|
تباينت آراء الباحثين وعلماء الاقتصاد والاجتماع حول الليبرالية الجديدة وتجلياتها العولمية. وتداعياتها على أقاليم ودول وشعوب وشرائح اجتماعية واسعة، ورأى فيها المتحمسون لأطروحاتها جسراً للعبور إلى الحداثة والمنافسة، بينما حذر أصحاب الخبرة من ازدواجيتها وتناقض سياساتها، ومن تأثيراتها السلبية على البلدان المفقرة والفئات الشعبية.
وهذه وقفة مع وجهتي نظر في العولمة وسبل مناهضة تداعياتها السلبية على السوق وسيادة الدول للباحثين: د. عصام الزعيم 1940-2007، ود. ألمر التفاتر، صدرا في كتاب عن دار الفكر بدمشق عام 2011، وضم الكتاب رؤية باحث عربي وآخر غربي في ظاهرة عالمية، وهي طريقة مفيدة تتبعها دار الفكر في سلسلة كتبها الحوارية العديدة، ومحاولتها تأسيس أرضية إنسانية مشتركة تقوم على الحوار وتقارب الأفكار والرؤى، ووضع الحلول التي تأخذ المصلحة الجماعية والمنفعة المتبادلة بالحسبان.
نقد د. الزعيم العولمة الرأسمالية الجديدة وقواها ودولها المهيمنة منذ عقدين على الأسواق، وحصاراتها وتوسعها الإمبريالي، وينقد صفاتها المتناقضة: فهي تجنح إلى الديمقراطية والمشاركة والشفافية واللامركزية من جهة، ولكنها تجنح إلى الأوتوقراطية وحكم القلة، وتحفل بالمفاسد وبالأنشطة الخطيرة المشرعنة مثل المضاربة بالأسهم، وعمليات الهيكلة التي تؤدي إلى الإفلاس، ص 21.
تناول د. الزعيم الخلفية التاريخية لظاهرة العولمة، وأثر صعود النظام الاشتراكي وتفككه على انحسار العولمة ثم توسعها. وقارب ماهية العولمة من حيث أنها ليست نهاية التاريخ، بل مقدمة لمرحلة جديدة، وحلل سمات العولمة الجديدة وأركانها، ورأى فيها (ليبرالية منقوصة وعمالة مقيدة) لأنها تقوم على ثلاثة أركان هي: حرية التجارة، وحرية الرساميل والاستثمارات، وحرية انتقال الأفراد بين الدول. ويضاف إلى ذلك ركن رابع هو المنظمات الأهلية غير الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني، التي تتلقى دعماً من الأمم المتحدة أو من دول غنية، تدعم جهات تبرر سياساتها، ويؤدي ذلك إلى تقليص سيادة الحكومات وإضعاف دورها. ص 60.
وأورد د. الزعيم نتائج رقمية من تقرير للمصرف الدولي يشير إلى دور العولمة في تعميق التفاوت في الدخول على الأصعدة الوطنية والإقليمية والعالمية. ص 63.
واستنتج أن اللامساواة ابنة السوق، ثم عرج الباحث على نقائص نظام السوق في العولمة الراهنة وتجلياتها المتمثلة بهدر الموارد كلياً وترشيدها جزئياً، ووجود تناقض بين تضاعف إنتاجية العمل وتجميد الأجور وانتشار نظام العمل المؤقت وانتشار البطالة وتسريح العمال الواسع، واندماج الشركات وزيادة الأرباح الفاحشة، وتراجع النمو والرفاه في دول الجنوب وبعض دول الشمال، وهيمنة القطب الأمريكي الأحادي، وسياسات الاستقواء، وتفاقم الاختلال في النمو الاقتصادي، وفي توزع الاستثمارات عالمياً.
وختم الزعيم بحثه بعرض ملامح مقترحة لعولمة بديلة وقارن بين العوامل المحددة لاستمرار التطور الراهن، والعوامل المحددة للتغيير في نمط العولمة، وبين أن التعددية السياسية والاقتصادية، وتقنية المعلومات وتفعيل أدوار الحكومات الوطنية والأحزاب والنقابات والمنظمات الأهلية على أسس ديمقراطية، ومساهمة الاقتصاد الصيني وتجربة التحديث في الاقتصاد العالمي، ستسهم في وضع لبنات عولمة بديلة ذات ملامح إنسانية. ص 95-128.
وعرض ألمر التفاتر، البروفسور في العلوم السياسية بجامعة برلين الحرة، في بحثه المعنون (نقد العولمة) العلاقة غير المتكافئة والملتبسة بين العالم الغربي والشرق الأوسط من خلال منظومة الطاقة المعولمة، ولاحظ وجود تمايزات كبيرة ضد الشعوب في نطاق العولمة، تدل عليها المؤشرات الاقتصادية.
وانطلق من مقولة مفادها أنه (لا يمكن فهم اختلافات اتجاهات التطور التاريخية إلا عبر البحث في ديناميكية التطور من المستوى المحلي إلى المستوى العالمي، وهي مقولة وضعها هيجل وماركس. إذ لا يمكن فهم تطور البلد المفرد إلا ضمن المنظومة العالمية. ص 136.
وفنذ ألتفاتر مقولات فوكوياما وهنتنغتون ولايبنتز حول (نهاية التاريخ) و(صراع الحضارات) و،(أفضل العوالم الممكنة)، ورد عليها بمقولة فولتير الساخرة حين قال: إن العالم لم يثبت من قبل الإله في وضع معين، ويمكن أن يتغير كثيراً من خلال العقل الإنساني، ويقوم عالم آخر ممكن. ص 135.
وفي المجال العولمي الذي تظهر فيه حركة دائبة للاستثمارات والرساميل، وتكرس المنتجات والثروات، تغيب الحرب ظاهرياً بين المتنافسين، وتتناقص أجور العاملين بالقياس إلى الدخل القومي بحسب تقديرات مؤسسة النقد العالمية، لكن الحرب على الإرهاب والجريمة المنظمة وتغيير الأنظمة القسري في دول لها موقع مركزي أعاد العالم إلى استقطاب حاد بين مركز مهيمن وتابعين محاصرين، وقدم التفاتر تحذيرات بسبب تدمير الطبيعة وتوظيف المال النفطي لخدمة الاحتكارات. واستند إلى مقولة أندي شتيرن في كتابه (من سيربح حروب النفط): (منذ ولادة صناعة النفط الحديثة جلب تعقب النفط ثلاث خصائص إلى الجنس البشري: الطمع والفساد وشهوة الحرب). ودعا في ختام بحثه إلى بديل (لإمبريالية النفط الجديدة) يقوم على حوار نقدي مفتوح بين أوربا والبلدان العربية والدول النفطية الأخرى يراعي المصالح الاجتماعية والمدنية والمنافع المتبادلة.
وركز الباحثان على أن التناقضات داخل النظام العولمي وما تنتجه من أوضاع كارثية على الدول النامية والشغيلة والمفقَّرين، ومن حالات إفلاس وانهيار لحكومات وكيانات، ومن أوضاع غير عادلة في توزيع الثروة، أو في تحويل الأمم المتحدة إلى وكالة خدمة لمجمعات المصالح سيدفع القوى المتضررة كلها إلى بذل كل جهد من أجل بناء عولمة بديلة تؤمن سيادة الدول وتحترم الخصوصيات الثقافية وتفسح في المجال للتنمية المستدامة والكرامة الإنسانية.
خليل البيطار
جريدة النور
[
|
إضافة تعليق