العودة إلى أصل الأشياء

إشكاليَّة التفكير في المجتمعات العربيَّة والإسلاميَّة أنها تبحث في معاني الأشياء من حيث انتهى لها المعاصرون من المثقفين والمفكرين, فتنشأ الاختلافات الفكريَّة والصراعات الأيدلوجيَّة طبقًا لما وَرَدَ بين هؤلاء وأولئك، وكأنَّ ما وصلوا إليه هو الأساس أو البنيَّة التحتية التي يجب أن نتحاور فيها, أو نتباحث في معالجتها.

وأصبح الجدل في الشأن السياسي أو الاجتماعي في طبقة قشريَّة من تلك الأمور، مثل:

  • الليبرالية ومعناها
  • الإمبريالية وأثرها
  • كيف يرى الإسلاميون الديمقراطيَّة وعلاقتها بالشورى
  • كيف يمكن بناء حوار حضاري حول الحرية والكرامة

وغيرها من إشكالات, نحن من أوجدها قبل أن تستنزف كل قوانا لمعالجتها.

إنَّ العودة إلى أصل الأشياء يُيسِّرَ على النُّخبة المثقفة الكثير من العنت الذي يواجههم في التنظير للحلول أو نظرتهم للمستقبل.

فالمكوِّن الحقيقي للحضارة هو الإنسان, وهو الذي يصنعها أو يهدمها, مع عوامل أخرى ثابتة ومتغيرة، وعقله ونمط تفكيره هما من يتحكما في سلوكه, بالإضافة للعوامل المكوِّنَة لمعادلة الحضارة من زمانٍ وإمكانات مادية وخلافه.

دور النخبة المثقفة والمؤسسات التي تعمل في عالم الأفكار أن تخلق هذا المناخ الصحي الذي يوفر للإنسان آفاقًا فكريَّة تُحيي فيه كونه وعاءً غير جامد للأفكار, وإنَّما وعاءٌ حيّ يتفاعل مع كل ما هو مطروح على الساحة، ومن مكونات هذا المناخ الصحي محاولة الابتعاد عن المعاني التي خضعت سنوات وسنوات إلى تفسيرات وشروحات كانت متأثِّرَة بشكلٍ أو بآخر بأيدلوجيَّات مختلفة وبعوامل داخليَّة وخارجيَّة أَسِّسَت بشكلٍ غير مباشر أرضيَّة غير صالحة لإنضاج أفكار سليمة.

أسئلة مُلحَّة:

لماذا نُصرّ على استخدام كلمة “الليبراليَّة”, فنظل نناقش ماهيَّتها, وتصنيف الناس على أساس فهمنا لها، وكأنَّه من الأساس أن يكون الإنسان له تعريف يُسمى بالليبراليَّة أو الاشتراكيَّة أو اليساريَّة أو غيرها ، أتخيل تعريف (س) نخترعه نحن لما نريد وصفه بأنه احترام للحريات العامة بما توافقت عليه المجموعة الإنسانية وليكن بدايته عصرنا الذي نعيش فيه.

لماذا يصر المهتمون بالشأن الإسلامي الدفاع عن كونهم يدعون إلى دولة مدنية وليست دينية، في حين أنَّ كلا المصطلحين عاريين من الصحة في هذه المرحلة، فالدولة الدينية مصطلح قادم من التاريخ، والدولة المدنية ليس لها معنى، فالدولة يطلق عليها مدنية الدولة لأنها مدنية بطبعها، فلنتخيل أنهم توجهوا بالتنظير في هذه الأمور إلى تشكيل الصورة المثلى من وجهة نظرهم لمكونات الدولة الحديثة، وأيضا اخترعوا هم بأنفسهم مصطلح (ص) للدولة الحديثة, يعبر عن وجهة نظرهم سيكون له أثر سيعتني به المهتمون بالشأن السياسي ولربما كان له أثر أبعد من ذلك.

أسئلة ملحة كثيرة.. تجعل البسطاء من أمثالي يدركون أنَّ العودة إلى أصول الأشياء أنقى وأطهر وأمتع للعقل من التوغل في أعماق بحار باحثين عن أرضية ليس لها قرار.

إنَّها دعوة لاستئصال كل ما ورد قديمًا من تفسيرات للمعاني, أنتجت تلك الإشكاليات الفكرية المعاصرة, ومحاولة إعادتها لأصلها أو تفسيرها من المنطلقات التالية:

  1. متطلبات المرحلة وخط الزمن وتحولاته، التي تفرز مع كل حقبة أنماط مختلفة من التفكير يجب أن توضع في الحسبان، (مثال: إنْ كان قديمًا السلطة الأبوية كثقافة في التعامل مع الأفكار هي المحدد لكثير من مدارس الإصلاح والتوعية في الوطن العربي، فقد أصبحنا في عصر يميل فيه أبنائه إلى النقد والتحليل والتمرد المحمود أحيانًا والمذموم أحيانًا أخرى).
  2. الكم المعرفي والمعلوماتي المتوفر لدى الإنسان – كوحدة – في هذا العالم وفي عصر أصبحت فيه المعرفة ملك للجميع، لم يعد فيه مكانًا للتعليم البنكي وحالة المفكر الرمز الذي له أتباع (أصبح الإنترنت والكتاب الإلكتروني بديلاً للمعلم, والمربي, والمفكر أحيانًا).
  3. الأدوات المعاصرة التي تتيح للعقل البشري أن يستوعب ويتعلم ويتفاعل مع الثقافات المختلفة مما يؤكد أهمية الابتعاد عن استخدام بعض الوسائل التي تعتمد على ما يسمى (ترسيخ قيم) أو (التربية بالهدف) أو ما شابه ولكن الاهتمام يجب أن ينصب في بوتقة تصحيح السلوكيات الفكرية التي تضمن أن يتعامل العقل مع كل المدخلات بشكل صحي يجعله إنسان متخذًا لقرارات سليمة.
  4. التعامل مع التراث الفكري بمنهجية التحليل والدراسة وبفلسفة تعتمد على استنباط ما يفيد في استقراء الواقع وليس كامتداد يحتاج إلى تطوير وترسيخ قواعد.

الحرية.. العدل.. الحب.. التعاون.. الإيمان.. الوطن.. الإنسان.. الشجر.. الألوان الأساسية.. تذكرني بالإنسان الأول الذي لم يكن لديه همّ في الحياة سوى أن يعيش بسلام, وما إن تطورت الحياة معه طوال العصور الماضية حتى أفرز معاني هي فروع من فروع من فروع وأصبح يخنق نفسه بتعريفات متواترة (مثال: الحب من وجهة نظر الإسلام, كيف يتعامل العرب مع الحب, ومعنى الحب عند المصريين القدماء, وفي الأصل الحب هو الحب شئنا أم أبينا).

وعلى الصعيد الآخر وفي الشأن السياسي خصوصًا مؤتمرات وندوات لتصحيح المفاهيم والقناعات والمصطلحات حول معنى الديمقراطية والليبرالية والاشتراكية, في حين أنّ إعمال العقل في أصل ما نريد أيسر الطرق لنصل إلى مبتغانا.

أعيدوا إلينا أصل الأشياء, فأنا كإنسان لا أعرف سوى السلام, والحرية, والعدل.. ولا أعرف في الألوان سوى الأحمر والأخضر والأزرق.. ولا أعرف في العالم سوى البحار والمحيطات والغابات والصحراء… ولا أعرف في الإنسان سوى العقل والروح والجسد.. وكل ما نعيشه الآن هو فرع من كل تلك الأشياء.. لكني أدرك يقينًا أنَّ الخالق الواحد هو فقط الذي يملك مسميات الأشياء, أما نحن فنجتهد في تعريفها كل حين, ولا يملك أحد الصواب الكامل في شيء.

http://feker.net/ar/2011/07/04/8720%e2%80%ac/

إضافة تعليق

4 + 6 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.