العمل الشريف عبادة

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: “ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يديه، وأن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده” . في هذا الحديث النبوي الشريف يؤكد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الإسلام دين عمل وإنتاج، ويرسخ كل المعاني التي تنقلها لنا الآية القرآنية الكريمة: “هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور” .ورسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث يرفع من قيمة العمل، ويبين منزلته السامية في الإسلام .

وقد خص الرسول صلى الله عليه وسلم نبي الله داود بالذكر في الحديث دون سائر الأنبياء، عليهم جميعاً الصلاة والسلام لأنه كان غنياً عن التكسب، وليس في حاجة إلى العمل، لتوافر المال لديه، ومع هذا فلم يرضَ أن يأكل إلا من عمل يده، فيكون غيره إذا أولى بذلك .

والخيرية المقصودة في قوله صلى الله عليه وسلم “خيراً من أن يأكل من عمل يده” تكون في الدنيا، وفي الآخرة، أما في الدنيا فإن النفع يعود على العامل، وعلى غيره ممن يصل إليه نفعه، كما أن الإنسان بالعمل يحفظ ماء وجهه، ويصون كرامته الإنسانية من المذلة لإنسان آخر، وأما في الآخرة: فبما يحصله من ثواب عظيم، حيث استجاب لله ورسوله فسعى في الحياة، وحظي بشرف العمل ومثوبته .

 المفكر الإسلامي د . محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف المصري السابق يوضح لنا دلالات هذا الحديث الشريف فيقول: هذا التوجيه النبوي الكريم يؤكد أنه لا قيمة في ميزان الإسلام للكسالى والعاطلين وهؤلاء الذين ارتضوا أن يعيشوا عالة على غيرهم .

 ويضيف: إذا كانت مهمة الإنسان في هذه الحياة هي إعمار الأرض فإن ذلك لن يتحقق إلا بالعمل من أجل بلوغ الهدف، فالحياة بلا عمل موات . والإنسان أعطاه الله من القوى والطاقات ما يجعله قادراً على قيادة سفينة الحياة بالعمل الجاد المنتج الذي يعود على الفرد والمجتمع بالخير العميم .

 ومن هنا كان اهتمام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمل اهتماما بالغاً لأنه مصدر كرامة الإنسان وهذا ما يرشدنا إليه الرسول في حديثه “ما أكل أحد طعام قط خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده” . وقد أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على اليد العاملة في حديث آخر وقال: “هذه يد يحبها الله ورسوله” .

 نشر ثقافة الإنتاج

 وهنا يؤكد د . زقزوق ضرورة نشر ثقافة العمل والإنتاج التي ربانا عليها رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه بين الناس، ويقول: لقد تراجعت قيمة العمل في نفوس الكثيرين وأصبح من المناظر المألوفة في عالمنا الإسلامي أن يرى المرء الجموع الغفيرة من الناس القادرين على العمل تكتظ بهم المقاهي وأماكن اللهو والعبث، وهؤلاء يضيعون أوقاتهم في ما لا طائل من ورائه .

 ومن ناحية أخرى، فإن القعود عن العمل بحجة التفرغ للعبادة أمر لا يقره الإسلام . والقرآن الكريم يقول: “ فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً “ فالعمل للآخرة مطلوب، والتعبد لله مطلوب . ولكن العمل للدنيا مطلوب أيضاً لأنه الذي يوصل إلى ثواب الآخرة، ويندرج أيضاً تحت مفهوم العبادة . ومن هنا ينبغي أن يعيد المسلمون النظر في سلوكياتهم ونظرتهم للعمل، فالعمل قيمة دافعة للتقدم . ولن يخرج المسلمون من المأزق الحضاري الخطير الذي وصلوا إليه إلا بأمرين أساسيين: هما العلم والعمل .

 وكل عمل يسهم في دفع عجلة الحياة وجلب الخير للمجتمع هو عمل شريف وصاحبه إنسان شريف يستحق كل التقدير، ولذلك نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً عاطلاً قدم إليه يطلب صدقة أن يحتطب أي يجمع عيدان الحطب ويبيعها ليأكل منها، والرسول كان نفسه يرعى الغنم وكان كل أنبياء الله يعملون في مهن بسيطة ومتواضعة وكانوا سعداء بها .

 ولذلك لا يجوز لنا كما يقول د . زقزوق أن نستهين بأي مهنة أو حرفة مهما بدت لنا ضئيلة القيمة فإنها في النهاية لها أهميتها في حركة الحياة ككل ولا تستقيم الحياة من دونها، والتوجيه النبوي يقول: “اعملوا فكل ميسر لما خلق له” .

 أفضل الأعمال

 وعن أنواع العمل المطلوبة شرعا والتي أوصانا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الدكتور أحمد عمر هاشم أستاذ السنة النبوية بجامعة الأزهر: يشمل العمل أنواعا كثيرة حث عليها الرسول منها العمل الزراعي حيث جاء في الحديث الصحيح “ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له به صدقة” .

 وهذا الحديث الشريف يبرز لنا أهمية الغرس والزراعة ويوضح ما للزارع والغارس من مثوبة عند الله تعالى إذا أكل من غرسه أو زرعه طير أو إنسان أو بهيمة . بل إن منزلة هذا النوع من العمل تتضح لنا بصورة رائعة وعظيمة حين نعلم أن مثوبة الزرع أو الغرس ممتدة إلى ما بعد الموت . وصدقة جارية إلى يوم القيامة ففي رواية: “فلا يغرس المسلم غرساً فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا طير إلا كان له أي ما أكل منه صدقة إلى يوم القيامة” .

 ولقد أخذ صاحب هذا العمل تلك المنزلة من الأجر والمثوبة، لأنه بهذا شارك في عمارة الحياة، فلم يعش لنفسه فقط، وإنما عمل لمصلحة مجتمعه، وقدم ما يستطيع ليستفيد الآخرون من عمله، وسواء حصل من زرعه على شيء أو لم يحصل، وسواء عاش ليأكل منه أم لا .

 إن هذا الحديث يعطينا نموذجاً من نماذج أعمال البر المستمرة الثواب، لما لها من أهمية في عمارة الأرض وإثراء الحياة، والتعاون من أجل المصلحة العامة، والحديث إن كان نصاً في الغرس والرع فهناك أحاديث أخرى تستهدف بمجموعها استمرار أعمال الخير في الحياة، واستمرار ثواب أصحابها إلى ما بعد الموت كصدقة جارية أو عمل ينتفع به أو ولد صالح يدعو لأبيه أو تعليم القرآن أو بناء بيت للفقراء وأبناء السبيل والضيوف .

 وقد استدل بعض العلماء بهذا الحديث على أن الزراعة أفضل أعمال الكسب والمعاش، وقيل: الصناعة أفضل، وقيل التجارة . والواقع أن الأمر يختلف باختلاف حاجات الناس وأحوالهم في الزمان وفي المكان، فإذا كانت حاجة الناس إلى القوت أكثر كانت الزراعة أفضل، لتحصل التوسعة على الناس، وإذا كانت حاجة الناس إلى السلع التجارية والمواد التموينية أكثر لانقطاع الطرق مثلاً أو لندرة ما يتمون به المجتمع كانت التجارة أفضل وكذلك الصناعة وغيرها من وسائل العمل .

 وأوضح لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا يكفي أن يؤدي الإنسان عملاً، بل لابد من إتقان هذا العمل، قال صلى الله عليه وسلم: “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه” أي يحسنه ويخلص لله فيه، والعمل المتقن هو القائم كذلك على أساس علمي، وتخطيط مدروس، يبذل فيه الإنسان غاية ما في وسعه نهوضاً بالأمة وتقدماً بالمجتمع .

 ويقول الدكتور زقزوق: ليس من المقبول ولا من المعقول أن يستخف الإنسان بقيمة العمل وأهميتها البالغة للحياة والأحياء . . فلا خير في إنسان لا يعمل، وقد ورد أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى في المسجد رجلاً يتحامل على الناس فسأل عنه فقالوا له: هذا عابدنا . . فسأل عمن يرعاه ويؤكله؟ قالوا: كلنا يا رسول الله، فقال: “كلكم خير منه” . . وهذا يعني أن ترك العمل بحجة العبادة يعد لوناً من ألوان التنطع في الدين، فالعمل نفسه عبادة، لأنه امتثال لأمر الله تعالى للإنسان بإعمار الأرض وصنع الحضارة .


إضافة تعليق

8 + 6 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.