العنف من حيث هو ظاهرة سياسية

‏ تتركز محاولتنا في هذه الدراسة على إبراز الناحية السياسية للعنف, باعتبار العنف في هذا المستوى يكون بفعل ‏شروط تسمح بوجوده، وله عواقبه على المجتمعات الخاصة، وعلى صعيد المجتمع الدولي. مع محاولة إبراز ‏المبادئ التي إذا قامت عليها السياسة تمكنت من الحد من انتشار العنف ومن آثاره الوخيمة على المجتمع الإنساني ‏بصفة عامة.‏

السياسة اليوم، وبصورة أوضح من أي وقت مضى، أحد مكونات الحياة المجتمعية. فاختلافات الناس، بل ‏ونزاعاتهم وصراعاتهم، التي تدور حول السلطة وثروة المجتمع والرغبة في توجيه مساره نحو اتجاه محدد ‏يتوافق مع تصورات الجماعات المتباينة ضمنه، مظاهر لها جميعها التأثير الذي لا يمكن غض الطرف عنه في ‏دينامية المجتمع. والسياسة من حيث هي مكون من مكونات المجتمع تساهم بدورها في ظواهره الإيجابية ‏والسلبية. ولطبيعة السياسة السائدة أثر في ظهور الإرهاب أو في غيابه. والعنف ظاهرة سياسية بأسبابها، أو ‏بغاياتها، أو بدلالة الأفعال التي تتضمنها. ‏

أ- هناك، أولاً، سياسات تكون في مجتمعاتها من الشروط التي تجعل العنف ظاهرة ممكنة وقابلة للتطور. ونعيّن ‏هذه السياسات بأنها تلك التي تترك بعض الفراغات في بنية الجسم المجتمعي لتكون المنافذ التي تنفذ منها أشكال ‏العنف إليه. وينجم عن ذلك أن يصبح العنف بأشكاله المختلفة سياسة مضادة: إنه ينبثق عن الشعور بالظلم، أو ‏الغبن الاقتصادي والسياسي، أو الحرمان من الحقوق الاقتصادية والمجتمعية والسياسية، أو الحرمان من التعبير ‏عن الهوية التاريخية والثقافية. وفي حالة اتخاذ العنف شكل أعمال إرهابية، فإنه يمكننا في هذه الحالة أن ندعوها ‏بالإرهاب السياسي. ولا يكون المجتمع قد اتخذ طريق القضاء على أشكال العنف هذه إلا حين يسير في طريق ‏القضاء على أسبابها. وعند البحث في وقائع الدار البيضاء الإرهابية نجد أن فيها ما يشير إلى الطابع الذي ألمحنا ‏إليه. ‏

ب- يكون العنف ظاهرة سياسية بغاياته. ويظهر هذا الأمر حين تقصد أعمال العنف التي نسمها بالإرهابية ‏مؤسسات المجتمع السياسي، أو شخصيات رمزية في هذه المؤسسات، أو يكون القصد منها هو إثارة الفتنة بين ‏بعض الفئات المجتمعية، أو نشر الجزع والرعب في بعضها. وقد وقعت أحداث من هذا النوع في جميع أنحاء ‏العالم أحداث في جهات مختلفة من العالم. ‏

ج- تظهر الملامح السياسية للعنف بصورة أوضح حين يتجه إلى السلطة القائمة بقصد معلن لتغييرها أو عند ‏الاكتفاء بخلق حالة رعب في علاقة تلك السلطة بالمجتمع. فالغاية هنا هي التي تحدد الطبيعة السياسية لأعمال ‏العنف التي قد تكون موضوعاً لتحليلنا. ومجابهة السلطة السياسية القائمة لأعمال العنف الموجهة ضدها هي التي ‏تزيد من تأكيد الصفة السياسية للعنف ولرد الفعل ضده. وقد عرفت المجتمعات المختلفة في جهات متباينة من ‏العالم أنواعاً من الصراع العنيف مثل هذه التي أشرنا إليها. ‏

د- قد تكون السلطة القائمة في مجتمع ما هي المصدر الأول للعنف، وذلك في الحالات التي تواجه فيها تلك ‏السلطة كل معارضة لحكمها بأشكال متعددة من العنف. فالعنف هنا يكون من أجل ضمان استمرار السلطة القائمة ‏وفرض سيادتها على المجتمع والقيام بوظيفتها في المجتمع، اعتماداً على تصور معين لشروط وجودها ولعلاقتها ‏بالمجتمع الذي تقوم فيه. ومن الواضح أن أشكال العنف التي تمارسها الدولة في هذه الحالة تكون نوعاً من ‏الإرهاب للمجتمع لردع أفراده وجماعاته عن القيام بكل فعل يمكن أن يكون معارضاً لسياسة الدولة أو يضع ‏سيادة السلطة القائمة موضع سؤال. وهذا ما يكون منطلقاً لأشكال من العنف المضاد الذي تمارسه أطراف أخرى ‏من المجتمع. ‏

هـ- من الصعب إصدار حكم قاطع على العنف ذي الطبيعة السياسية، وهذا لأن النظر إليه يختلف بحسب موقع ‏الفرد أو الجماعة التي ستصدر حكماً تقييمياً عليه. فالعنف، حتى ذلك الذي ندعوه منه بالإرهاب، قد يبدو إيجابياً ‏في نظر من يقومون به وفي نظر غيرهم كذلك من حيث هو رد فعل يهدف إلى إزاحة نوع من الظلم أو الهيمنة، ‏أو يريد، على الأقل، إرهاب الجهة التي تمارس ذلك الظلم وهذه الهيمنة. فهناك، من زاوية نظر معينة، حكم ‏إيجابي على العنف باعتباره محرراً للمجتمع مما يكون قد تم فرضه بالقوة عليه. فالمجتمعات المتباينة تحتفل بما ‏حققته بعض التغييرات أو الثورات فيها دون النظر إلى العنف الذي تحققت به نظرة سلبية. لكن هناك، من زاوية ‏نظر أخرى، حكما سلبياً على العنف ووصفاً له بكونه عملاً غير مشروع، وتلك هي زاوية نظر الجهة التي يقع ‏عليها العنف. وهكذا نرى أنه ليس من السهل الحكم على العنف ذي الطبيعة السياسية، وليس من السهل وصف ‏ذلك العنف بالإرهاب؛ لأن الذين يقومون به يبررونه بوضع إنساني قائم يجب تغييره، ويرجعون الحكم عليه إلى ‏الغايات الإنسانية التي تتحقق من ورائه. ‏

و- هناك على العموم جدل بين السياسة والعنف المختلفة. فالعنف السياسي هو الذي يكون، من جهة أولى، نتاجاً ‏لسياسة معينة هي التي تتأسس فيها السيادة على العنف ذاته. فالسيادة التي تتأسس على العنف لا يمكنها أن تستمر ‏إلا بممارسة العنف. ولكن هذا العنف لا يبقى بدون رد فعل يكون بدوره عنفاً آخر، وهذا مسار لا ينتهي. وهكذا ‏نرى أنه يمكن التعبير عن جدل العنف بالسياسة بالقول: يكون العنف منطلقاً لسياسة تتأسس عليه، وتكون السياسة ‏في هذه الحالة امتداداً يوجد في أصلها. لكن السياسة، من جهة أخرى، قد تكون أساساً لعنف آخر يكون رد فعل ‏ضدها وامتداداً لها في نفس الوقت. وينتج عن هذا القول أن القضاء على العنف مسألة سياسية أيضاً، إذ أن هذا ‏الأمر يتحقق عبر تحولات مجالها الأساسي هو السياسة ذاتها. ‏

يسعفنا إبراز الجانب السياسي لظاهرة العنف في التخلص من النظر إليها نظرة ترجعها إلى جانب واحد منها، أو ‏تحاول تفسيرها بعامل واحد مؤثر في حدوثها وتطورها. النظر إلى ظاهرة العنف بصفة عامة، من حيث هي ‏ظاهرة سياسية، نظر مفيد في إصدار أحكام نتجنب فيها الصفة المطلقة، ونتمكن بفضلها من إضفاء النسبية على ‏الفرضيات التي نقدمها لتفسير الظاهرة. فهناك عوامل مختلفة تساهم في تشكيل الظاهرة ، حيث يقود اعتبار كل ‏واحد منها إلى الوقوف على جانب من هذه الظاهرة المعقدة بتركيبها. وهناك أوجه متعددة لظهور الظاهرة ‏الإرهابية وتطورها، بحيث يظهر كل مستوى من مستوياتها بمثابة المجال الذي تتفاعل فيه العوامل الأخرى. ‏

وإذا كان وقوفنا على الجانب السياسي من ظاهرة العنف يجعلنا نفهم علاقتها بالسياسة، فإن هذه العلاقة يمكن أن ‏تكون قائمة على مستويين: علاقة بالسياسة الخاصة بكل مجتمع، ثم علاقة بالسياسة على صعيد الوضع العالمي ‏ككل. لذلك، فإننا نواصل التحليل السياسي للظاهرة الإرهابية بالنظر في هذين المستويين. ‏

نرى على صعيد تنظيم المجتمعات الإنسانية أن العنف ينبثق عن الفراغات التي يتركها كل مجتمع, فالعنف يجد ‏مصدراً للظهور في أي مجتمع لايقوم في تنظيمه على توازن مجتمعي يمنح كل الفئات المكونة للمجتمع من نيل ‏حقوقها العائدة إليها بفعل انتمائها لمجتمع معين, ونذكر من هذه الحقوق: منح كل فئات فرصة المساهمة في الحياة ‏المجتمعية والسياسية للبلد الذي تنتمي إليه، وتأسيس المجتمع في هذا المستوى على أساس سياسة العدل والمساواة ‏أمام القانون، ومنح كل الفئات في المجتمع حقوقها في الاستفادة من إمكانيات البلد الذي تنتمي إليه دون اللجوء إلى ‏معيار الأغلبية أو الأقلية، وهذا على الصعيد المادي، وعلى صعيد الوظائف، على صعيد الاستفادة من الثروات ‏المشتركة. وإذا كنا نسمي منح هذه الحقوق لكل الفئات توازنا مجتمعياً، وإذا كنا نرى قي السياسات الضامنة لهذا ‏التوازن واستمراره، حفاظاً على أمن المجتمع وعاملاً يدفع إلى إبعاده قدر الإمكان عن العنف المتبادل المدمر، ‏فإننا نرى أن السياسات المجتمعية التي تمضي في غير هذا الطريق تساعد على وجود اختلالات ينفذ منها العنف ‏إلى الحياة اليومية للمجتمع. نضيف إلى ما سلف ذكره ضرورة العمل على تمتيع الفئات المجتمعية كلها، وحتى ‏على صعيد أفرادها بحقهم في الحريات التي تضمن لهم حق الاختيار على الأصعدة الفكرية والمجتمعية والدينية ‏والسياسية، إذ يكون للحريات دور في التوازن النفسي والمجتمعي، وفي دفع كل أنواع الاختناقات النفسية ‏والمجتمعية والسياسية التي تدفع الناس أفراداً وجماعات نحو ردود الأفعال العنيفة. ‏

لا تسمح السياسات التي تسير في الاتجاه المعاكس للمطالب التي ذكرناها ضمان استمرار أمن المجتمع وابتعاده ‏عن جميع أشكال العنف المتبادل الذي يقضي على أسس الحياة المجتمعية من حيث هي اشتراك في العيش، وفي ‏التعايش بين أطراف مختلفة في المجتمع الواحد. ويظل أفضل اختيار مجتمعي وسياسي هو إقامة المجتمع على ‏أساس المساواة والعدل والحق والحرية والقانون. والصيغة الشاملة لهذا النظام المجتمعي هي التنظيم الديمقراطي. ‏فالديمقراطية اليوم هي أفضل الاختيارات السياسية والمجتمعية المطلوبة لإضفاء الطابع الإنساني على حياة الناس ‏في المجتمع، وهذا بغض النظر عن اختلاف الاختيارات العقائدية والإيديولوجية. فالديمقراطية هي الاختيار ‏الأفضل لإمكانية التعايش بين العقائد والإيديولوجيات المتباينة في نفس المجتمع. ‏

لكن، ونحن نتحدث عن التوازن المجتمعي لفهم ومكافحة العنف السياسي في نفس الوقت، لابد من أن نأخذ بعين ‏الاعتبار أن العنف ذا الطبيعة السياسية من حيث العوامل المؤثرة فيه والعواقب الناجمة عنه لم يعد يخص مجتمعاً ‏بعينه، إذ يجري الحديث اليوم عن العنف على الصعيد الدولي، أي عن أعمال عنف منظم تتجاوز آثاره وغاياته ‏البلد الذي ينتمي إليه القائمون به. غايات الإرهاب الذي يوسم في عالم اليوم بأنه دولي تمتد إلى بلدان أخرى بعيدة ‏جغرافيا، ولكنها تمثل بالنسبة لمن يقومون بأعمال العنف ضدها عدواً تجب محاربته بكل الوسائل الممكنة. ‏وينبغي أن نأخذ بعين الاعتبار أن الذين يقومون بأعمال العنف المقصودة من حديثنا ينظرون إليها بوصفها رد ‏فعل ضد عدو ألحق بهم الضرر. ‏

المجتمع الدولي بدوره في حاجة، مثل المجتمعات الخاصة، إلى توازن بين مكوناته. ولابد أن يقوم هذا المجتمع ‏على أساس العدل والمساواة بين الشعوب، وكذلك على حرية هذه الشعوب في التصرف في بنيتها وثرواتها ‏وسياساتها. لكن سياسة الهيمنة السائدة اليوم لدى البلدان الأقوى تمنع مثل هذا الاختيار، وتتأسس فيها شروط ‏تؤدي للشعور بالحيف من فئات المجتمعات الأضعف، وهو شعور نفسي ومجتمعي ينجم عنه استعداد للانخراط ‏في العنف على الصعيد العالمي. يصدر العنف هنا عن شعور بظلم تاريخي، ويكون بذلك بمثابة المطلب ببداية ‏تاريخ جديد يجعل المجتمع الدولي قائماً على أسس جديدة

إضافة تعليق

3 + 5 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.