العبادة الشاملة

يقول رب العالمين: “وما خلقت الإنس والجن إلا ليعبدون، ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون”، (سورة الذاريات الآيتان 56 و57) . بهذه النظرة الشمولية تقسم العبادة إلى قسمين: أولاً: عبادة شاملة لأعمال الإنسان المشروعة جميعها، فكل عمل دنيوي يلتزم فيه المسلم بتقوى الله وبالإخلاص والصدق والأمانة يكون عبادة، فالمعلم في مدرسته، والفلاح في مزرعته، والتاجر في متجره، والعامل في مصنعه، والمرأة في بيتها، هؤلاء جميعا في عبادة إذا كانوا مخلصين فيما يوكل إليهم من أعمال .

ثانياً: عبادة مخصوصة تتمثل في الواجبات الدينية كالصلاة والصوم والزكاة والحج وتلاوة القرآن الكريم والأدعية والإذكار وغيرها . وهذا القسم هو المعروف لدى الناس بالعبادات والشعائر، ويظن البعض أن العبادات تنحصر بهذا القسم، ويتجاهلون القسم الأول من العبادة مع أن العبادة بمدلولها الشامل تعني الدين كله .

إن الذين يهملون ويقصرون في العبادة بقسميها: الشامل والمخصوص إنما يشك بإيمانهم، وكذلك الذين يفصلون بين القسمين من العبادة، فإنهم يحاولون خداع غيرهم فيؤدون الصلوات أمام الناس رياء في الوقت نفسه يتعاملون مع الآخرين تعاملاً غير شرعي في تحليل الحرام، وتحريم الحلال، فلو أنهم يؤدون الصلوات بخشوع واتصال مع الله عزوجل لاستقام أمرهم وانضبط سلوكهم، والله سبحانه وتعالى يقول: “إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون”، (سورة العنكبوت الآية: 45) .

عليه لا يجوز لأي عاقل أن يستهين بالعبادة، لأن العبادة لها دور بارز ومكانة مهمة في الإسلام فهي تمثل الجانب العملي للعقيدة الإسلامية، فالالتزام بالعبادة يقوي العقيدة ويثبتها في نفس المسلم، وكما هو معلوم فإن المسلم يبقى على اتصال دائم بالله سبحانه وتعالى من خلال العبادة . ويوضح رسولنا الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم هذه العلاقة بقوله: “الإيمان بضع وسبعون شعبة أفضلها: قول لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق . والحياء شعبة من الإيمان”، (متفق عليه) .

إن للعبادة في الإسلام خصائص ومزايا متعددة، أذكر بعضاً منها:

1- أن العبادة لا تكون إلا لله الواحد الأحد، لا شريك له، ويقول عز وجل في الآية 110 من سورة الكهف: “فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً”، فديننا الإسلامي العظيم يحرم كل ما يؤدي إلى عبادة غير الله كتحريم الركوع والسجود لغير الله، وتحريم الذبيحة التي يذكر عليها غير اسم الله .

2- لا وساطة في العبادة، لأن العبادة هي صلة مباشرة بين العبد وخالقه، فالأصل أن يرتبط الإنسان، أي إنسان، بالله سبحانه وتعالى ارتباطاً مباشراً من دون شفعاء ولا وسطاء في أي عمل تعبدي يقوم به، وهذه ميزة واضحة في ديننا الإسلامي العظيم الذي يكرم الإنسان ويحافظ على كرامته، ويحرم العبودية والاذلال والاستعباد .

3-التركيز على النية في العبادة وفي جميع الأعمال والتصرفات والأقوال لقول رسولنا الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم: “إنما الاعمال بالنيات وإنما لكل أمرىء ما نوى”، (متفق عليه) .

4- إن العبادة في الإسلام هي انفتاح على الكون لأن هذا الدين يدعو إلى إعمال العقل والتفكير في ملكوت السموات والأرض والقرآن الكريم حينما يطلب من المؤمنين عبادة ربهم فإنه يوجه أفكارهم إلى آثار صنع الله لتكون عبادتهم له عن معرفة ويقين، فيقول سبحانه وتعالى: “يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون . الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناءً وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون”، (سورة البقرة الآيتان 21 و22) .

* رئيس الهيئة الإسلامية العليا في القدس

إضافة تعليق

12 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.