العلاقة بين الكتّاب وأهليهم

 ترجمة: مها محفوض محمد- عن الفيغارو

"لو تعلمون كم كان بولو في صغره لطيفاً ناعماً ،صبياً يسيراً ولكم أردت أن يصبح أستاذاً وأن يتزوج وينجب أطفالاً لكنه التقى بتلك الـ..... وغدا ماغدا،.. على كل حال الأفضل ألا نتحدث عنه".‏

هذا ما قالته الأم عن ابنها جان بول سارتر بعد أن أصبح فيلسوفاً.‏ 

سارتر: أهلي الأعزاء سأصبح يوماً كاتباً

"لو تعلمون كم كان بولو في صغره لطيفاً ناعماً ،صبياً يسيراً ولكم أردت أن يصبح أستاذاً وأن يتزوج وينجب أطفالاً لكنه التقى بتلك الـ..... وغدا ماغدا،.. على كل حال الأفضل ألا نتحدث عنه".‏

هذا ما قالته الأم عن ابنها جان بول سارتر بعد أن أصبح فيلسوفاً.‏

بولو لقبه حين كان طفلاً هكذا كانت تناديه أمه التي سعت جاهدة ليصبح أستاذاً في المستقبل وليس فيلسوفاً لكن عبثاً محاولاتها، وبالنسبة إليها بقي الصبي الصغير العزيز على قلب أمه إلى أن أصبح فيلسوفاً تعذر عليها اعتناق أفكاره ولم تعد ترغب في الاستمرار في رعايته.‏

وغير بعيد عن سارتر وجه آخر من وجوه الأدب في القرن العشرين لقي توبيخاً عنيفاً: إنها سيمون دوبوفوار التي قالت لها أمها يوم أصدرت كتابها «الجنس الآخر»: « آمل ألا تظني أن ما تقولين في كتابك ينسحب على أمك» قالت الأم ذلك وصوتها يختنق بعد أن قرأت كتاب ابنتها.‏

«عندما نختار الكتاب الذي سنكتب ليس بالضرورة أن نفكر بسمعة العائلة».‏

كثيرون هم الكتاب الذين تأملوا هذا المثل الشعبي في مواجهة الانتقادات اللاذعة من أهليهم وإن لم يصل المطاف بالجميع إلى حد نعت أبنائهم بـ «شياطين الحبر» فإن الأغلبية العظمى تأثرت كثيراً مع ظهور تباشير مواهب أولادهم.‏

المختصان في الأدب ايتين كيرن وآن بوكيل ينغمسان في دراسة ردات فعل أهل الكتّاب في كتاب عنوانه «قصة أهل الكتاب».‏

الكتاب ممتع جداً تأتي نكهته من شهادات العيان والبحث الجاد من خلال الأدب والصحف والمذكرات.‏

فيليب سولير الناقد الفرنسي الكبير يقول: «لم يؤنبني والدي يوماً» لكن بالمقابل يدين باسمه ككاتب لأمه التي كانت ترى أنه سيعيد مجد العائلة، حين تلقت في أحد الأيام اتصالاً من دار نشر كيرول يطلب منها السماح بنشر كتاب ابنها الشاب الذي كان عمره وقتذاك 19 عاماً وترددت الأم أمام نشر الكتاب الذي حمل عنوان «التحدي» وهو كتاب يتحدث عن شهوة الجسد المراهق ونجاحه مرهون بالحظ، غير أن والدة الكاتب توصلت لحل وسط مع الناشر بأن ينشر الكتاب تحت اسم مستعار «فيليب سولير» الذي يعني باللاتينية «الحذق» وتعاقبت الأيام لتثبت أنها لم تكن على خطأ باختيارها الاسم المستعار.‏

بلزاك غائب عن باريس‏

سمعة العائلة ومرارة أهالي الكتاب الذين غالباً ما كانوا مستعدين للوقوف إلى جانب أبنائهم كان يحسب حسابها والخوف من الهمز واللمز كما حصل مع بلزاك عندما حاول إقناع والده بأنه لن يكون كاتب عدل مثله بل سيصبح أديباً مشهوراً، فقبل الوالد أن يدفع له أجرة غرفة صغيرة يستطيع العمل فيها في الوقت الذي أعلن للجميع بمن فيهم والدة بلزاك بأنه غير موجود في باريس.‏

السفير أندريه دورميسون والد الكاتب الكبير حالياً جان دورميسون صدم حين اكتشف أن لا نية لدى ابنه الشاب بأن يصبح يوماً موظفاً كبيراً كما هو التقليد العائلي، ويقول الابن الذي أصبح كاتباً وأكاديمياً مشهوراً: لقد مات والدي وهو على قناعة بأني سأصبح ولداً يمارس العنف «أزعر».‏

الشعور ذاته عند ميشيل تورينيه الذي توجب عليه أن يبرر لأمه زيارة فرانسوا ميتران له حين سألته: لماذا جاء رئيس الجمهورية لتناول الغداء عندك؟ فأجاب: لأنني كاتب مشهور. غير أن الأم مازال لديها الانطباع بأن ابنها ذاك التلميذ الكسول الضعيف في المدرسة.‏

وترد حائرة: لا تظن أنني صدقت ما تقول.‏

الأولاد كلهم يكذبون والأهالي غير فخورين بهم كما حدث مع غاستون روبيغرييه الذي كتب إلى زوجته يشكو بأن أحد النقاد وجه انتقاداً لاذعاً لابنه الكاتب في صحيفة لوموند إثر كتابته مقالاً وقع فيه خطأ إملائي فاضح.‏

أناتول فرانس: ابني ولد عاق‏

والدة أندريه جيد كانت كغيرها تخشى نظرات الآخرين كما كانت تخشى على مستقبل ابنها، إذ قالت له في أحد الأيام: من أين لك أن تكسب عيشك مع الكتابة؟ والشعور ذاته كان لدى والد أناتول فرانس صاحب المكتبة المعروف الذي كان يرى في ولده الابن العاق لأنه رفض العمل في مهنة العائلة وحكم عليه بقسوة (أن كل ما يستطيع القيام به هو الخربشة على الورق وأنه مجبر على تحمل تصرفاته)‏

حيث كان الانحطاط الاجتماعي كان هناك من يترصد أولئك الذين يحاولون الكتابة وكان الأب العادل هو من يقدّر الشيء الذي يصلح لابنه وعلى هذا فقد قرر والد مارغريت لها بأنها خلقت لتعمل في التجارة إلا أنه خسر الرهان وأصبحت كاتبة حيث قالت لها أمها يوماً: كان عليك أن تنتظري حتى أموت كي تفعلي ذلك.‏

جميعهم عانوا من الأهل وقليل منهم من كانت لديه الفطنة في التعامل معهم كما فعل فرانسوا مورياك الذي أهدى أولى كتبه «لأمي العزيزة» إنما يجب الاعتراف أن عدداً كبيراً من الكتاب لم يكن لهم أن يمارسوا المهنة لولا دعم أهلهم.‏

والد رامبو: موّل «فصل في جهنم»‏

وكان بودلير ورونارد على رأس قائمة الذين يطالبون بالتمويل من أهلهم نهاية كل شهر، وكان والد رامبو يقول: إن عبء ولدي يعادل عبء 73 إدارة ثقيلة.‏

لكنه قبل أخيراً أن يمول نشر ديوانه «فصل في جهنم».‏

بالمقابل كانت هناك استثناءات كما حصل مع والدة كوليت التي كانت تؤيد ابنتها في جميع الظروف، فحين صعدت في أحد الأيام على المسرح نصف عارية لم يكن خوف الأم على ابنتها من العري بل كان خشية البرد على الجسد

إضافة تعليق

8 + 12 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.