضنية لزيادة تلك المعدلات في الكثير من الدول، وتلقت النساء بوصفهن الجنس الذي لم يضطر للذهاب للقتال، مستوى من النقد يسمح بتسليط الضوء على المرارة المتزايدة التي أنتجتها الحرب.

 مع التوقيع على وقف إطلاق النار في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 1918 كان أكثر من 4.25 جندي قد لقوا حتفهم في القتال على الجبهة الغربية، واضطر الذين كانوا على جبهة القتال، وأولئك الذين كانوا في أوطانهم، للتعايش مع خسارة وجه مألوف لهم، في كثير من الأحيان كان وجه أحد أحبائهم، وهز حجم الخسائر إضافة إلى عنف الموت بين 1914 و1918 المجتمعات التي أصبح فيها الموت بسلام على السرير في البيت مقتصرا على كبار السن، وباتت الحياة بالنسبة إلى الكثيرين خلال الحرب العالمية الأولى تعني التأقلم مع الفاجعة.

 يذكر أن الكتاب الصادر عن مشروع "كلمة" للترجمة التابع لهيئة أبوظبي للسياحة والثقافة وبالتعاون مع دار مدارك للنشر، يأتي ضم سلسلة "الحياة اليومية عبر التاريخ" التي تضم عشرة كتب، وقد ترجم الكتاب المترجم الفلسطيني حسن عويضة.

إضافة تعليق

5 + 6 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.