العقلانية في الفكر العربي المعاصر

بين يدي الكتاب..ماذا يعني العقل وما العقلانية؟ ما دلالتها اللغوية؟ كيف نظر الفلاسفة المسلمون إلى العقل؟ وما المكانة التي احتلها العقل في نظر الفقهاء وعلماء المسلمين؟  هل استمر الفكر العربي المسلم في تبنيه للعقل خلال بحثه وتفكيره؟ أم حصلت قطيعة مع الفكر العقلاني؟ أين وصل انتشار العقلانية في الفكر العربي المعاصر؟ وهل وجدت تيارات مختلفة تمثل العقلانية في الفكر العربي؟ ما مدى تأثر العقلانية العربية بالعقلانية الغربية؟ كيف استطاع المفكرون العقلانيون المسلمون التوافق مع الفكر الديني؟.

 أسئلة كثيرة حاول كتاب "العقلانية في الفكر العربي" الإجابة عنها، وقدم الكتاب وجهات نظر متباينة بين مفكر غربي عاش العقلانية الغربية، ثم درس الفكر العربي وتخصص فيه، ومفكر عربي عاش الفكر العربي ثم درس وتميز بدراسة الفكر الغربي ونقده. الكتاب الذي صدر عن دار الفكر بدمشق ضمن سلسلتها "حوار مع الغرب"، للكاتبين، المفكر السوري غريغوار مرشو والباحث الاسباني البروفسور خوان أنطونيو باتشيكو، يقع في 226 صفحة، ويضم مبحثين، الأول للدكتور غريغوار مرشو، تحت عنوان "عقلانية تنوير وتثمير أم عقلانية تبشير وتبرير"، بين فيها أن معظم المفكرين الحداثيين العرب ينطلقون من أن نشأة العقلانية بدأت مع اصطدام العرب بالغزو الأوربي لبلادهم، وتشكل الفكر السياسي الإصلاحي في مشروع النهضة العربية، وصمودها التاريخي مع بدايات القرن التاسع عشر، وينتقد المؤلف مقولات بعض الحداثيين، ويرى أنهم كانوا مستلبين للغرب، كما ينتقد أولئك الذين يحاولون استعادة النموذج السلفي والتراثي ليكون بديلاً عن الغربي الوافد، وإسقاطه على نحو سلبي تهميشي حينًا وتلفيقي حينًا آخر دون إبداع مثمر، يرد على النموذج الغربي. كما بين أن العلمانية لا يمكنها أن تكون حلاً ناجزاً دون استنطاقها ووضعها موضع المساءلة أو التحجيم، فهي تؤدي إلى قطيعة مع الثقافة المحلية والتراث، وإعلان حرب على الأديان. كما عالج قضية إقحام العقلانية بوصفها مرادفة للديمقراطية، ووضح مخاطر إسقاطها على الإسلام، ودرس أثر الإيديولوجيا الأحادية على تفتيت المجتمع ونشوء حرب إيديولوجيات وخاصة مع ظهور الإيديولوجيا القومية وما تبعها من سجالات.

أما القسم الثاني من الكتاب، يدرس فيه البروفسور خوان أنطونيو باتشيكو، معنى كلمة العقل والعقلانية في اللغة، وكيف تشكلت دلالتها، وكيف نظر فلاسفة المسلمين إلى موضوع العقل، وما الذي توصلوا إليه، وقارن ذلك بالنتاج الفلسفي الغربي، الذي قطع أشواطًا وتقدم في اعتماد العقل لتفسير الظواهر العلمية والإنسانية. ثم عرج على أعمال المفكرين العرب الذين تأثروا بالفكر العربي الحديث منذ عصر النهضة ودرس إنتاجهم الفكري، وحلل مقولاتهم وبين المكانة التي احتلّها من العقل في دراستهم وكيف عولوا على استعادة نهوضهم الحضاري بتبنيهم لمناهج الفكر الغربي ومنطلقاته في الحداثة والتقدم.

عقلانية تنوير وتثمير أم عقلانية تبشير وتبرير !؟ (غريغوار منصور مرشو)

مقدمة

يعتبر الكاتب غريغوار منصور مرشو، في مقدمة المبحث الأول الذي يحمل عنوان "عقلانية تنوير وتثمير أم عقلانية تبشير وتبرير !؟"، أن الباحث في موضوع العقلانية يجد نفسه في مواجهة موضوع إشكالي شديد التعقيد والالتباس، نظرا لما أحيل من حوله من سجالات وصراعات فكرية، ويرى أن معظم المفكرين العرب والمعرفين والمبشرين بالمذاهب الفكرية والعلمية الغربية، باتوا لا يقرون بوجود العقل والعقلانية في الثقافات المحلية إلا بمقدار ما يكون لها أمثلة تحاكيها بالتمام والكمال في التراث العربي. ويعتقد الكاتب بـ"صريح العبارة"، أن "العقلانية ليست مذهبا أو عقيدة نعتنقها ولا آلات نستهلكها، وإنما هي إنجازات علمية وفكرية استنهاضية في مختلف الميادين، تصنع مفاهيمها بفعل تفاعلها مع واقعها وفي سياق تاريخي واجتماعي محدد". يفسر الكاتب، "وإلاّ كيف نفسر تناسل المساءلات المصعوقة بالدهشات والمفاجآت وتناميها بعد هزيمة (5/6/1967)، والتي جاءت لتعبِّر عن نفسها على التوالي، بالأسئلة الآتية: لماذا، بعد كلّ مكاسب النهضة والإصلاح والتنوير ثم الثورة، نُفجع بالإخفاقات والهزائم، ونكتوي بنيران الاستبداد والفساد والإفساد والتفقير المُمنهج؟... لماذا، بعد كل الطوفان الكلامي عن الديمقراطية، تشتد الحاجة اليوم إلى تثبيت الديكتاتورية بذريعة أن المد الأصولي يجتاح الساحة؟ وكيف، بعد كلّ الكم الهائل من الخطابات المستفيضة حول العقلانية والعلمانية، وعن الحداثة وما بعد الحداثة، نجد ماضينا يُطوّق الخناق علينا ويتربص بنا ليثأر منا؟ ولماذا، بعد كلّ النضالات القومية المُخاضة، والطروحات الإصلاحية الإسلامية، نحصد كلّ أسباب التفكيك والتفتيت، لا بل كلّ مخاطر التذرير والتدمير... ولماذا انتهى قسم كبير من النخب اليسارية المحسوبة سابقًا على القوى التقدمية، بعد أفول الاتحاد السوفياتي، إلى الاحتفاء بالليبرالية الجديدة والتهليل بقدوم العولمة بشعارها (النظام الدولي الجديد)، بذريعة أنه نذير بتجريف منابع الديكتاتوريات أو تجفيفها واستتباب الديمقراطيات على صعيد المعمورة؟ وكيف نفسر اندفاع بعضهم للتخلص من الأوضاع المأزومة إلى مد يد العون إلى المستعمِرين الجدد، على غرار معظم رواد النهضة والإصلاح حينما كان المستعمرون القدماء على الأبواب يمارسون ضغوطاتهم وتدخلاتهم السافرة في شؤون البلاد؛ لهيكلة دول وإعلان تأسيسها بعد اتفاقية سايكس بيكو تحت الاحتلال أو الانتداب؟ ثمّ ألم تؤدِّ اليوم هشاشة سيادات بعض الدول إلى إفساح في المجال لسلطاتها كي تعرض الأوطان للمزاد تمهيدًا لعودة الاستعمار من جديد وتوطين قواعده العسكرية؛ لتحمي نفسها من غضب شعوبها أو من دول الجوار، لا من الكيان الإسرائيلي الغاصب، فضلًا عن الانتهاء بالتطبيع العلني أو السّري مع هذا الأخير، بعد الحديث المكرور عن استقلالاتنا وفكّ الارتباط مع الاستعمار؟".

وبعدما طرح الكاتب هذه الأسئلة، حاول  تحديد كيفية تموضع العقلانية في سياق قرنين تقريبا، من التحديث من قبل المفكرين والمثقفين في العالم العربي والإسلامي، وكيفية انعكاساتها في خطابات هؤلاء وسجالاتهم وانتقاداتهم، ثم ما هي المحاجات والمسوغات والتبريرات والمقاربات التي تقدم بها بعضهم لتعليل الإخفاقات والمعوقات التي لاقتها العقلانية لحفظ ماء وجهها، ثم يشير أخيرا الكاتب إلى أنه سيقارب أيضا كيف باتت العودة إلى التراث أو النهضة محور اختبار تمثلاتها وتجلياتها ثم غدرها أو خيانتها بالردة، أو لبيان غيابها أو عدم تحققها بالكيفية المنشودة والمأمولة منها.

مسرحية الحداثة

يرى الكاتب أن معظم الحداثيين ينطلقون من المسلمة التي مفادها أن الشروط لنشأة الأجنة الأولى لتيارات العقلانية والتنوير حصلت في بدايات تشكل الفكر السياسي الإصلاحي في مشروع النهضة العربية وتبلورت إرهاصاتها الأولى في غمرة لحظة تحول تاريخي وقف منه العرب على معالم قوة أوروبا وصعودها التاريخي، وضمن هذا المنظور، اعتقد الحداثيون أن بإمكان نقل العقلانية والتحديث إلى فضائهم الثقافي. ويجزم الكاتب أن هذا الاستتباع لأفكار الآخر دون التفكر فيها وتبيئتها كان له في الغالب ردود فعل بعدة تلاوين عملية ونظرية، لكنها تلتقي على أن النموذج المستجلب أو الوافد هو مصدر قبلي لانعكاس صورة المجتمعات العربية، كما استقام  ما بين النخب العربية الحداثية، نوع من الإجماع حول مبدأ أن بقاء السكان المحليين مرتبط بالاندماج السريع في العلاقات التقنية والثقافية.

من جهة أخرى يعتقد الكاتب أنه وقع إقحام العلمانية بوصفها مرادفة للديمقراطية،  وفرضت نفسها في المجتمع الغربي في فترة حيث الكنيسة الكاثوليكية صارت قوة سياسية واقتصادية تعترض بورجوازية علمانية وزمنية، وهي البورجوازية التي وجدت نفسها مكرهة على مواجهة فئة اجتماعية تحتكر السلطة. ويذهب الكاتب إلى القول أن العلمانية لم تفرض نفسها على الوعي أو الدولة إلا بمقدار ما تأخذ الصراعات الاجتماعية طابعا سياسيا، وتحصل أيضا من خلال بنية أحزاب ودولة متحررة من الأغلال الإديولوجية عاكسة لأشكال من النضال والسياسة.

وتوقف الكاتب خلال المحور الأول عند كيفية إسقاط العلمانية على الإسلام، واعتبر أن الإصلاحيين اجتهدوا في مطابقة الدولة الإسلامية مع نموذج الدولة-الأمة في الغرب، وهو ما تم إبان الفترة التي كان فيها النظام الغربي ينتظر استجابة متوائمة مع السؤال المطروح على الإصلاحيين الإسلاميين. ويرى الكاتب أن محمد عبده دشن الطريق لعلمانية إسلامية، بينما أتى محمد رشيد رضا ليكمل مسار معلمه، ويحاول البرهنة أيضا على أن السلطة الزمنية كانت قائمة حتى في العصر الراشدي على الإجماع. وتنطوي وظيفة الحل والعقد على تحديد الشرع والتشريع بصورة مستقلة عن الشريعة الدينية، والحكم كان سياسيا مثل المجلس التشريعي، وكان له مهمة تعيين الخليفة ومراقبة نشاطاته وخلعه، ويوضح رضى القول، "إن الله أعطانا حرية تامة واستقلالا كاملا في شؤوننا الدنيوية ومصالحنا الاجتماعية".

أثر الإيديولوجية الأحادية في التفتيت

يستهل الكاتب هذا المحور بالقول أنه لتسريع مسار حرب الإيديولوجيات والتشرذم، لجأ قسم من النخب، وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية، إلى وصفات إيديولوجية وافدة من كل حدب وصوب من أجل شرعنة الوضع القائم، بخلق هويات خصوصية تتناسب مع هذه الدول المستحدثة تحت الاحتلال ضمن المنظور المذكور، في إطار ترسيمات قطرية منغلقة بعضها دون بعض، تتقاسم العداء فيما بينها. بينما رد قسم آخر عليها بأطروحات قومية أوسع مدارا، ورافضا لها، إلا أنه بالموازاة لهذه نشأ طرحان، الواحد أممي شيوعي والآخر إحيائي إسلامي داع إلى حكم الخلافة. وما غلب على كل هذه الطروحات هو الاحتفاء بالمسألة السياسية واعتبار الدولة أداة لا هدفا، دون أن تلتفت إلى أنتاج معرفة نظرية بالمسألة السياسية، أي مسألة الدولة والسلطة والمجال السياسي.

من جهة أخرى، تطرق الكاتب إلى الإديولوجية القومية، واعتبر أن الوضع الاستلابي الذي جر تنظيمات وأحزابا وتيارات فكرية متنوعة إلى صراعات جهوية قبلية طائفية أو إثنية على السلطة، قاد جيلا آخر من النخبة المثقفة فيما بعد إلى مواجهة هذا التدهور. ويرى الكاتب أنه إذا كان دعاة النهضة والإصلاح مهجوسين بفكرة اللحاق بإشارات الدولة- الأمة والسياسة الليبرالية ومعانيها ورموزها، التي أفضت إلى تقسيم العالم العربي والإسلامي تحت نير الأجنبي، فإن جيلا من القوميين تصدر المسرح  السياسي ما بين الحرب العالميتين، باسم التغيير الجذري.

ويخلص الكاتب إلى أن مسار تنمية الدولة القوية، التي تريد لنفسها أن تكون صورة مستنسخة عن الدولة- الأمة الغربية، حجرت المجتمع الأهلي في دوامة من الاستلابات، الثقافية والسياسية والاقتصادية والتاريخية. ولا غرو أن رأينا مسار التأهيل الوطني يتوقف دون بلوغ المرحلة الليبرالية للأمة، المجسدة بشيء من الشفافية في مجلس النواب، ولا حتى بلوغ، في مرحلة الدولة المحررة، حيث تبرز تلبية الحاجات.  

من احتلال العقل إلى تحريره وتفعيله

يذكر الكاتب في مستهل هذا الفصل، أن ما يسوق منذ عقود تقريبا، في الساحة الدولية من قبل الليبراليين الجدد ومن بعض ما بعد الحداثيين المحليين، أن الإسلام دينا وثقافة وحضارة، هو على تضاد مع العقل والحداثة والتحديث، لأنه لا ينهل معارفه إلا من الوحي النبوي، فهذه مغالطة تاريخية خطيرة ومسألة مزيفة، روجتها الترسانة المعرفية الاستشراقية واستنبطتها أذهان النخب الأصولية، بشقيها الحداثوي والتقليدوي، التي ما هي إلا الرد المعكوس للصور المنمطة التي أسقطها النظام الغربي عليها. ويعتقد الكاتب أنه على وجه العموم، أنه إذا كان ثمة تيارات مقاومة ومجاهدة تحت راية الإسلام، فهذا يعود إلى تأييد الاستغلال والتسلط عليها، كما يعود إلى تظهير أصحابها في الإعلام الغربي والدائر في فلكه على أساس أنها شعوب منحطة لا تستطيع أن تحكم ذاتها إلا بوعي مجلوب من الخارج، ولا تستطيع أن تحكم ذاتها أو تستغل قدراتها وثرواتها كما تروج القوى الصهيونية وأتباعها في الداخل.

ويرى الكاتب أن التفكير في تقنية الوصول إلى سلطة الدولة، صار هو الهاجس المؤرق عند القومي والماركسي والليبرالي والسلفي. تبعاً لذلك ليس من باب المصادفة أن تراكم حيل معرفية حول أساليب الانقلاب العسكري تحت شعار "الثورة" أو "الجهاد" ضد الأمة المكفَّرة، وأن يُراكم أيضاً جهاز من المفاهيم حول السيطرة والهيمنة والاستبداد والاستكبار وحول موازين القوى..، بصريح العبارة، يقول الكاتب، لقد تحول علم السياسة تدريجياً، إلى علم عسكري حيث يكون التعلَّم فيه هو كيفية اقتناص السلطة، يضيف الكاتب، "إن الفكر السياسي السائد باسم التحديث العقلاني الواقعي، يعاني بمختلف صوره الشمولية والتبعية والارتدادية، فصاماً حقيقياً مع الواقع الاجتماعي التاريخي الحي، فمن الطبيعي أن يكون ثمة علاقة مباشرة بينه وبين نظام السلطة المطلقة، لكون هذا الأخير يُعاني هو أيضاً من فصام مع المجتمع.

وحسب الكاتب دائما، فإن كل المراهنين على النظام الدولي الجديد، وما بثَّه من وعود مسمومة حول نشر الديمقراطية وعولمتها؛ لكسر أغلال الاستعباد والاستبداد المضيّقة الخناق على عقول العباد بما يتناسب مع كرامة المواطن وسلامة العيش المشترك، سرعان ما صدموا حينما انقلبت الأمور رأساً على عقب، وذلك باستبداله بإمبراطورية الشر عدوًا جديدًا أو اختلاقه مشجبًا يُعلَّق عليه كل المخاطر التي تتهدد التنامي الإمبراطوري لهذا النظام، ألا وهو الإسلام بديلا عن الخطر الشيوعي، حيال هذا التحول لم ولن تتردد إمبراطوريات الإعلام، على اختلاف أشكالها، في الكتابة عنه لتسوِّقه على قاعدة الصورة النمطية السابقة وحاجات العولمة التي تسعى لسيادة نموذج واحد واحتقار ما عداه لكون الإسلام يُشكل راهنا، بؤرة الممانعة وعدوا للحداثة والعقلانية، بذلك صار حلفاء الأمس القريب "الجهاديون الإسلاميون"، أعداءًا محتملين أو مفترضين أو فعليين، وخاصة بعد حرب الخليج الثانية، وما ألحقته من تدمير هائل بالعراق دولة وشعبًا وبيئة". كل هذه التداعيات، استدعت من الكاتب طرح الأسئلة من جديد حول العقلانية المأمولة، وحضَّت العديد من الباحثين والمفكرين، ولو أنهم غير منتظمين في رؤية استراتيجية متكاملة، على بيان المقومات المعرفية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي حالت دون إنجازها مشروعًا ثم استراتيجية، إلا أن التفكير في شأنها، بصورة جادة وبعيدًا عن صخب الإيديولوجيات المتصارعة حولها، كان قد بدأ على نحو متوازن نسبيًا في مطالع الثمانينيات وما بعد على قاعدة النقد المزدوج.

ويختم الكاتب بالقول أنه لعل الحاجة من هذا المنظور تمس إلى رؤية جديدة للعالم، وإلى عقد جديد بين الإنسان ونفسه، وبينه وبين الآخر الداخلي والخارجي، وخاصة بينه وبين الطبيعة للخروج من مأزق ثنائية الذات والآخر الاحترابية على أساس اقتتال تصفوي، ديني أو عرقي، طائفي، ثقافوي معكوس؛ لأن العالم اليوم لم يعد يتحمَّل مخاطر التلوث البيئي والإبادة النووية والإرهاب المعمم، ولا الاتجارية المتوحشة التي تغتني بصناعة الحروب والدمار والإفقار، كل هذه المظاهر التي تتهدد الجميع قد تطال مستقبل الإنسان ومصيره على هذا الكوكب.

استنتاجات.

بعدما رصد الكاتب بعض المفاهيم الأساسية التي حكمت الفكر العربي الحديث والمعاصر، الذي يراد له أن يكون عقلانيا تنويريا، تساءل الكاتب قائلا، ألا يطرح علينا البحث عن مكامن تعثراته وانسداداته واستلابه وعجزه عن استنهاض العقل الذي يشتغل عليه؟، يضيف الكاتب، "أقول ذلك لأن الحداثة التي استدخلناها وتوخينا أن تعيش بين ظهرانينا أثارت المزيد من البلبلة في التفسيرات والتأويلات إلى الحد الذي فاقمت من ملابساتها بدلا من أن تمزق الأردية الإديولوجية المحايثة لمختلف مستوياتها ومفاعيلها في الطرف المتلقي لها والمحتك بها تحت راية التثاقف، بدليل أن السجالات المتضاربة حولها لا تنفك تتناسل وتتعدد، حتى باتت القراءات المذهبية الأحادية البعد في شأنها تتزاحم للنظر في كيفية صرفها في العالم  العربي والإسلامي.

ويقول الكاتب عند سرده للاستنتاجات، "لاشك أن الحداثة السياسية المتدخلة قد تكون أفقا ضروريا يحطم أغلال الضيق لثقافة محلية ظلت محبوسة في تكرار فصمها عن عالم قد تغير، فتصبح الحداثة الوافدة آنذاك، وسيلة لإدخال التنوع والنسبية، ولكنها في ظل علاقة غير متكافئة بين ثقافتين مختلفتين تستحيل بالنسبة إلى الثقافة الواقع تحت الضغوط الخارجية والتفتيت والتفكيك، إلى مجرد شعار أجوف، وهنا لا تكون المثاقفة التحديثية عملية تفعيل وتواصل، بل عملية التسويغ السطحية لمصلحة سياسة الثقافة المهيمنة، مادامت هذه الأخيرة تتخذ مصدرا وحيدا للمعنى والقيمة، من هنا نشأ التسريع لاستدعاء كل الحجج الممكنة من قبل الحداثيين العرب".

ويمضي الكاتب في الحديث عن استنتاجاته، ويعتبر أن الهاجس الأساسي كان لهذه النخب الحداثية، هو اللحاق بأسرع السبل بالنظام الغربي، لسد ثغرات التأخر المتراكم حيال  أوروبا التي نُظر إليها على أساس أنها المخبر السحري القادر على علاج المسائل المطروحة عليها، بذلك لم يعد نقل الإشكاليات الغربية إلى الوعي العربي مجرد الترسيمة لمكونات أصول الفكر العربي الحديث المعاصر فحسب، وإنما المحدد شبه الكامل لرؤية النخب للعالم. يضيف الكاتب، وبموجب هذا التوجه سيصبح النموذج الغربي وبشكل دائم مستخدما مرجعا لتقويم كل المستويات وأشكال الوعي أو تبخيسها والذي على أساسه سيتم الطمس أو الكشف عن وقائع الأشياء.  وضمن هذا السياق، يؤكد الكاتب أن الكونية الإنسانية والقومية –الليبرالية أو الاشتراكية- تتحول بسهولة إلى عقائد مصنمة لا تخدم إلا بإسدال ستار مكثف على الصراعات من أجل السلطة أو من أجل مصالح أقل كبرا.

ويختم الكاتب استنتاجاته بالتساؤل التالي، "هل صار من مصلحة معظم السلطات العربية الحاكمة التحديثية والنخب العاملة في ظلها، المستأثرة بمقاليد العباد والبلاد، أن تريد تأبيد مقدور القول الشائع، -كما تكونون يولى عليكم-، ليبرر القول، -كما يولى عليكم-، بالوكالة متوسلين عقلانية التبشير لتجميد حراك الداخل-يجب أن تكونوا-؟".

العقلانية في الفكر العربي المعاصر (خوان أنطونيو باتشيكو)

مقدمة

يرى البروفسور خوان أنطونيو باتشيكو في مقدمته للمبحث الثاني من الكتاب، الذي عنونه عنوان، "العقلانية في الفكر العربي المعاصر" أنه حين الحديث عن الفكر الفلسفي يكون من الواضح القصد بذلك استخدام الفكر الذي يرتكز بشكل أساسي على العقل ويتخذ منه دليله بامتياز. ويرى الكاتب أنه من المناسب قبل الخوض في التفاصيل، تحديد المفاهيم التي تشكل عنوان الفكر العربي المعاصر وحدودها من جهة والعقلانية من جهة أخرى، ويعتبر أن الفكر العربي المعاصر هو ما كتب بالعربية نهاية القرن التاسع عشر الميلادي.. ومع ذلك، فإن الفكر العربي في يومنا هذا يظهر مقاومة لإدخال مفاهيم مثل حديث أو معاصر أو مدرسة الفكر. ومن أجل التوضيح، يبني الكاتب مفهومي الحديث والمعاصر باعتبارهما نموذجي تفكير تلقائيين في الوقت المحدد،  يخصص أولهما لنوعية الفكر المشكل والثاني يخصص لمرحلية تشكيله.

ويرى الكاتب أنه أصبح من الممكن التحدث في القرن الثالث عشر الميلادي، عن وجود فكر فلسفي قائم بحد ذاته في الثقافة الإسلامية عامة والعربية خاصة، وهو ما يبين اتساع فكر عقلاني ومتطور بشكل تام، كما يرتكز هذا الفكر على أنظمة تفكيرية متكاملة تضم جميع مظاهر الوظيفة الفلسفية، بدءا من التعددية وصولا إلى السياسة مرورا بالميتافيزيقيا والمنطق ونظرية المعرفة. ويشير الكاتب إلى أنه لا يجب أن ننسى من ناحية أخرى، أن جميع خيارات الفكر العربي الحديث والمعاصر، وأنواعه وعروضه، تظهر لنا ضمن صراع دائم تجاه الواقع التاريخي للعالم العربي منذ أواسط القرن التاسع عشر، حيث يطفو على هذه المرحلة وجود الاستعمار الغربي أولا، ثم انقسام الأفكار القومية لاحقا، إذا كانت أحداثا أساسية في هذا التاريخ.

ويجزم الكاتب في مقدمته دائما، أن كلا المفكرين الأوروبيين والعرب يستعملون العقل أداة تحليل وتأمل، مع وجود فوارق بين الأهداف والدوافع، وعليه يجد الكاتب أنه إذا كان مناسبا تصنيف الأوروبيين بالعقلانيين البنائين لأنظمة كاملة نوعا ما، فمن المناسب بالنسبة للعرب التحدث عن الإيدولوجيين الذين يستخدمون بالإضافة إلى كونهم مفكرين، العقلانية جنبا إلى جنب مع خلاصة اعتقادات اجتماعية وعلمية وإنسانية أو دينية صلبة، وهو ما يشكل دليل أعمالهم الاجتماعية والفكرية والسياسية. وهو ما يجعل جميع المفكرين العرب تقريبا، بمن فيهم الحديثون والمعاصرون ممثلين بارزين للصحافة والأدب العربي.

ويختم الكاتب مقدمته بالقول أن طريقة العقل الحديثة في الفكر العربي، تولد بالمقارنة بالعقلانية الحديثة الغربية من نبض واسع النطاق، تظهر فيه آمال بالإصلاح في جميع مجالات الحياة والثقافة. ويظهر في كل من سورية ومصر حيث تنتشر بكثرة هذه الفكرة، ذلك الانبعاث والإصرار الإصلاحي ليسا سببا للفصل إنما عملية تكامل بين العقل والإلهام وبين التقليد والحديد، كما يجب الأخذ بعين الاعتبار أن من دفعوا نحو هذا التوجه، توجب عليهم اختيار شريحة متنوعة من التحديات وتبنيها، وهي الإصلاح الذي فرضه الاستعمار والرغبة في الوصول إلى التنوع الذي كان الغرب يعرضه نموذجا للتقدم.

العقل في عصر النهضة وإعادة بدء الفكر العربي

يرى الكاتب أن الشروط اللازمة لظهور موضوع انطباعي وخطاب عقلاني في العالم العربي في القرن التاسع عشر، في كل من سورية ومصر على وجه التحديد، ترجع للظروف التاريخية الضرورية ليصبح بالإمكان التعبير عن هذا الخطاب، ومن ثم وجود أشخاص يقودون الإعلان عنه، وهم المثقفون والمفكرون.

ويذهب الكاتب إلى أن بناء الخطاب العقلاني يسبق عملية ثقافية تربوية، يكون فيها الاحتكاك بأوروبا مفيدا وعائقا في الوقت عينه وبأشكال متعددة. كما يجب الانتباه عند الشروع بهذه العملية إلى تحول القوة الذي تقوم به العائلات المقتدرة، والصعود الاجتماعي لتلك التي تعمل في التجارة، والتي ستختبر زيادة أرباحها في ظل الوضع الجديد، ومن ثم زيادة قوتها الاجتماعية. ويشدد الكاتب على أن ذلك الوعي الذاتي ليس بعيدا عن الانتماء الاجتماعي والثقافي والديني لمكوناته المتنوعة، وهو ما يوجد في سوريا، حيث يعتبر المثقفون المسيحيون الذين يقيمون روابط وثيقة مع أوروبا، أنفسهم نظراء للمثقفين الأوروبيين المنتمين إلى الحقبة الزمنية نفسها، لهذا تعتبر أطروحاتهم في وسط المجتمع العربي التقليدي جريئة ومتطرفة.

من جهة أخرى، يرى المثقفون غير المسيحيين أيا كان تصنيفهم من محافظين أو إصلاحيين أو أصحاب التوجه العلماني الصريح، باعتبارهم ممثلين لتيار ثقافي يمكننا تسميته "الواقعي"، يعارضون السيطرة والتأثير الثقافي للغرب، ويحاولون الاستفادة مما يسمونه فوائده وتطبيعه مع إطار التقاليد الإسلامية المتوارثة.

ويعتقد الكاتب أن مصر بدأت أولى الخطوات الجادة التي خطاها الفكر العربي في القرن التاسع عشر نحو الاستعمال المبتدئ والإرادي للعقل، ففي بلاد النيل، وهي القطب الآخر للنهضة الثقافية والذهنية العربية، نحن بحضرة نهوض للعقل بصبغة مختلفة بعض الشيء عما حدث في سورية، في الفترة الزمنية نفسها.

العقل باعتباره وظيفة اجتماعية

يبدو للكاتب أن المفكرين والمثقفين المسلمين الذين تأثروا مباشرة بفكر الإصلاحيين العرب الأوائل، وعلى التزامهم الصريح بالتقاليد الثقافية والدينية، بدؤوا باتخاذ مسافة أدبية من العروض الأولى المبنية على العقل باعتباره قوة قادرة على أن تبصر الوضع المعقد من الخارج، وبدؤوا من بعيد أيضا باتخاذ كل ما يمكنه أن يهب حياة لذلك الإصلاح.

ويذكر الكاتب أن العقلانية عند قاسم أمين، تحاول المحافظة على توازن حذر بين ما تقدمه الثقافة الغربية وأسس التقاليد الإسلامية التي يتناولها هو ذاته بروح نقدية في نظرته إلى التاريخ، ويتطلع أمين لأن تنطلق مقترحاته بتغيير ظروف المرأة العربية من القدرات الذاتية على التطور لتلك التقاليد، ومن ثم تغيير أسس المجتمع أيضا.

ومن جهة نظر أخرى، يتمثل النقد العقلاني للتقاليد المتخشبة في فرح أنطون، المفكر من أصل لبناني، الذي هاجر إلى مصر سنة 1897، في أنه يجب أن توضع العلوم تحت سيطرة العقل، والدين تحت سيطرة القلب، لأن قواعده تأتي من قلوبنا بالوحي دون أي تحليل عقلاني، كما أن الأشياء المتعلقة بالقلب لها براهينها الخاصة وأسسها في الذاتية الشخصية، فإن العقل له براهينه العقلانية الخاصة التي كان ابن رشد قد عرضها في الماضي.

العقل أمام الأزمات

يرى الكاتب أن حقبة القومية والاستقلال التي أقيمت في العالم العربي، وفي المغرب العربي تحديدا، تعطي انطباعا أن الفكر والخطاب النظري قاما بخطوة نحو الأمام في ابتعادهما عن التقاليد، واعتبرت الأعمال المبنية على الفكر الديني والمفاهيم الأساسية من قبل بعض المثقفين في تلك اللحظة، عناصر من إرث ثقافي مشترك التراث، ويبدو للكاتب أن الفكر العربي على استعداد لتبني جميع المساهمات الأدبية الغربية، وذلك من وجهة نظر سياسية كما هو الحال بالنسبة إلى الفكر المحض.

وظهر تحدي منهجي هام بالنسبة إلى مؤرخ الأفكار في العالم العربي في حقبة الخمسينات والستينات، ذلك لأنه في تلك الحقبة، وأكثر من أي وقت مضى، توجب تحليل مسلسلات ما يسمى بالفكر المتسارع وخطبه وتدرجه وتحدياته، وهو الفكر المدفوع بضرورة الإسراع في وضع الحلول السياسية والاجتماعية والأخلاقية، حيث بذل العديد من المثقفين من جميع التيارات جهودا كبيرة في سبيلها، حيث انعكست على صحافة متعددة الأقطاب. وتبنى العقل في الصراع الثقافي في تلك اللحظة، جميع التيارات التي اعتبرها جائزة مثل الماركسية والوضعية والوجودية والتقليدية والسلفية والحداثة.. مما أدى إلى خروج الجدل من إطار الفكر المجرد ودخوله في النيات التي تقود محو إقرار لوائح جديدة للقيم، والترويج لمجتمع يقوم على أسس جديدة، فكانت المعضلة قد استقرت بين خيارين: إما إعطاء الأفضلية للفرد والحرية الإنسانية، أو على العكس من ذلك، إعطاؤها للمجتمع أو لبنيته الاقتصادية أو لحكومته.

العقل كنقد للهزيمة وكنقد ذاتي

بعد هزيمة 1967، يعتقد الكاتب أنه تم إحياء جميع العناصر التي وقع تحليلها في الفكر العربي، باعتبارها أدوات مكونة لجوهره وقدره، ويبدو حسب المؤلف، أنه آن الأوان لممارسة العقل كنقد ولتحليل الأسس التي كانت تشكل ركيزة الأمل الثوري العربي.

ويورد الكاتب أن أحد المفكرين الذين قدموا أفضل تعبير للظروف الجديدة، هو المفكر السوري صادق جلال العظم، وقام بذلك من خلال كتابه النقد الذاتي بعد الهزيمة، وتكمن خلفية الكتاب في انطباعاته حول الخيارات الثلاثة المذكورة للفكر العربي، وهي التقاليد والحداثة والطرق الوسطى، وكان للنقد الذاتي عند المؤلف السوري فضيلة إحياء انطباعات عديدة في مجالات أخرى من الفكر، من قبل أشد معارضي الخيار الثالث من الطرق المذكورة، من بينهم محمد جلال كشك، الذي اتهم المثقفين العرب التقدميين ببيع فكرهم للغرب، وتجاهلهم الغزو الأوروبي المتمثل في الماركسية الملحدة، من جهة، والقومية الليبرالية العلمانية من جهة أخرى.

ويتطرق الكاتب إلى ما أشار له علال الفاسي، في كتابه النقد الذاتي، من الشروط الضرورية واللازمة لانطلاقة وظيفة المفكر العربي المعاصر، وعندما يتطرق إلى حرية التفكير باعتبارها شرطا ضروريا لتلك الانطلاقة، يرى أنه لا تكفي المطالبة بتلك الحرية من السلطات العامة، إنما يجب وضع نقد ذاتي شخصي مسبقا يلغي معوقات المثقف ذاته،لهذا يرى المفكر المغربي أنه عندما يطالب المفكر العربي بحقه بالتفكير بحرية، فإنه يعبر عن نصر للعقل الذي شغل مكانه في العالم الحديث بفضل حرية الفكر والتضحيات الشخصية التي جعلته ممكنا.

ليخلص الكاتب إلى القول بأن "هذا هو العقل الذي يساعد الإيمان على تحريره لأن الإسلام هو دين الفطرة، هو السلاح المطلق القادر على إطلاق عملية التجديد الضرورية، حيث أنه بالنسبة لعلال الفاسي، العائق الذي قدمه المستعمر تحول إلى محرض للنهضة.

ويختم الكاتب هذا المحور بالحديث عن كتابا المفكر المغربي عبد الله العروي، ويقول أن جوهر أزمة الفكر العربي عند العروي تكمن في أن المفكر العربي عندما يطرح موضوع الطبيعة العالمية لتطلعاته، فإنه لا يقدم عادة جوابا نهائيا على ذلك، وإذا كان المفكر والمثقف العربي من أتباع تيار الحداثة أو من مناصري الأصالة، فهو يناقض نفسه ويجد نفسه في حيرة من أمره، فينتهي به الأمر إلى الصمت، مما يؤدي من ثم إلى بقاء مسألة عالمية دون حل.

العقل في مآزق التقاليد والحداثة والعالمية

تعتبر حقبة السبعينات وبداية الثمانينات، شاهدا على مجموعة من الأحداث السياسية والاجتماعية، والتي تتميز حسب الكاتب، بميزة وضع الفكر العربي في منظور المواقف المذكورة، ويرى الكاتب أنه في ظل غياب التيارات الفكرية الجديدة، يبرز التوافق الفكري في طرح الموقف واستقطابه، في حين تبين الظروف الجديدة، بوضوح كبير، العالم المزدوج الذي يجد المفكر نفسه فيه مجبرا على القيام بمهمة صعبة، ويكون على يقين الآن، أكثر من أي وقت مضى، بحاجته إلى تحليل الهوية والأصالة.

ويتحدث الكاتب عن قلق المثقف المصري نحيب محمود، في إصلاح التقاليد الثقافية أو التراث أو تجديده. ويكون النموذج العقلاني الذي يستخدمه في التحليل هو المشتق من الوضعية المنطقية المتمثلة في الفيلسوف البريطاني ألفيرد جولس، حيث يجد فيه نجيب محمود نمط الاقتراب من الحقيقة، وهو التحليل العميق للغة بوصفها رأيا أساسيا، وبناء على هذا الرأي، تلغى جميع براهين الميتافيزيقيا التقليدية بسبب نقص القاعدة التجريبية فيها.

ويعرف الكاتب العقل على أنه مجموعة من العمليات الفكرية التي نسعى وراء الأسباب والنتائج المبنية على الأحداث التجريبية، ويورد الكاتب رأي نجيب زكي، حيث يقول أن ذلك العقل هو منشأ الإرادة والرغبة والمشروع والفعل العملي الذي لا يسمح بالشك أو التردد، على عكس دائرة الدين أو الفن حيث يوجد الخلاف والبدائل.

خلاصات البحث

يعتبر الكاتب في خاتمة مبحثه، أن الفكر العربي الذي بدأ مشواره في الحركة الإصلاحية، قدم بعض الاقتراحات الثابتة والمتواصلة، وفي هذا الصدد يرى الكاتب أن خيارات محمد عبده يمكنها أن تكون مشابهة للفكر العربي في يومنا هذا، وذلك على طريقتها وضمن سياقها التاريخي، وفي جميع الأحوال لا يكمن الموضوع فقط في الحفاظ على التوازن بين الجديد والقديم، وإنما وقبل كل شيء، في إنقاذ سيادة واستقلال الشخص الذي يظن أنه قادر على خفض جميع الخلافات وحصرها في شكل وحيد، وفي إقامة نظام قيم دائمة والوصول إلى نوع من الحضارة والثقافة المتطابقة معه.

ومقابل اختلال العقل الناتج عن التدخل الغربي، فإن الفكر العربي قاوم البحث عن قاعدة أصيلة تجعل من العقلانية السبب الذي يدفع إلى التغيير، لهذا فإن تاريخ الفكر العربي الحديث والمعاصر، حسب الكاتب، مرتبط بالحفاظ على تلك العقلانية، وبالمحافظة على مواقف مثقفة تعود نشأتها إلى  القرن الثامن، وبالعودة الضرورية دائما نحو تلك القاعدة.

كما أن الفكر العربي المعاصر لا يسجل، لسوء حظه، فيما يمكننا تسميته مرحلة فلسفية محددة، كما أن وظيفة الفكر العربي هي وظيفة وجودية تستخدم العقل لبناء نظريات قبل إخضاعها لنقد حدودها، لهذا يخلص الكاتب إلى أن تاريخ الفكر العربي المعاصر، ليس ناتج جهود بعض العقلانيين الأنقياء، ولو كان كذلك لكنا أمام تاريخ بسيط لحركة التنوير العربية المعاصرة، تنحصر اهتماماتها فقط في العلوم الفلسفية. بالمقابل، يرى الكاتب، أنه إذا فهمنا أن الفكر العقلاني يعني الأعمال التي تتجه نحو تقديم رؤى عن الأفكار الكانتية الثلاث عن الله والفرد والعالم، فهذا يعني أن تاريخ الفكر العربي المعاصر هو المرحلة التاريخية للفكر العربي التي عرضت فيها هذه المواضيع بأكبر أبعادها.

وأخيرا يرى الكاتب أن ثلاث أرباع النشاطات العقلانية للمفكرين العرب، ملتزمة بتحليل أكثر مشاكل الإنسان ومجتمع اليوم إلحاحا، تاركة الطريق مفتوحة لما كان المثقف السوري سامي الكيالي قد أشار إليه في كتابه، "الفكر العربي بين ماضيه وحاضره"، حيث قال أن الفكر العربي اختبر في أربعينيات القرن الماضي ولادة جديدة، وإنه كان يتقدم بقوة وعنف ملتهما كل ما كان يعترضه، لقد كان مقتنعا بامتلاكه الحصانة التي منحته إياها حماسته. 

الكتاب: العقلانية في الفكر العربي المعاصر

المؤلفان: المفكر السوري غريغوار مرشو والباحث الاسباني البروفسور خوان أنطونيو باتشيكو

عدد الصفحات: 226

الناشر: دار الفكر بدمشق

الطبعة: الأولى/ 2012

 

إضافة تعليق

12 + 5 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.