العلمانية تحت المجهر (د.عبد الوهاب المسيري، د. عزيز العظمة)

 هذا الكتاب ليس سوى استمرار للجدل حول العلمانية, غير أنه يلجه بأسلوب فريد من نوعه وفي غاية الإمتاع, عن طريق إدارة النقاش بين اثنين من المفكرين العرب واحد مدافع عن العلمانية والآخر ناقد لها 

الجزيرة نت-خدمة كمبردج بوك ريفيو

 هذا الكتاب ليس سوى استمرار للجدل حول العلمانية, غير أنه يلجه بأسلوب فريد من نوعه وفي غاية الإمتاع, عن طريق إدارة النقاش بين اثنين من المفكرين العرب واحد مدافع عن العلمانية والآخر ناقد لها. فهنا يقدم كل من المفكرين نصا حول الموضوع ينقده الآخر لننتهي بكتاب هو أشبه بمناظرة هي في الواقع واحدة ضمن سلسلة مناظرات شائقة حول القضايا الملحة في الفكر العربي تشرف عليها دار الفكر بدمشق تحت عنوان "حوارات لقرن جديد".

في هذا الإطار فإن ما يراه عزيز العظمة في مداخلته في هذا الكتاب حول العلمانية ونقاشاتها في العالم العربي يغدو صحيحا, فهذه النقاشات لم تتعد السجال الإيديولوجي ولم تمنح فرصة النظر المتروي الهادئ غير المشحون بالرؤى المسبقة. لكن ما لا يتم الموافقة مع العظمة عليه هو محاولته أنسنة المشروع العلماني ونسبته إلى البشرية بعامة وكسر حصرية التأثر بالمنشأ الغربي للمفهوم والنموذج، إذ لا يمكن القول بأن المكونات التأسيسية للنموذج العلماني قد جاءت من حضارات وسياقات ومفاهيم اجتماعية متنوعة المصدر وأن الغرب واحد من هذه المصادر رغم أنه المصدر الأهم بكل تأكيد. كما لا يمكن تصور انتشار النموذج العلماني في عالم اليوم كما هو عليه لو لم يكن الغرب بالقوة التي نراها. ومن هنا جاء إصرار عبد الوهاب المسيري على اشتراطه ضرورة الوصول إلى تعريف عميق وتاريخي من أجل الخوض في النقاش حول العلمانية.

لا يفصل المسيري هذه الحركات والتحولات الكبرى بعضها عن بعض سواء في طريقة تطورها أو في علاقاتها التداخلية أو في اعتماداتها المتبادلة على التقدم الذي ينجزه أي منها وتستفيد منه الأطراف الباقية. لكن عدم فك الارتباط -على ما فيه من وجاهة فكرية وشمولية في النظرة- ينزلق إلى التعميم في بعض النواحي. بعد قراءة نص المسيري إلى نتيجة مضللة وهي أن العلمانية, والحداثة, والاستعمار, والعلمانية, والعولمة, وما بعد الحداثة, ليست سوى مسميات لشيء واحد هو نمط التطور والسيطرة الغربية في العالم سياسيا وفكريا وعلميا.   يرى العظمة أن الخطاب العربي المعاصر حول العلمانية "قد تناولها تناولا سطحيا على وجه العموم على صورة إيديولوجية مبتسرة يغلب فيها السجال على النظر المتروي وعلى الاعتبار التاريخي, إذ إنه اعتبرها على شاكلة لائحة من المثالب والمكاسب والمحاسن تبعا لاستساغتها أو عدم استساغتها.."

وعن العلمانية نفسها فإن العظمة يراها عملية بالغة التعقيد وغير متعذر تعريفها لفظا، وهي تعكس صيرورة تاريخية أكثر منها رؤية للعالم كما يعرفها المسيري. وإذ يتفق العظمة مع المسيري على أن منشأ العلمانية ومهدها كان في أوروبا فإنه يراها متجاوزة لمنشئها الأوروبي ومؤدية إلى تحولات "بالغة السعة والعمق في جل أرجاء المعمورة", وبأنها -كما الحداثة- صارت شأنا من شؤون حياتنا التي لا مفر منها في سياق ترتيب علاقة الدين بالمجال العام. ومن هنا فإن العظمة ينكر على الخطاب العربي ربطه الوثيق للعلمانية بالاستعمار، ويرى أن تلك المرحلة انتهت وأن العلمانية هي نتاج تحولات عالمية قربت العالم بعضه من بعض من ناحية التاريخ والمسارات العامة في الاجتماع والتقدم.

يتبادل المسيري والعظمة الاتهامات نفسها, فالمسيري يتهم خطاب العظمة بالاختزال وتبني "الثنائيات الصلبة" مثل تضاد "الصيرورة التاريخية" و"الشعارات السياسية" و"حركة المجتمع والفكر" ضد "الخيار الإيديولوجي" و"العقلانية" ضد "الإيمان الديني" (ص 248). وينتقده أيضا بسبب ما يراه عدم ولوج إلى الأبعاد المركبة لظاهرة العلمانية والانحياز إلى تحليل أحادي, إلى جانب الوقوع في أسر "إيديولوجيا" العلمانية, رغم أن العظمة نفسه ينتقد المضمون الإيديولوجي في خطاب المسيري.

يبقى القول إن الكتاب يقدم قراءة ومناظرة هامة لأحد الموضوعات الحساسة في ساحة الفكر العربي, هذا وإن غلب على بعض أجزائه السجال الإيديولوجي على حساب التحليل الهادئ خاصة في النقد المتبادل بين المفكرين. والواقع أن نقد العظمة وكذا مداخلته قد ارتفعت فيها نبرة السجال والتسفيه وأحيانا التعميم الذي انتقده هو نفسه في الخطاب العربي حول العلمانية.

كتاب:  ( العلمانية تحت المجهر)

 المؤلفين : د.عبد الوهاب المسيري ـ د. عزيز العظمة

الناشر : دار الفكر بدمشق  ( حوارات لقرن جديد )

 

 

إضافة تعليق

3 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.