الفاتحة تخلو من تعقيدات التجويد والبقرة ملخص القرآن

وسورة الفاتحة هي سورة مكيّة، ترتيبها في المصحف [ 1 ]، وترتيب نزولهـا [5] نزلت قبل سورة المسَـد وبعد سورة المدّثر، ولهـا خواصّ تنفرد بهـا من بين جميع سُوَر القُرآن الكريم، ومن هذه الخواصّ:
سُـهُولَة قِرَاءَتِهَـا مِنْ كلّ اللُغَـاتِ لِخُلوِّهَـا مِنْ تَعْقيدَاتِ عِلْمِ التَجْويدِ: [الإدْغامُ وَالإخْفاءُ وَالإقْلاَبُ وَالقَلْقَلَةُ]، كَمَا أنَّهَـا السُورَةُ الوَحيدَةُ التي تَتَوافَقُ مَعَ كُلِّ آيَاتِ القُرْآنِ الكَريمِ، إِذْ يَجُوزُ قِرَاءَة أيِّ آياتٍ مِنَ القُرْآنِ بَعْدَهَـا أثْنَـاءَ الصَلَواتِ، وَهِيَ السُّورَةُ الوَحِـيدَةُ التي فَرَضَ اللّـهُ قِرَاءَتَهَـا [17] مَـرَّة عَلى الأقَلِّ في اليَوْمِ الواحِـدِ، أثْنَـاءَ رَكَعَـاتِ الصَّلاَةِ المَفْروضَةِ، إذَا لَمْ نُضِفْ لَهَـا رَكَعاتِ صَلاَةِ السُـنَّةِ، حَيْثُ يَجُوزُ قِراءَتهَـا وَحْدهَـا في الرَكَعَاتِ الأخِيرَةِ مِنَ الصَلَواتِ بَعْدَ الجُلُوسِ، فَلاَ تَصِحُّ الصَلاَةُ بِقِراءَةِ أيِّ آيَـاتٍ مِنَ القَرْآنِ وَحْدهَـا بِدُونِ قِرَاءَةِ الفَاتِحَـةِ، وَلَـوْ قَرَأنَـا كُلَّ القُـرْآنِ دُونَ الفَاتِحَـةِ.
(الـحَـمْـدُ لِلَّـهِ) [ الفاتحة 2 ]، تَمَّ تَقْديـمُ كَلِمَةِ الحَمْدِ عَلى لَفْظِ الجَلاَلَةِ (للّه)، وَهِيَ قِمَّةُ فَـنٍّ بَـلاَغِيٍّ يُسَمَّى: [فَنُّ التَحْميـدَاتِ]، وَ[الحَمْـدُ] فيهِ مُنْتَهى التَواضُعِ الأخْلاَقِيِّ لِلإنْسَانِ مَعَ الآخَرينَ بِشَكْلٍ عَامٍّ، وَمَعَ خَالِقِـهِ بِشَـكْلٍ خَاصٍّ، لِذَلِكَ جاءت: (الـحَـمْـدُ لِلَّـهِ) بِصِيغَةِ الجُمْلَةِ الاسْمِيَّةِ التي تُفيدُ الثُبُوتَ وَالإطْـلاَق، فَهِيَ غَيْرُ مُرْتَبِطَـةٍ بِزَمَـانٍ أوْ مَكَانٍ أوْ مَادِحٍ مُعَيَّنٍ، وَهِيَ أوْلى مِنْ جُمْلَةِ [حَمْدَاً] بِصِيغَةِ النَكِرَةِ ذَاتِ الصِّيغَةِ الفِعْلِيَّةِ، وَالحَمْدُ لاَ يَكُونُ إلاَّ لِلحَيِّ، أمَّا المَيِّتُ أوِ الجَمادُ فَيُمْدَحُ فَقَطْ، فَنَحْنُ [نَمْدَحُ] مَعْدَنَ الذَهَبِ مَثَلاً وَلاَ [نَحْمَدُهُ]، لِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: [المَـدْحُ لِلَّهِ]، وَالحَمْـدُ لاَ يَأْتي إلاَّ بَعْدَ الإحْسَانِ للمَادِحِ وَغَيْرِهِ، أمَّا [الشُكْرُ] فَيَكُونُ بِالإنْعَامِ الوَاصِلِ للشَاكِرِ فَقَطْ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: [الشُكْرُ لِلَّهِ].
وَاللَّهُ سبحانه [حَميدٌ] بِذَاتِهِ دُونَ الحَاجَةِ لِحَمْدِ المَخْلُوقَاتِ لهُ: (فكَـفَروا وتولوا وَاسْـتَغْـنى اللّـهُ وَاللّـهُ غَـنِيٌّ حَـمِـيدٌ) [التغابن 6]، وَقَدْ ذَمَّ اللهُ طَالِبي الحَمْدِ: (وَيُحِـبُّونَ أنْ يُحْـمَـدوا بِمَا لَمْ يَفْعَـلُوا) [آل عمران 188].
(غَـيْرِ الـمَـغْـضُـوبِ عَـلَـيْهِـمْ )[الفاتحة 7]، وَمنَ المغضوب عليهم قاتلو الناس: (وَمَـنْ يَقْتُلْ مُـؤْمِـنَاً مُـتَعَـمِّـدَاً فَجَـزَاؤُهُ جَـهَـنَّمُ خالداً فيها وَغَـضِـبَ اللّـهُ عَـلَـيْهِ وَلَـعَنَهُ ) [النساء 93]
وَمِنْهُمْ الكافـرون: (فبَاءوا بِغَـضَـبٍ عَـلـى غَـضَـبٍ وَلِلْـكَـافِـريْنَ عَـذَابٌ مُـهِـيْنٌ) [البقرة 90].
(وَلاَ الـضَـالّـينَ) [الفاتحة 7]، وَمِنْهُمْ الكافِرونَ: (وَ مَـنْ يَـكْـفُرْ باللّـهِ وَمَـلاَئِـكَـتِهِ وَكُــتُبِهِ وَالـيَوْمِ الآخِـرِ فَقَـدْ ضَـلَّ ضَـلاَلاً بَعِـيدَاً)[ النساء 136 ]، وَمُتَّبِعو الهَـوى: (قُلْ لاَ أتَّبِـعُ أهْـواءَكُـمْ قَـدْ ضَـلـَلَـتُ إذَاً وَمَـا أنَا مِـنَ الـمُـهْـتَدينَ قُـلْ إنَّي عَـلـى بَيِّنَةٍ مِـنْ رَبَّي) [الأنعام 56]، والذينَ يقنطون من رحمة الله هُـم أيْضاً ضـالّون: (وَمَـنْ يَقْـنَطُ مِـنْ رحْـمَة ربّهِ إلاّ الـضـالّونَ)[الحجر 56].
ســورة البـقـرة
هِيَ أطْوَلُ السُوَرِ المَدَنيَّةِ، ترتيبُهَا في المُصْحَفِ [2]، وَتَرْتيبُ نُزُولِهَـا [87] حيثُ نزلت قبل سورة الأنفال وبعد سورة المطففين، وَعَدَدُ آيَاتِهَا [286] آيَة.
إنّ بداية سورة البقرة وخاصّةً الصفحة المُقابلة لسورة الفاتحة، تُحدّد صفات [المتّقين] الذين سيكونون هُم [المفلحون] يوم الحساب، والكَلِمَاتِ الأولى مِنْ كِتَابِ اللّهِ هيَ: (ذَلِـكَ الـكِـتَابُ لاَ رَيْـبَ فِـيـهِ) [البقرة 2 ]، نُلاحِظُ أنَّهُ قَالَ: (ذَلِـكَ الـكِـتَابُ)، وَلَمْ يَقُلْ: [هَـذا الكِتَابُ]، لأنَّ: (ذلِكَ) تُفيدُ البُعْـدَ، أيْ أنَّ: كِتَابَ القُرْآنِ الكريمِ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ (لا رَيْبَ فِيهِ)، وَلَنْ يَسْتَطيعَ أحَدٌ إيجَادَ أيِّ رَيْبٍ فيهِ، حَتَّى في رَسْمِ كَلِمَاتِهِ كَكِتابٍ، بالرَغْمِ مِنْ تَنَوّعِ مَواضِيعِهِ في شَتّى المَجالاتِ كالتَشْريعِ وَالفَلَكِ وَالطبِّ وَالطبيعَةِ.
وتُعتبر سورة البقرة [مُلَخَّصَاً] لِكُلِّ القُرْآنِ الكَريمِ، لِذَلِكَ كَانَ الصَحَابَةُ الكِرامُ عليهم رضوان الله جميعاً، يَحْرِصُونَ عَلى حِفْظِهَا غَيْبَاً وَكَانُوا يُدْعَوْنَ: [أصْحابَ سُورَةِ البَقَرَةِ]، وَتَبْدَأُ السُّورَةُ بِبيَانِ سُبُلِ الهِدايَةِ [ الآيات مِنْ 1 إلى 8 ]، ( بَعْدَ أنْ وَرَدَ في سُورَةِ الفَاتِحَةِ آية: (اِهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقيمَ).
ثُمَّ تُوضِحُ السُّورَةُ أنَّهُ سَيَكُونُ هُناكَ مُنافِقُونَ يَتَظَاهَرونَ بالإيْمَانِ، وَأنَّ هُناكَ طَائِفَة إيْمَانُهَا ضَعيفٌ تُحَاوِلُ إقَامَةَ عَلاقَاتٍ سِرِيَّةٍ مِعَ هَؤلاَءِ المُنافِقِينَ [الآيات مِنْ 9 إلى 21]، وَأنَّ عَلى كُلِّ شَخْصٍ أنْ يَصِلَ بِمَعُونَةِ القُرْآنِ إلى رَبِّهِ، وَإذَا كَانَ يَتَّبِعُ غَيْرَ دِينِ القُرْآنِ، فَعَليْهِ أنْ يُقَارِنَ دِينَهُ مَعَ دِينِ القُرْآنِ، وَإذَا رَفَضَ المُقَارَنَةَ وَالحُجَّةَ وَقِياسَ صِدْقِ القُرْآنِ مَعَ صِدْقِ الكُتُبِ السَّماويَّةِ السَّابِقَةِ، فَلاَ مَفَرَّ مِنْ عَذَابِ النَارِ، فَلِمَاذَا يَخْلُقُونَ الأَعْذَارَ لِعَدَمِ قَبُولِ الحَلَقَةِ الأَخيرَةِ لِنِظَامِ الارْتِقَاءِ الإيْمَانيِّ [الآيات مِنْ 22 إلى 30]، ثُمَّ تذكر الحَلَقة الأولى مِنَ السِلْسِلَةِ وَهُوَ آدَمُ عليه السلام..
فالذينَ احْتَرَمُوا آدَمَ مَلاَئِكَةٌ، وَالذينَ لَمْ يَحْتَرِمُوه ُشَيَاطِينٌ [الآيات مِنْ 31 إلى 40 ]، وَأنَّ اللّهَ قَدْ أرْسَلَ رُسُلاً تَتْـرا، وَمِثَالُ مُوسى عليه السلام لَيْسَ بِبَعيدٍ، ثُمَّ تُفَنِّدُ السُورَةُ حُجَجَ وَجِدَالَ المنافقين عَلى تَحْويلِ القِبْلَةِ وَغَيْرِهَا، [ الآيات مِنْ 123إلى 153 ]، وَفي النِّصْفِ الثَّاني مِنَ السُّورَةِ تَتَوَضَّحُ جَميعُ الأَحْكَامِ وَالعِبادَاتِ الإسْلاَمِيَّةِ بدءاً مِنَ الآيَةِ 214: ( يَسْـأَلُـونَكَ ... يَسْـأَلُـونَكَ ... يَسْـأَلُـونَكَ)، ثُمَّ تُخْتَتَمُ السُورَةُ بِأفْضِلِ الأدْعِيَةِ.
استوقد ناراً
إنّ كلمة [استوقد] تختلف عن كلمة [أوقد]، فكلمة [أوقد] تُستخدم للنار المعروفة: (فَـأَوْقِـدْ لِـي يَا هَـامَـانُ عَـلـى الـطِـيْنِ) [القصص 38]، أمّـا كلمة [استوقد] فهي لنـار [الحقد والكراهية] للآخرين، وهذا يضع الجسم في حالَةِ [الحُموضَةِ] وَيُذْهِبُ الطاقَة للشخص والذين يُحيطون بـه، لذلك تقول الآية: (مَـثَلُـهُـمْ كَـمَـثَلِ الـذي اِسْـتَوْقَـدَ نَاراً فَلَـمَّـا أَضَـاءَتْ مَـا حَـوْلَـهُ ذَهَـبَ اللّـهُ بِنُورِهِـمْ) [البقرة 17]، ولم تقُل: [بنـوره].

إضافة تعليق